بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
تتكرر ظاهرة سوء فهم عبارات ابن تيمية رحمه الله، مما يؤدي إلى نتائج خاطئة وتأويلات غير مقصودة،
سواء من قِبل الغلاة الذين يطعنون فيه ويكفّرونه، أو من قِبل الجفاة الذين يبررون البدع ويدافعون عن أهلها، بل ويُثبتون إسلام من أجمع العلماء على كفرهم.
إن هذه العبارات، التي قد تبدو في ظاهرها ثناءً أو تساهلاً، تحتاج إلى فهم عميق لسياقها ومقصد ابن تيمية منها ومن الأمثلة على هذه العبارات
1. قضية ابن كُلّاب والأشعري: "مسلمًا باطنًا وظاهرًا ورجلاً فاضلاً جليل القدر"
كثيرًا ما تُستغل عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية عن ابن كلاب، رأس الكلابية، وعن أبي الحسن الأشعري، وهي قوله عن ابن كلاب "مسلمًا باطنًا وظاهرًا ورجلاً فاضلاً جليل القدر" أو قوله بعدها عن الأشعري كذلك "مسلمًا باطنًا وظاهرًا".
شرح الأصبهانية مكتبة دار المنهاج الصفحة ٣٨٤
يفسر البعض هذه العبارة على أنها حكم قطعي بإسلامهما وعدم تكفيرهما من قِبل ابن تيمية.
ولكن، لابد من فهم سياق هذه العبارة ومقصد ابن تيمية منها:
جاء كلام ابن تيمية هنا في سياق رده على افتراءات المعتزلة و التي أخذها كذلك بعض الحنابلة المبغضين للرجل الذين كانوا يطعنون في ابن كلاب والأشعري،
ويدعون أنهما كانا نصرانيين في الباطن أو يبطنان خلاف ما يظهران،
أو أنهما ماتا على فواحش وقد ساق ابن تيمية شيئا من هذه الدعاوى الباطلة في ذات الصفحات من أن الن كلاب كان نصرانيا فلما أسلم هجرته اخت له نصرانية فراضاها بأن قال لها إنما فعلت ذلك لأفسد دين المسلمين وأن أبا الحسن الأشعري مات سكرانا وهو يزني بغلام
فابن تيمية أراد أن يدحض هذه المزاعم ويبين أن الرجلين كانا يعتقدان ما يظهرانه ويُدينان به سواء كان صوابًا أو خطأ.
وقوله "مسلمًا باطنًا وظاهرًا" يعني أن باطنهما كان متوافقًا مع ظاهرهما في انتسابهما إلى الإسلام وليس أنه حكم لهما بالإسلام الصحيح الخالص من البدعة أو الكفر.
وسيتبين في قادم المقال أن ابن تيمية استعمل هذه العبارة -مسلم باطنا وظاهر- في بعض المنتسبين لفرق الاسماعيلية والباطنية الذين أجمع أهل السنة على كفرهم
بل وابن تيمية نفسه يقول أن من شك في كفرهم فهو كافر مثلهم فيدل ذلك على ما قدمنا من معنى هذا المصطلح عنده
وابن تيمية نفسه كان يعلم أن كثيرًا من السلف قد كفّروا ابن كلاب،
وقد نقل السجزي تكفير ابن كلاب في رسالته في الحرف والصوت لأهل زبيد
رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت ١/١٥٥
وكذلك ابن منده في الإبانة الصغرة عده في رؤوس أهل الكفر والضلال
الإبانة الصغرى لابن بطة ت عادل آل حمدان صـ ٣٠٨
وقال عنه قوام السنة أنه أتى بعد فضح المعتزلة بكلام ظاهره موفق وباطنه موبق أنه كان يقول أن القرآن الذي بأيدينا حكاية -وهي نفس المقالة التي نقل قوام السنة الإجماع على تكفي القائلين بها-
الحجة في بيان المحجة ٢/٥٥٠
وقال ابن قدامة: وَلَا خلاف بَين الْمُسلمين أَجْمَعِينَ أَن من جحد آيَة أَو كلمة مُتَّفقا عَلَيْهَا أَو حرفا مُتَّفقا عَلَيْهِ أَنه كَافِر وَقَالَ عَليّ رضي الله عنه من كفر بِحرف مِنْهُ فقد كفر بِهِ كُله والأشعري يجحده كُله وَيَقُول لَيْسَ شَيْء مِنْهُ قُرْآنًا وَإِنَّمَا هُوَ كَلَام جِبْرِيل
المناظرة في القرآن ١/٣٣
بل ابن تيمية نفسه ينقل عن الكرجي أنه قال: فمن قال: أنا شافعيُّ الشَّرع أشعريُّ الاعتقاد، قلنا له: هذا من الأضداد، لا بل من الارتداد
الانتصار لأهل الأثر المطبوع باسم «نقض المنطق» ١/٢٤٧
فكما ترى هذه كلها نصوص عن أئمة فحول في تكفير ابن كلاب والأشعري لا لأجل دعوى أنه كان نصرانيا أو أن الآخر كان صاحب سكر وفواحش بل هو تكفير لهم لأجل مقالاتهم التي كانوا يظهرونها ويعلنونها
وابن تيمية قد يرى هؤلاء معذورين جاهلين، لكنه لا يشنع ويتهم من كفّرهم من السلف، بل يختار لنفسه قولًا
ملاحظة: المتمسكون بهذه العبارات منه حتى لو كانت كما فهموها فلن تنفعهم لأنهم لا يريدون من ذلك أعيان هذين الشخصين بل يريدون أن يدفعوا التكفير بالكامل عن الفرقة المنتسبة لهما وابن تيمية إن كان يرى أنهما معذوران لم تقم عليهما الحجة أو أنهما تابا من ضلالاتهما فهذا أمر مختص بهما لا يعمم على كل من قال بمثل قولهما
2. عبارة "مبتدعة المسلمين" عن الجهمية أو الرافضة
استخدم ابن تيمية عبارة "مبتدعة المسلمين" عدة مرات في كتبه، متحدثًا عن الرافضة أوالجهمية وغيرهم.
وقد استغلها الغلاة والجفاة على حد سواء:
فالغلاة: يقولون إن ابن تيمية لا يكفّر الجهمية، فهو كافر مثلهم أو يدخل في إطار من لم يكفر الكافر.
والجفاة: يقولون إن ابن تيمية لم يكفّر هؤلاء القوم، فلنفعل مثله ولا نكفرهم.
من أمثلة ذلك:
يقول في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَوْلُ مَنْ يَنْفِي الصِّفَاتِ، مِثْلُ الْمَلَاحِدَةِ الْجَهْمِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ، مِنْ مُبْتَدِعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ، وَبَعْضِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَهَؤُلَاءِ لَا قالوا تَقُومُ بِهِ الْمَعَانِي وَالصِّفَاتُ
ويقول في مجموع الفتاوى:وَقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ مُبْتَدِعَةِ الْمُسْلِمِينَ: مِنْ الرَّافِضَةِ وَالْجَهْمِيَّة وَغَيْرِهِمْ إلَى بِلَادِ الْكُفَّارِ فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَانْتَفَعُوا بِذَلِكَ وَصَارُوا مُسْلِمِينَ مُبْتَدِعِينَ وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَكُونُوا كُفَّارًا
ومثل هذه النصوص الموجودة في بعض كلامه
لتوضيح مقصده:
ابن تيمية يستخدم هذه العبارة بمعنى "المنتسبون إلى الإسلام" أو الفرق التي تدعي الإسلام، ليميزهم عن اليهود والنصارى والفلاسفة والمشركين.
هذا تصنيف لمجرد الانتماء الظاهري، وليس حكمًا على صحة عقيدتهم أو براءتهم من الكفر.
وأحكامه الصريحة الأخرى: في مواضع أخرى من كتبه بكفرهم وارتدادهم كثيرة سننقل طرفا منها
صرّح ابن تيمية بأن الرافضة مرتدون، وأن الجهمية شرّ منهم، وأنهم كفار
قال في الفتاوى الكبرى لابن تيمية ٦/٤٠٣:
قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ خَلْقِ الْأَفْعَالِ، حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ اللال الْأَنْصَارِيُّ قَالَ سَمِعْت وَكِيعًا يَقُولُ لَا تَسْتَخِفُّوا بِقَوْلِهِمْ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَإِنَّهُ شَرُّ قَوْلِهِمْ إنَّمَا يَذْهَبُونَ إلَى التَّعْطِيلِ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ وَكِيعٌ الرَّافِضَةُ شَرٌّ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ وَالْحَرُورِيَّةِ شَرٌّ مِنْهُمَا وَالْجَهْمِيَّةُ شَرُّ هَذِهِ الْأَصْنَافِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وَيَقُولُونَ لَمْ يُكَلِّمْ وَيَقُولُونَ الْإِيمَانُ بِالْقَلْبِ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ وَكِيعٌ احْذَرُوا هَؤُلَاءِ الْمُرْجِئَةِ وَهَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةُ وَالْجَهْمِيَّةُ كُفَّارٌ وَالْمَرِيسِيُّ جَهْمِيٌّ وَعَلِمْتُمْ كَيْفَ كَفَرُوا قَالُوا تَكْفِيك الْمَعْرِفَةُ وَهَذَا كُفْرٌ، وَالْمُرْجِئَةُ يَقُولُونَ الْإِيمَانُ قَوْلٌ بِلَا فِعْلٍ وَهَذَا بِدْعَةٌ، فَمَنْ قَالَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ،
قَالَ: وَقَالَ وَكِيعٌ عَلَى الْمَرِيسِيِّ لَعَنَهُ اللَّهُ يَهُودِيٌّ هُوَ أَوْ نَصْرَانِيٌّ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ كَانَ أَبُوهُ أَوْ جَدُّهُ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا قَالَ وَكِيعٌ وَعَلَى أَصْحَابِهِ لَعْنَةُ اللَّهِ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، وَضَرَبَ وَكِيعٌ إحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى فَقَالَ هُوَ بِبَغْدَادَ يُقَالُ لَهُ الْمَرِيسِيِّ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ.
ويقول أيضا: وَالرِّدَّةُ قَدْ تَكُونُ عَنْ أَصْلِ الْإِسْلَامِ، كَالْغَالِيَةِ مِنَ النَّصِيرِيَّةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، فَهَؤُلَاءِ مُرْتَدُّونَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ، وَكَالْعَبَّاسِيَّةِ
وَقَدْ تَكُونُ الرِّدَّةُ عَنْ بَعْضِ الدِّينِ، كَحَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ الرَّافِضَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَاللَّهُ تَعَالَى يُقِيمُ قَوْمًا يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، وَيُجَاهِدُونَ مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الدِّينِ، أَوْ عَنْ بَعْضِهِ، كَمَا يُقِيمُ مَنْ يُجَاهِدُ الرَّافِضَةَ الْمُرْتَدِّينَ عَنِ الدِّينِ، أَوْ عَنْ بَعْضِهِ، فِي كُلِّ زَمَانٍ.
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمَسْئُولُ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، الَّذِينَ يُجَاهِدُونَ الْمُرْتَدِّينَ وَأَتْبَاعَ الْمُرْتَدِّينَ، وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ
منهاج السنة النبوية ٧/٢٢٢
ويقول كذلك في نفس الكتاب ردا على الرافضي:
وَالْجَوَابُ بَعْدُ أَنْ يُقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُرْتَدِّينَ الْمُفْتَرِينَ، أَتْبَاعِ الْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ بَرَزُوا بِمُعَادَاةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَكِتَابِهِ وَدِينِهِ، وَمَرَقُوا مِنَ الْإِسْلَامِ وَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَشَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَعِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَوَلَّوْا أَهْلَ الرِّدَّةِ وَالشِّقَاقِ
فَإِنَّ هَذَا الْفَصْلَ وَأَمْثَالَهُ مِنْ كَلَامِهِمْ يُحَقِّقُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الْمُتَعَصِّبِينَ عَلَى الصِّدِّيقِ وَحِزْبِهِ مِنْ أُصُولِهِمْ مِنْ جِنْسِ الْمُرْتَدِّينَ الْكُفَّارِ، كَالْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمُ الصِّدِّيقُ.
منهاج السنة النبوية ٤/٤٩٠
فكلامه عن "مبتدعة المسلمين" لا يتعارض مع أحكامه الصريحة بتكفيرهم، بل هو لتمييزهم عن الملل الأخرى في سياق الحديث عن الفرق.
لذلك تجده يستعمل عبارات منافقي المسلمين فيتضح هنا أنه يريد الفرق البدعية المنتسبة للإسلام أو المنشقة عنه فيقول فلاسفة النصارى وفلاسفة المسلمين مثلا وكلا الفرقتين كفار عنده
فكما أن ابن تيمية ألزم نفسه في كلامه مع الرافضي بمصطلح خاص لأهل السنة يشمل كل من يرى خلافة الشيخين
فهو في كلامه مع النصارى ألزم نفسه أن يسمي بالمسلم كل من يرى نبوة محمد ﷺ لهذا لو راجعت مثل هذه النصوص لن تجدها غالبا إلا في رد على نصراني أو غيره من كفرة الملل
3. الدروز والنصيرية والإمامية: "مسلمون باطنًا وظاهرًا" و "علماؤهم وصلحاؤهم"
أفتى ابن تيمية بأن الدروز والنصيرية كفار باتفاق المسلمين، وأنهم مرتدون عن دين الإسلام، ولا يحل أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم، ومن شك في كفرهم فهو كافر مثلهم.
انظر مجموع الفتاوى ٣٥/١٦
وقد أمر بقتل علمائهم وصلحائهم.
تثير بعض العبارات هنا التباسًا:
"علماؤهم وصلحاؤهم": قد يُفهم من كلمة "صلحاؤهم" أنها ثناء أو إقرار بإسلامهم.
لكن ابن تيمية يقصد بـ"الصالحين" هنا من يُظهر العبادة والزهد وحسن الخلق في الظاهر،
حتى وإن كان كافرًا أو مرتدًا في الحقيقة.
فالصلاح الظاهري لا ينافي الكفر والرِّدة في عقيدة ابن تيمية.
ومن أمثلة ذلك تجده يقول عن الإمامية والإسماعيلية في منهاج السنة: "فيهم خلق مسلمون باطنا وظاهرا ليسوا زنادقة منافقين". نلاحظ أنها نفس العبارة التي قالها في ابن كلاب والأشعري
وعن عوام الإسماعيلية الباطنية: "عوامهم الذين لم يعرفوا باطن أمرهم فقد يكونون مسلمين".
بينما مقصود ابن تيمية أن هؤلاء لا يُخفون دينًا باطنيًا كفريًا كأئمتهم،
بل يظهرون الإسلام ويعتقدونه، أي أن ظاهرهم وباطنهم متطابقان على ما يعتقدونه من الإسلام الذي يدعونه -وإن كان هو كفرا في حقيقة الأمر- وليسوا منافقين يخفون الكفر المطلق في الباطن.
وهذا لا يعني حكمًا منه بإسلامهم على الحقيقة، بل هو وصف لعدم نفاقهم الباطني، بينما هو يعتقد كفرهم ووجوب استتابتهم جميعًا.
وقد قدمنا سابقا قوله أن النصيرية والإسماعيلية كفار مرتدون باتفاق السنة والشيعة الرافضة
انظر هنا مقالا في تكفير ابن تيمية للرافضة وبيان كذب من نسبه لغير ذلك
4. استخدام الألقاب والثناء الظاهري: "الفقيه الشيخ" و "أحسنهم إسلامًا"
استعمل ابن تيمية ألقابًا تبدو مدحًا لبعض الأعلام الذين يرى فيهم بدعة أو كفرًا فقال مثلا:
العز بن عبد السلام: وصفه بـ"الفقيه الشيخ أبي محمد بن عبد السلام".
مع ذلك وصفه ابن تيمية نفسه في مواضع أخرى بأنه "جهمي كلابي".
وقال عنه في موضع آخر أنه "سلك مسلك الملاحدة"
هذا يدل على أن استخدام الألقاب كـ"شيخ" أو "فقيه" كانت عبارات سائدة في ذاك الزمان على سبيل التساهل،
ولا تمنع من وجود البدعة أو حتى الكفر عند ابن تيمية.
سيف الدين الآمدي: قال عنه "وكان من أحسنهم إسلامًا وأمثلهم اعتقادًا".
هذا مع العلم بأن الآمدي كان شَاكًّا في الله، كما وصف ابن القيم في النونية بل وقد قال عنه الذهبي "وصح عنه أنه كان يترك الصلاة"
وذُكر في ترجمته أنه نفي من دمشق لسوء اعتقاده وقد قال عنه ابن الصلاح لما نزعت منه أحد المدارس التي كان قائما عليها قال: أخذها منه أحب إلي من نزع عكا من الصليبيين
هذا المثال يوضح أن عبارة "أحسنهم إسلامًا" كانت ربما وصفًا لظاهر سمت الرجل أو مقارنة بمن هو أشد منه كفرًا وزندقة،
لا حكمًا بصحة عقيدته أو صلاح دينه في حقيقة الأمر.
والخلاصة إن ابن تيمية كغيره من العلماء تحتاج عباراتهم إلى فهم دقيق لسياقاتها ومقاصدها.
فإن سوء فهمها واستغلالها أدى إلى آفات خطيرة:
فيستغل الغلاة هذه العبارات للطعن في ابن تيمية وتكفيره بزعم أنه لا يكفر أهل البدع الكفرية الذين أجمع السلف على كفرهم
ويستغل الجفاة هذه العبارات لتبرير بدع الفرق الضالة وإثبات إسلامهم مخالفين بذلك إجماعات الأمة.
ثم ينبغي أن يُعلم أن هذه العبارات حتى لو صدرت من ابن تيمية أو الذهبي أو غيرهما من أهل ذلك الزمان هي عبارات خاطئة تسببت في شرّ عظيم وما نراه في زماننا من سوء استغلال لها من الأطراف التي ذكرناها هو خير دليل.
ويجب تقديم كلام ابن تيمية الصريح والواضح في تكفير الفرق الباطنية والمرتدة وفي تكفير من لا يكفرها وإقامة الحدود عليهم على العبارات المجملة أو التي لها سياق خاص
وقبل ذلك كله يجب تقديم كلام السلف على كلام ابن تيمية سواء الكلام المحرف أو الكلام الصريح لا أن يرد كلامهم ويقدم عليه كلام ابن تيمية أو غيره بحجة أن هؤلاء حرروا مذهب السلف أو أعلم منا بكلامهم وغير ذلك من التخاريف والكذب.
فالواقع يشهد بالشر العظيم الذي ترتب على هذه العبارات وما رؤي شره غني عن شرح خطره.
والله المستعان وعليه التكلان.
شاهد هذه الفيديوهات لمزيد تفصيل
