الرد على عبد العزيز الريس فيما دلس عن السلف

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبعد.


نشر عبد العزيز الريس مقالاً من ثماني صفحات بعنوان: "عدم تكفير السلف للمعين إلا بعد قيام الحجة خلافاً للحدادية السرورية". وبعد أن قرأته، وجدت أنه والحمد لله غالب ما قيل فيه رددنا عليه في حلقات مفصلة، 

بل وفي غير ما قيل وأكثر من ذلك. لكنني إن شاء الله سأعلق عليه بخصوصه فقد رأيت الريس بعد نشر المقال يتبعه برسالة يقول فيها:

أهل السنة:

اجتهدوا في نشر هذا المقال وفي نشر الرد على الخليفي لقطع الطريق على الحدادية السرورية فقد استفحل شرهم لا سيما على الشباب الانترنتي

فعجبت أنه يرى من هذا المقال الهش حجة قاصمة لخصومه فسأرد على ما ذكر في هذا المقال من دعاوى ثم حين يحتاج الأمر سأحيل إلى حلقات أو مقالات في الرد على بعض النقاط التي يطول التعليق عليها أو لمزيد فائدة، 

حتى نبين أن هذا الرجل، وكما أقول دائماً، عبد العزيز الريس ليس جاهلاً، الرجل ليس جاهلاً أو أحمقاً خلافاً لكثير من المداهنين المدجنة الذين نحسن الظن بهم أنهم يقولون كلاماً لا يعرفونه. لا، الرجل كذاب مدلس، يعرف ما يقول ثم يكذب ليخدع الجهال.

يقول في مقاله: "بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد؛ فقد دل الكتاب والسنة والإجماع على أن هناك فرقاً بين الكفر بالفعل والقول والعمل، وكفر المعين والفاعل". كما قال ابن تيمية 

قلت الكتاب والسنة والإجماع عنده قال ابن تيمية! الله المستعان، ألم ينظر الرجل أنه فاته سبعة قرون 

يقول: "وقد عارض هذا الحدادية السرورية، الخليفي وأتباعه كمحمد شمس، هداهم الله".


قلت انظر هنا كيف يبدأ الكذب؛ أولاً إن كنت تقصد أن هؤلاء الحدادية - وأصلاً السرورية من أكثر الناس عذرا ودعوى لاجتماع الكلمة مع أهل البدع ولا علاقة لهم بمن يسميهم الحدادية من قريب أو بعيد لكن إنما يريد بذلك الشناعة على مخالفيه ولو بالافتراء- لا يفرقون أبداً بين الحكم العام وبين جواز الاستثناء والتخصيص لبعض الأعيان  وأن يكون الفعل كفراً لكن يعذر به بعض الناس؟ هذا كذب! ومحمد بن شمس الدين له مقالة كاملة في هذا. https://mshmsdin.com/archives/5615 


بل إنك لتعجب من ذكره لمحمد بن شمس الدين مع الخليفي في أول مقاله ومحمد بن شمس الدين صرح أن لا يكفر كل الأشعرية مثلا مع أنه يكفر مقالاتهم لكن ما ينقمه الريس على محمد بن شمس الدين أنه يظهر تبديع أعيان الأشعرية والتشنيع عليهم في حين أن الريس لا يختلف عن محمد بن شمس الدين في تبديعهم لكنه يقول نخفي هذا التبديع ولا نظهره فهذا سبب البغض وليس الحكم بالتكفير أو التبديع كما يزعم

وعلى كل فنحن لا نخالف في أصل أن هناك عذرا لمن يقع في بعض صور الكفر بجهل أو تأويل أو إكراه أو خطأ 

لكننا نخالف القوم في بعض هذه الكفريات كالشرك الأكبر أو القول بخلق القرآن أو إنكار العلو الذي يجعلون الواقع فيه معذورا، 

ثم نخالفهم في بعض الناس الذين يجعلونهم معذورين وهم علماء ليسوا بجهال، حتى نعذرهم بالقول إنه لم تبلغهم الحجة ونحو ذلك! الله المستعان.


يقول: "وليس المراد من هذه الأسطر ذكر أدلة على ذلك، بل نقض قولهم في أن السلف لا يعذرون بالجهل لمن وقع في مكفر كالقول بخلق القرآن"

قلت هنا دائماً تأتي بكلمة "مكفر" بالنكرة؛ كأنه يتهمنا أنا نقول أن السلف لا يعذرون بأي مكفر وهذا والله كذب، 

السلف يعذرون لمن وقع في مكفر جهلاً إن كان مما يخفى، لكن كالقول بخلق القرآن؟ هنا يأتي الإشكال: هل القول بخلق القرآن هو من هذه المكفرات التي يعذر بها السلف بالجهل؟ هنا الخلاف، ليس أنهم لا يعذرون في مكفر أبداً. 

أولا: كلام الشافعي

يقول "ومن أراد الأدلة من الكتاب والسنة فليرجع إلى كتاب العذر بالجهل بين الغلو والجفاء، والإلمام بشرح نواقض الإسلام. وإليك النقولات عن سلف هذه الأمة: أولاً: قال الإمام الشافعي وقد سئل عن صفات الله وما ينبغي أن يُؤمن به، فقال: لله تبارك وتعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم أمته، لا يسع أحداً من خلق الله قامت عليه الحجة أن القرآن نزل به وصح عنه بقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عنه العدل، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يُدرك بالعقل ولا بالرَّوِيَّة والفكر". ثم يضع لك المصدر هنا كتاب طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى.

قلت هذه العقيدة يا إخوة التي قرأتموها نفسها قالها بالنص الطبري في كتابه التبصير في معالم الدين، وتنبيهًا لقاعدة: ثبوت الشيء لا ينفي ما عداه. 

نقول هل قول الشافعي هذا يلزم منه أنه يعذر بالجهل من قال إن كلام الله مخلوق؟ هنا نعرف من كلام الطبري رحمة الله عليه، 

الطبري في "التبصير في معالم الدين" يقول نفس هذا الكلام بالحرف، يقول: "ولله تعالى ذكره أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم أمته، لا يسع أحداً من خلق الله قامت عليه الحجة بأن القرآن نزل به وصح عنده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه به الخبر خلافه، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه به من جهة الخبر على ما بينت فيما لا سبيل إلى إدراك حقيقة علمه إلا حساً فمعذور بالجهل به الجاهل؛ لأن علم ذلك لا يُدرك بالعقل ولا بالرَّوِيَّة والفكرة". ثم ساق أمثلة إلى أن قال في آخرها: "فإن هذه المعاني التي وصفت ونظائرها مما وصف الله عز وجل بها نفسه أو وصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم مما لا تُدرك حقيقة علمه بالفكر والرَّوِيَّة ولا نكفر بالجهل بها أحداً إلا بعد انتهائها إليه، فإن كان الخبر الوارد بذلك خبراً تقوم به الحجة مقام المشاهدة والسماع وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته في الشهادة عليه بأن ذلك جاء به الخبر نحو شهادته على حقيقة ما عاين وسمع". 

هذا الكلام هو نفسه كلام الشافعي رحمه الله فهل قول هذا الكلام يعني يعذر بالجهل من قال إن كلام الله مخلوق وإن الله لا يتكلم؟ الجواب لا؛ لأن الطبري نفسه إنما قال هذا الباب كله بعد ذكر باب قبله يستدل فيه على أن لله عز وجل صفات تُعرف بالعقل، لا يجوز للشخص أن يبلغ حد التكليف إلا وهو يعلمها لربه عز وجل، فإن بلغ حد التكليف ولم يعلمها فهو كافر، 

يقول: ولن يستحق أحد أن يقال له إنه عارف المعرفة التي إذا قاربها الإقرار والعمل استوجب به اسم الإيمان، وأن يُقال له إنه مؤمن إلا أن يعلم بأن ربه صانع كل شيء ومدبره منفرداً بذلك دون شريك ولا ظهير، وأنه الصمد الذي ليس كمثله شيء، العالم الذي أحاط بكل شيء علمه، والقادر الذي لا يعجزه شيء أراده، المتكلم الذي لا يجوز عليه السكوت، وأن يعلم أن له علماً لا يشبهه علوم خلقه، وقدرة لا تشبهها قدرة عباده، وكلاماً لا يشبه كلام شيء سواه، وأنه لم يزل له العلم والقدرة والكلام. 

ثم استدل على ذلك.

فإذن، هذا الكلام الذي نقله عن الشافعي لا يلزم منه إعذار الذي يقول إن الله عز وجل ليس متكلماً. وكما يقول الريس دائما دائماً حين يذكر كلام شيوخه أو العلماء المتأخرين: "اتهم الرأي"، 

فنسأله هل أنت أفهم لكلام الشافعي من الطبري رحمة الله عليه؟ مالك لا تتهم رأيك أيها الرجل؟! الله المستعان. 

ثم نقول حتى لو كان كذلك والشافعي رحمه الله يشترط بلوغ الخبر ليكفر القائل بخلق القرآن فعبد العزيز مخالف لهذا أيضاً، 

فعبد العزيز الريس يعذر حتى من بلغه الخبر من القرآن وصح عنده من كلام النبي ﷺ وأصحابه والسلف

ففي مقطع صوتي من أحد بثوثه حين قال له أحد طلابه أن القرطبي قد قال في كتابه الأسنى في الأسماء الحسنى أن القرطبي صرح أن علو الله على عرشه هو ما تظاهرت عليه أدلة الكتاب والسنة وإجماع السلف ومع ذلك لا يقول به فهل يعذر 

فقال الريس لماذا تظنه خالف فأجاب الطالب لأن عنده شبهة فقال الريس نعم حسبه فلو أنه علم أن هذا هو الحق لتبعه 

وانظروا الكلام بصوته هنا https://t.me/kanatelbukhari/2362 

فهذا الكلام حجة عليه إلى يوم القيامة بأنه كذاب في كل ما يجمعه من هذه المقالات ومن أقوال السلف، أين هذا في كلام الشافعي؟ الشافعي يقول: "فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو بالله كافر، فأما قبل ثبوت الحجة..." كيف الحجة؟ "...من جهة الخبر فمعذور بالجهل لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرؤية والفكر". 

وهنا في أولها أيضاً يقول: "جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم أمته، لا يسع أحداً -أو لا يسمع أحد، هي لا يسع- من خلق الله قامت عليه الحجة أن القرآن نزل به وصح عنه بقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى العدل، فإن خالف ذلك فهو كافر". 

بل وزيادة على ذلك فقد صرح الشافعي رحمه الله في كتابيه الأم والرسالة أن الكتاب والسنة هما الحجة وهما ما قطع الله بهما العذر فيقول في الأم

فَيَسْقُطُ كُلُّ شَيْءٍ خَالَفَ أَمْرَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَلَا يَقُومُ مَعَهُ رَأْيٌ وَلَا قِيَاسٌ فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ قَطَعَ الْعُذْرَ بِقَوْلِهِ - ﷺ -.

ويقول في موضع آخر:

فَمَا حُجَّةُ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الَّذِي قَطَعَ اللَّهُ بِهِ الْعُذْرَ وَالْقِيَاسَ وَالْمَعْقُولَ وَقَوْلَ عَوَامِّ أَهْلِ الْبُلْدَانِ مِنْ الْفُقَهَاءِ إلَّا مَا وَصَفْت مِنْ ظَنٍّ هُوَ وَغَيْرُهُ فِيهِ يَسْتَوِيَانِ.

ويقول أيضا

وَمَا كَتَبْت مِنْ الْآثَارِ بَعْدَمَا كَتَبْت

مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ لَيْسَ لِأَنَّ شَيْئًا مِنْ هَذَا يَزِيدُ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قُوَّةً، وَلَا لَوْ خَالَفَهَا وَلَمْ يُحْفَظْ مَعَهَا يُوهِنُهَا بَلْ هِيَ الَّتِي قَطَعَ اللَّهُ بِهَا الْعُذْرَ وَلَكِنَّا رَجَوْنَا الثَّوَابَ فِي إرْشَادِ مَنْ سَمِعَ مَا كَتَبْنَا

ويقول في الرسالة مبينا متى يعذر الشخص ومتى لا يعذر:

فلا يجوز عندي عن عالم أن يُثبت خبر واحد كثيراً ويُحِل به ويحرم ويردَّ مثله إلا من جهة ١- أن يكون عنده حديث يخالفه 

٢- أو يكونَ ما سمع من سمع منه أوثقَ عنده ممن حدَّثه خلافه 

٣- أو يكونَ من حدثه ليس بحافظ أو يكونَ متهماً عنده أو يَتَّهِمَ من فوقه ممن حدثه 

٤- أو يكون الحديث محتملا معنيين فيتأوّلَُ فيذهبَُ إلى أحدهما دون الآخر

 ثم ذكر كلاما إلى أن قال

فإن لم يسلك واحد من هذه السبل فيُعذرَ ببعضها فقد أخذ خطأ لا عذر فيه عندنا والله أعلم

فقلت وكل هذا قاله الشافعي رحمه الله في أمور فقهية تثبت بخبر واحد صحيح عن النبي ﷺ فكيف بمن يخالف المتواتر عن النبي ﷺ في التوحيد وصفات الله عز وجل

فهذا يقول فيه الشافعي في الرسالة أيضا حين سأله سائل فقال له

أفرأيت العالمَين إذا قاسوا على إحاطةٍ هم من أنهم أصابوا الحقَّ عند الله وهل يسعهم أن يختلفوا في القياس وهل كُلفوا كل أمر من سبيل واحد  أو سبل متفرقة وما الحجةُ في أن لهم أي يقيسوا على الظاهر دون الباطن وأنه يسعهم أن يتفرقوا وهل يختلف ما كُلفوا في أنفسهم وما كُلفوا في غيرهم ومن الذي له أن يجتهد فيقيس في نفسه دون غيره والذي له أن يقيس في نفسه وغيره فأجابه الشافعي رحمه الله بقوله

فقلت له: العلم من وجوه منه إحاطةٌ في الظاهر والباطن ومنه حق في الظاهر فالإحاطة منه ما كان نصَّ حكم لله أو سنة لرسول الله نقلها العامة عن العامة فهذان السبيلان اللذان يُشهد بهما فيما أُحل أنه حلال وفيما حُرم أنه حرام وهذا الذي لا يَسَع أحدًا عندنا جهله ولا الشك فيه وعلمُ الخاصة سنةً من خبر الخاصة يعرفها العلماء

فانظر كيف بين رحمه الله أن العذر بالجهل ليس في كل الأمور وأن هناك من الشريعة أمورا لا يسع أحدا جهلها وهي الأمور التي كثرت فيها النصوص وتظافرت على دلالتها وفشت في الناس من آية أو حديث

والقرطبي صح عنده أن الله عز وجل قاله، وصح عنده بخبر النبي صلى الله عليه وسلم، 

ثم خالفها بعد العلم بها فهو بالله كافر! هذا كلام الشافعي الذي نقله الريس نفسه وهذا مقتضاه، 

فسواء قال الريس وغيره إن كل المسائل سواء تحتاج إلى علم من جهة الخبر فقط وأن الحجة تقوم بالنقل فقط دون العقل كما في كلام الشافعي الذي نقله الريس، 

أو إن قالوا إن من المسائل ما يدرك بالعقل وأن من المسائل ما لا يسع الجهل به ولا عذر لمن شك فيه كما بينا من كلام الشافعي والطبري معا، ففي كلا الحالين 

الشافعي هنا يقول لك إن القرطبي بالله كافر! وفي مثل حكمه جميع شراح الحديث من الجهمية الذين يدافع عنهم هؤلاء وقد تكلمنا عن هذه المسألة بتوسع في هذه الحلقة

https://youtu.be/ubnIjS6aeHY 

وبينا أن القوم إنما يستعملون الحجة النقلية ترسا فعندهم أن العقل لا تقوم به الحجة إذا لم يأت النص يدعون بذلك تعظيم الخبر ويتهمون من خالف في ذلك بموافقة المعتزلة

لكن إذا جاء النص وخالفه شبهة عقلية فشبهات العقل عندهم أقوى من حجج النصوص


ثانيا: كلام أحمد

ثم بعد ذلك يقول الريس: "وكان الإمام أحمد يناظر بين يدي المعتصم ولم يكفره بل سماه أمير المؤمنين كما في المحنة، المحنة من رواية حنبل، أي الإمام أحمد فقال: فلما دنوت سلمت، فقال لي... فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال: اجلس فجلست، وقد أثقلني الحديد والأقياد، فلما مكثت ساعة قلت له: يا أمير المؤمنين...". 

يقول: وهذا دليل على إسلامه عنده كما أفاده أبو يعلى في الأحكام السلطانية". 

قلت: هنا أمران الأول هو السلام، وقد رددنا على هذا في حلقة مستقلة بعنوان "عبد العزيز الريس وخلط الظنون"، هذا رابطها https://youtu.be/3XPvhYW9dW0

ومن العجيب أنه في هذه الحلقة بدع أبا يعلى لما وجد في كلامه ما يحتج به عليه لكنه في هذا المقال يستشهد به لما وافقه

وبينا أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم على رأس المنافقين عبد الله بن أبي، وأن السلف اختلفوا في مسألة السلام على الكافر أصلا، 

ثم وفوق ذلك أن تكون في مكان فيه أخلاط من الكفار والمسلمين وتسلم عليهم وأنت تنوي المسلمين فليس مثل السلام على الكافر وحده، 

ثم وفوق ذلك أن تكون خائفاً على نفسك أو طامعاً في هذا الرجل نحو دعوته للإسلام وغير ذلك فيجوز لك أن تسلم عليه وإليكم النقولات عن العلماء والسلف في ذلك

  • عن علقمة قال: كنت ردفًا لابن مسعود فصحبنا دهقان من القنطرة إلى زرارة، فانشقت له طريق فأخذ فيه، فقال عبد الله: أين الرجل؟ فقلت: أخذ فى طريقه، فأتبعه بصره، وقال: السلام عليكم. فقلت يا أبا عبد الرحمن: أليس يكره أن يبدؤوا بالسلام؟ قال: نعم، ولكن حق الصحبة.

  • وقال الأعمش: قلت لإبراهيم: أختلف إلى طبيب نصراني. أأسلم عليه؟ قال: نعم، إذا كانت لك إليه حاجة: فسلم عليه

  • وكان أبو أمامة إذا انصرف إلى بيته لايمر بمسلم ولا نصراني

ولا صغير ولا كبير إلا سلم عليه، فقيل له فى ذلك، فقال: أمرنا أن نفشى السلام. 

  • وقال كريب: كتب ابن عباس إلى يهودى جربا فسلم عليه، فقال له كريب: سلمت عليه فقال: إن الله هو السلام. 

  • وكان ابن محيريز يمر على السامرة فيسلم عليهم. وقال قتادة: إذا دخلت بيوت أهل الكتاب فقل: السلام على من اتبع الهدى. 

  • وسئل الأوزاعي عن مسلم بكافر فسلم عليه، فقال إن سلمت فقد سلم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون.

قال الطبري: فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما رواه شعبة وسفيان عن سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله: (لا تبدءوا النصارى واليهود بالسلام، وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه)؟ قيل: كل الخبرين صحيح، وليس فى أحدهما خلاف للآخر وإنما فى حديث أسامة معنى خبر أبى هريرة، وذلك أن خبر أبى هريرة مخرجة العموم، وخبر أسامة مبين أن معناه الخصوص، وذلك أن فيه أن النبى عليه السلام لما رأى عبد الله بن أبى جالسًا وحوله رجال من قومه تذمم أن يجاوزه، فنزل فسلم فجلس، فكان نزوله إليه قضاء ذمام. وهو نظير ما ذكر علقمة عن عبد الله فى تسليمه على الدهقان الذي صحبه في طريق الكوفة فقال: إنه صحبنا وللصحبة حق، وكما قال النخعي: إذا كانت لك إلى يهودى حاجة أو نصرانى فابدأه بالسلام. فبان بخبر أسامة أن قوله عليه السلام فى خبر أبى هريرة: (لا تبدؤوهم بالسلام) إنما هو لا تبدؤهم لغير سبب يدعوكم إلى أن تبدأها: من قضاء ذمام أو حاجة تعرض لكم قبلهم، أو حق صحبة فى جواز أو سفر.

وقد أفرد البخاري في ذلك بابا في صحيحه فقال:

بَابُ التَّسْلِيمِ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ

وروى فيه حديث أسامة الذي ذكره الطبري «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَكِبَ حِمَارًا عَلَيْهِ إِكَافٌ تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ، وَأَرْدَفَ وَرَاءَهُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَهْوَ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَذَلِكَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، حَتَّى مَرَّ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ، وَفِيهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ، خَمَّرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ»

يقول ابن القيم في زاد المعاد: وقد اختلف السَّلف والخلف في ذلك، فقال أكثرهم: لا يُبْدَؤون بالسَّلام، وذهب آخرون إلى جواز ابتدائهم كما يردُّ عليهم، رُوي ذلك عن ابن عبَّاسٍ وأبي أمامة وابن مُحَيرِيز، وهو وجهٌ في مذهب الشَّافعيِّ. لكن صاحب هذا الوجه قال: يقال له: السَّلام عليك فقط بدون ذكر الرَّحمة، وبلفظ الإفراد. وقالت طائفةٌ: يجوز الابتداء لمصلحةٍ راجحةٍ من حاجةٍ تكون له إليه، أو خوفٍ من أذاه، أو لقرابةٍ بينهما، أو لسببٍ يقتضي ذلك، يُروى ذلك عن إبراهيم النَّخعيِّ وعلقمة. وقال الأوزاعيُّ: إن سلَّمتَ فقد سلَّم الصَّالحون، وإن تركتَ فقد ترك الصَّالحون


قلت وليس مرادي بهذا الاحتجاج على جواز بدأ الكافر بالسلام لكن لأشير للخلاف في المسألة أولا ثم لأبين أنه حتى من حرم أجازها لخوف أو مصلحة ثم فوق هذا كله فيجوز في حال سلمت في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والكفار وتنوي المسلم

وهذا مذهب أحمد نفسه 

فقد قال حين سئل: نعامل اليهود والنصارى،

فنأتيهم في منازلهم، وعندهم قوم مسلمون، أفنسلم عليهم؟

قال: نعم، تنوي السلام على المسلمين.

وسئل أيضا فإذا مررت بقوم جلوس، ومعهم نصراني، أسلم عليهم؟ قال: سلم عليهم، ولا تنويه معهم.

فكيف يجعل هذا دليلاً على إسلامه؟ وقد جاء عن بعض السلف أنهم كانوا يسلمون حتى على النصارى وحتى على المنافقين إن كانوا في مجلس فيه مسلمون.

أما احتجاجه بأنه دعاه "يا أمير المؤمنين"، فلا أعرف هل كلمة يا أمير المؤمنين هذه لفظ شرعي نزل في القرآن مثلا مثل لفظ "شهيد" أو لفظ "مسلم"؟ أم هو لفظ اصطلاحي عرفي يريدون به من ملك ديار المسلمين، 

من أين له أن هذا اللفظ شهادة بالإسلام؟  وهذا أيضاً رددنا عليه، قديما في حلقة مفصلة قبل سنة انظرها هنا https://youtu.be/v7Z_jfn9W9E

وأتينا من كلام الذهبي في وصفه بعض حكام العبيديين الباطنية بأمير المؤمنين،

 يقول الذهبي مثلا 

  • عليّ بن منصور بن نزار بن مَعَدّ بن إسماعيل بن محمد بن عُبَيْد الله العُبَيْديّ صاحب مصر المُلقَّب بالظّاهر لإعزاز دين الله. أبو هاشم أمير المؤمنين ابن الحاكم بن العزيز بن المعزّ، الّذين يدّعون أنهم فاطميّون ليربطوا عليهم بذلك الرّافضة.

  • أبو تميم الملقَّب بأمير المؤمنين المستنصر باللَّه بن الظّاهر باللَّه بن الحاكم بأمر الله بن العزيز بن المُعزّ العُبَيْديّ، صاحب مصر والمغرب

ويقول ابن كثير: وَفِي ثَانِي ذِي الْقَعْدَةِ قُتِلَ الْخَلِيفَةُ الْفَاطِمِيُّ الْآمِرُ بِأَحْكَامِ اللَّهِ ابْنُ الْمُسْتَعْلِي صَاحِبُ مِصْرَ، قَتَلَتْهُ الْبَاطِنِيَّةُ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ تِسْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَنِصْفًا،

  • ذخيرة الدِّين أبي العباس، أحمد ابن أمير المؤمنين الخليفة القائم بأمر الله بن القادر، وقد ذكرنا شيئًا من ترجمته عند موت الخليفة الخليفة المستنصر الفاطمي، معدّ أبو تميم بن أبي الحسن علي بن الحاكم.

فهل الذهبي ومعه ابن كثير كانوا يرون إسلام العبيدية والفاطمية؟ معاذ الله، إنما هذا اسم كانوا يتلقبون به، ويتسمون به. 

ثم أقول انظروا إلى الهوى البين الإمام أحمد قال عمن يقول بخلق القرآن كفار وقال عنهم زنادقة وقال ليسوا بمسلمين وقال ألحق بهم كل بلية وقال لا تصل خلفهم وإن صليت فأعد وحكم بتفريق رجل الواقفي أو اللفظي عن زوجه بكلام واضح لا لبس فيه ثم يأتي هذا مثله فيقولون أن هذه العبارات من أحمد أو من بعده لا تفيد التكفير انظر هنا https://youtu.be/kS4K5CmH248

ثم يجعلون مجرد السلام أو الألقاب السياسية دليلا على إسلام من امتلأت كتب السلف بتكفيرهم

يقول الريس: "بل وجعل أبا إسحاق المعتصم في حِلّ، فقال: وقد جعلت أبا إسحاق في حِلّ. ثم قال: العفو أفضل، وما ينفعك أن يعذب أخوك المسلم في سببك؟ لكن تعفو وتصفح عنه فيغفر الله لك كما وعدك". يقول؟ "وهذا صريح أنه رآه مسلماً، ومن زعم أن أحمد إنما فعل ذلك بعد توبة المعتصم فلا يصح وزعمه باطل، لأنه قد سماه أمير المؤمنين أثناء الفتنة". رددنا على هذا وأن دعوته بذلك لا تدل على اسلامه

"ثم القول بأنه تاب لم أره بإسناد صحيح وتخالفه آثار أخرى". 

أولاً انظروا يا إخوة، كل ما ينقله عن أحمد إلى الآن هو من كتاب المحنة لحنبل، 

وكتاب المحنة أصلاً هو نفسه الذي ذكر توبة المعتصم. فلو كان ذلك لا يصح فليس في كل ما يذكره شيء يصح أصلا

أولا في كتاب المحنة لحنبل يقول لما أتاه رجل يقول له إنه تائب، "فقال يا أبا عبد الله أنا تائب إلى الله عز وجل من السلطان، فقال له أبو عبد الله: فأنت في حل وكل من ذكرني إلا مبتدعاً". قال أبو عبد الله: "وقد جعلت أبا إسحاق في حل ورأيت الله عز وجل يقول: {وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم}". 

فهذا دليل ضمني أنه لو لم يره ترك البدعة لما جعله في حِلّ فهو يقول أنه جعله في حل رغم قوله أنه لا يحل مبتدعا إلا أن يقول الريس أن المعتصم ليس بمبتدع حتى وهو يقول بخلق القرآن. 

ثم في الصفحة 61 من نفس الكتاب الذي نقل عنه عبد العزيز الريس غالب رواياته وألفاظه التي يحتج بها، مثل لفظ "وما ينفعك أن يعذب أخوك المسلم في سببك؟ لكن تعفو وتصفح"، 

واللفظ الذي سينقله بعد قليل أيضاً يحتج به من كتاب المحنة، ثم بعد ذلك يقول الريس "لم أجد إسناداً صحيحاً"!  

يقول حنبل ص ٦١ من كتاب المحنة: "وبلغنا أن أبا إسحاق ندم بعد ذلك وأُسقط في يده حتى صلح، وكان صاحب خبر إسحاق بن إبراهيم يأتينا في كل يوم يتعرف خبره حتى صح وبرئ بعد العلاج". فهذا ما فيه ذكر التوبة وهذا أيضاً بيّنته في نفس الحلقة المحال إليها https://youtu.be/3XPvhYW9dW0 

فقد بينت أن معظم ما يحتج به الريس وغيره من "ألفاظ" مثل أخوك المسلم ولفظ لو قال العلم مخلوق لكفر فهذا كله من زيادات تفرد بها حنبل في حين أنا لا نجد مثل هذا عند غيره كصالح ابن الإمام ثم لما يذكر حنبل التوبة من المعتصم يقولون لا تصح فهل هذا إلا الهوى

ثم يقول الريس : "وناظر الإمام أحمد أقواماً كانوا يريدون خلع البيعة والخروج على الواثق فمنعهم من ذلك ونهاهم أن ينزعوا يداً من طاعة وإلا لما منعهم من خلع البيعة والبيعة لا تكون من كافر بإجماع كما حكاه ابن المنذر والقاضي عياض"، 

ثم ذكر الرواية. وكما قلنا هذه من روايات حنبل. وروايات حنبل ليست مما يحتج بكل لفظة منها فهو يهم كثير إنما غاية الأمر أن تحتج بروايته لإثبات أصل الحادثة

على أن المشكلة حين يحتج بعض السرورية أو بعض الإخوان بهذه الرواية، هذا أمر طبيعي، 

لكن يقال للريس ما قولك في ترك الخروج على الحاكم الكافر من أجل المصلحة وحقن الدماء؟ 

رددنا على هذا كله، وقلنا إن أحمد قال عن الواثق: "عدو الله وعدو الإسلام". كما في السنة للخلال وفي الأحكام السلطانية لأبي يعلى الذي احتج به في أول مقاله بل نقل أبو يعلى أيضا كلاما في غاية الخطورة فقال في الأحكام السلطانية: في رواية الأثرم في امرأة لا ولي لها «السلطان» فقيل له: تقول السلطان، ونحن على ما ترى اليوم؟ وذلك في وقت يمتحن فيه القضاة. فقال «أنا لم أقل على ما نرى اليوم، إنما قلت السلطان». وهذا الكلام يقتضي الذم لهم والطعن عليهم، ولا يكون هذا إلا وقد قدح ذلك في ولايتهم،

ثم في كتاب المحنة نفسه لحنبل الذي ينقل منه الريس غالب رواياته، 

نجده يقول: "أخبار أبي عبد الله في أيام هارون الواثق بن المعتصم"،  

قال أبو علي حنبل: "لم يزل أبو عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه بعد أن أطلقه المعتصم وانقضاء أمر المحنة وبرأ من ضربه يحضر الجمعة والجماعة". 

انظر هنا ففيه كذلك دليل على رجوع المعتصم يقول: "كان يحضر الجمعة والجماعة ويفتي ويحدث أصحابه حتى مات أبو إسحاق وولي هارون ابنه وهو الذي يُدعى الواثق، فأظهر ما أظهر من المحنة والميل إلى ابن أبي دؤاد وأصحابه. فلما اشتد الأمر على أهل بغداد وأظهروا قضاة المحنة وفرق بين فضل الأنماطي وامرأته وبين أبي صالح وامرأته، كان أبو عبد الله يشهد صلاة الجمعة ويعيد الصلاة إذا رجع". 

فانظر كيف ينقل حنبل أن الإمام كان يعيد الصلاة خلف الواثق خلافا لما كان يفعل مع المعتصم  لماذا يعيدها في عهد الواثق بينما لم يكن يعيدها في عهد المعتصم؟ يتابع حنبل فينقل عن أحمد سبب ذلك يقول: "الجمعة تؤتى لفضلها، والصلاة تعاد خلف من قال بهذه المقالة". 

لماذا تعاد الصلاة خلف من قال بهذه المقالة؟ الإمام أحمد أتاه رجل وسأله عن الصلاة خلف من يشرب المسكر؟ قال تعيد. قال: وخلف من يقول القرآن مخلوق؟ قال: "أنهاك عن مسلم وتسألني عن كافر؟!"

فهذا كان يعيد الصلاة خلفهم لأنه يراهم كفاراً. قال حنبل: "وسمعت أبا عبد الله يقول: إذا صلى بك إمام يؤم الجمعة وله رأي، فأجب للجمعة، إذا كان الذي يأمره به -يعني الداعي- يدعو إلى رأي، فأجبت الجمعة وأعدت الصلاة فلا بأس".

قلت وأحسب هذه الفتوى من الإمام هو تسمحا بما كان يفتي به أبو عبيد القاسم بن سلام فإنه كان يقول أن الخليفة أو الصلطان لو قال بخلق القرآن فإن الجمعة تكون باطلة حتى لو كان إمام المسجد الذي صليت وراءه لا يقول بهذا وهذا دليل أنهم يرون كفر الخليفة إن قال هذه المقالة ورتبوا على ذلك أحكاما تتعدى شخصه

 "فكان أبو عبد الله يحضر الجمعة في أيام الواثق إلى أن توارى ثم يرجع فيعيد، فلما كان أيام المتوكل كان يحضر الجمعة ولا يعيد". ثم ساق رواية: ما ترى في الصلاة خلف من قال هذا الكلام (يعني من قال بخلق القرآن)؟ فقال أبو عبد الله: "...إلا عند الصلاة، ولا يترك الجمعة على حال، فأما الجمعة فلا بد من إتيانها، فإن كان ممن يقول هذا أعيدت الصلاة خلفه". 

فإذن، قال عن الواثق "عدو الله وعدو الإسلام" وكان يعيد الصلاة خلفه، أو خلف من يوليه من قضاة الجهمية، فهذا لأنه يراه كافراً لم يخرج عليه لأجل الفتنة وسفك الدماء لا لأنه يراه مسلما كما يزعم الريس. ونسأل الريس مجددا هل يفهم من كلامه أنه يجب الخروج على الحاكم الكافر حتى لو أدى ذلك إلى مفسدة عظيمة وسفك للدماء


يقول الريس "وفي المحنة" يعني انظر كم ينقل عن المحنة، سبحان الله، ثم بعد ذلك لما يأتي إلى توبة المعتصم يقول لك "لم أجد إسناداً يصح"، إن كان لم تجد إسناداً يصح فمقالك هذا كله ليس له إسناد!. 

يقول "في المحنة أيضاً: "ناظر القاضي عبد الرحمن بن إسحاق في القول بخلق القرآن وهو قاضي فليس عامياً، وذكر أحمد أنه لو زعم أن العلم مخلوق لكفر. فقال الإمام أحمد عند ذكر مناظرته لعبد الرحمن بن إسحاق: قال لي عبد الرحمن: كان الله ولا قرآن، فقلت له: كان الله ولا علم، فأمسك، ولو زعم أن الله كان ولا علم لكفر بالله. فهذا واضح في إعذاره لمن قال بخلق القرآن بخلاف لو أنكر العلم عن الله". 

قلت هذا النقل لو صح ففيه نسف لمذهب الخصوم لكنهم لفرط جهلهم وتعصبه يأتون بما يرد عليهم وهم لا يشعرون فالريس يعترف أن الإمام أحمد لا يعذر منكر العلم بحال خلافا للقائل بخلق القرآن الذي قد يعذر ففي هذا رد على ما احتج به من كلام الشافعي في أول مقاله لما جعل الصفات شيئا واحدا فها هم يقرون أن إنكار العلم ليس كإنكار الكلام والعذر في بعض الصفات ليس كالعذر في غيرها فيلزمهم إذ ذاك إن زعموا العذر في القول بخلق القرآن أو إنكار العلو فلا يقبل منهم إلا دليل على العذر بهذه الصفة فلا يجوز أن يعذروا منكر العلو بحجة أن من الأئمة من عذر القائل بخلق القرآن أو يعذروا القائل بخلق القرآن بحجة أن من الأئمة من عذر واقفيا أو لفظيا فلقد أقروا أن من صفات الله ما لا يعذر فيه ومنها ما هو أظهر.

لكن نقول هذا النص أين يوجد؟ موجود أيضاً في المحنة، نعم في الصفحة  من كتاب المحنة لحنبل 45 يقول: "قال أبو عبد الله: فقال لي عبد الرحمن: كان الله ولا قرآن، قلت له: فكان الله ولا علم؟ فأمسك، ولو زعم أن الله كان ولا علم لكفر بالله". 

هذه هي اللفظة. طيب هل هذه اللفظة من أوهام حنبل أم هي صحيحة؟ 

إذا ذهبنا إلى كتاب سيرة الإمام أحمد لابنه صالح، إلى نفس هذه الحكاية سنجده، يقول: "قال أبو الفضل -يعني صالح بن الإمام-: قال أبي، فقال لي عند ذلك: لولا أني وجدتك في يدي من كان قبلي ما عرضت لك. ثم التفت إلى عبد الرحمن بن إسحاق فقال: يا عبد الرحمن، ألم آمرك أن ترفع المحنة؟ قال أبي: فقلت في نفسي الله أكبر، إن في هذا لفرجاً للمسلمين. قال ثم قال: ناظروه وكلموه، ثم قال: يا عبد الرحمن كلموه. فقال لي عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟ قلت: ما تقول في علم الله؟ قال: فسكت. قال أبي: فجعل يكلمني هذا وهذا فأرد على هذا، ثم أقول: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئاً من كتاب الله وسنة رسوله أقول به. فقال ابن أبي دؤاد: وأنت لا تقول إلا كما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: تأولت تأويلاً فأنت أعلم وما تأولت، ما يُحبس عليه ويُقيد عليه"

فكما نرى ليس هذا الكلام مذكوراً عند صالح وحتى نزيدكم يقيناً، ففي كتاب "السنة" للخلال: " قلت لأبي عبد الله، فمن قال القرآن مخلوق؟ فقال: لا أقول أسماء الله مخلوقة ولا علمه، ولم يزد على هذا، أقول هو كافر؟ قال: هكذا هو عندنا. قال أبو عبد الله: نحن نحتاج أن نَشُكّ في هذا؟ القرآن عندنا فيه أسماء الله عز وجل وهو علم الله عز وجل وهو من علم الله عز وجل، من قال مخلوق فهو كافر".

إذن انظروا هذه الرواية، ثم انظروا ماذا يقول عبد العزيز الريس، يقول: "فهذا واضح في إعذاره لمن قال بخلق القرآن بخلاف من لو أنكر العلم". 

فنقول: كذاب، كذاب! هذا هو كلام الإمام أحمد، حين يُسأل، يقولون له: "فمن قال القرآن مخلوق؟ فقال: "لا أقول أسماء الله مخلوقة ولا علمه، ولم يزد على هذا، أقول هو كافر؟" 

ماذا قال؟ لم يقل هو كافر فقط وسكت، بل قال: "هكذا هو عندنا". ثم سأل مستنكراً: "نحن نحتاج أن نَشُكّ في هذا؟"

يعلق ابن تيمية على هذا الكلام في التسعينية فيقول: "ولهذا لما قال له الأثرم فمن قال القرآن مخلوق وقال لا أقول أسماء الله مخلوقة ولا علمه لم يزد على هذا أقول هو كافر؟ فقال هكذا هو عندنا. ثم استفهم استفهام مُنكر فقال: نحن نحتاج أن نَشُكّ في هذا؟ القرآن عندنا فيه أسماء الله وهو من علم الله فمن قال مخلوق فهو عندنا كافر. قال ابن تيمية: فأجاب أحمد بأنهم وإن لم يقولوا بخلق أسمائه وعلمه فقولهم يتضمن ذلك ونحن لا نشك في ذلك حتى نقف فيه، فإن ذلك يتضمن خلق أسمائه وعلمه، ولم يقبل أحمد قولهم إن القرآن مخلوق وإن لم يدخلوا فيه أسماء الله وعلمه لأن دخول ذلك فيه لا ريب فيه". 

أما رواية تلك الزيادة عند حنبل فإما أنها من أوهامه، وإما أن نقول إن الإمام أحمد قالها على سبيل الإلزام: "أنكم كفرتم حتى على معتقدكم وعلى مقالتكم" إذ كانوا وقت ذلك لا يصرحون بهذا.


ثالثا: كلام البخاري

ثم الريس بقول البخاري، يقول: "قال البخاري في خلق أفعال العباد: وكل من لم يعرف الله بكلامه أنه غير مخلوق فإنه يُعَلَّم ويرد جهله إلى الكتاب والسنة، فمن أبى بعد العلم به كان معانداً. يقول لك: فقد عذر البخاري بالجهل وهذا النص واضح من الإمام البخاري في العذر بالجهل في عدم تكفير من قال بخلق القرآن". 

قلت أولاً: أين العبارة "ليس كافراً"؟ هو يقول لك يُعَلَّم فإن أبى كان معانداً ولم يقل فإن أبى كان كافرا، وعبد العزيز الريس حين يتهمه خصومه بأنه يشترط العناد للتكفير يتبرأ من ذلك ويقول لا أقول هذا بل أقر أن هناك كفر عناد وكفر إعراض وكفر تكذيب إلى آخره

فكلام البخاري قد يكون عن استتابة أو نصيحة وليس كون من لم يعرف أن كلام الله غير مخلوق ليس معاندا يعني أنه كان مسلما  

وهذا الكلام على كل له وجوه عدة كلها تخالف مذهب الريس وغيره من المدجنة؛ الأول، وهو المتفق مع كلام السلف في إجماعاتهم الكثيرة أن الكلام هنا عن "الواقفة". يقول البخاري هنا: "وكل من لم يعرف الله بكلامه أنه غير مخلوق فإنه يُعَلَّم ويرد جهله إلى الكتاب والسنة، فمن أبى بعد العلم به كان معانداً، قال الله تعالى: {وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون}". 

ثم إذا ذهبنا إلى عقيدة الرازيين سنجدهم يقولون: "ومن شك في كلام الله عز وجل فوقف فيه شاكاً يقول لا أدري مخلوق أو غير مخلوق فهو جهمي، ومن وقف في القرآن جاهلاً عُلِّم وبُدِّع ولم يُكفَّر". 

فعندنا إذاً الجاهل الذي يقول لا أعرف مخلوق أو غير مخلوق هذا الذي يعلم ويعذر إن كان جاهلا، ليس من يصرح بأنه مخلوق. فهذا الكلام من البخاري عن الواقفة،

البخاري يقول: "وكل من لم يعرف الله بكلامه أنه غير مخلوق"، 

لم يقل لك من قال إن القرآن مخلوق يُرَدّ جهله إلى الكتاب والسنة، قال من لم يعرف. والسلف يفرقون، الذي يقول القرآن مخلوق هذا عندهم جهمي كافر معاند لا عذر له. أما الذي يقف، هذا هو الذي يُعلَّم ويُبَدَّع ولا يُكفَّر حتى تقام عليه الحجة. 

ويؤيد ذلك ما روى قوام السنة عن ابن منيع في "الحجة في بيان المحجة"، 

وقال أحمد بن منيع: «من زعم أَنه مَخْلُوق فَهُوَ جهمي، وَمن وقف فِيهِ فَإِن كَانَ مِمَّن لَا يعقل مثل البقالين وَالنِّسَاء وَالصبيان سكت عَنهُ وَعلم، وَإِن كَانَ مِمَّن يفهم فَأَجره فِي وَادي الْجَهْمِية، وَمن قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق فَهُوَ جهمي». 

إذاً الذي يقول القرآن مخلوق جهمي قولا واحداً، لا تفكر لا تناقش. لكن المتوقف، الذي تسأله القرآن مخلوق أم غير مخلوق فيقول لك لا أعلم، ما أدري ما تقول؟ فهذا يُنظر في حاله، إن كان ممن يفهم فهو جهمي وإن كان لا يفهم كالبقالين وعوام الناس فهذا الذي يعلم ويسكت عنه

فنقول أولاً: كلام البخاري هنا عن الواقفة. 

ثانيا وإن افترضنا أن كلامه هنا عن العذر بالجهل لمن يقول القرآن مخلوق، 

فنقول فيه كما قلنا في كلام الشافعي، أنهم اشترطوا لقيام الحجة بلوغ أدلة الكتاب والسنة وأنتم لا تقولون ذلك فعندكم يعذر العالم والجاهل والقاضي ومن نوظر ثلاثة أيام فلا تنتحلوا البخاري والشافعي وغيرهم فانهم حتى لو تنزلنا وفهمنا كلامهم بفهمكم فما زالوا ليسوا على مذهبكم الباطل في شيء

ولهذا البخاري نفسه قال عن الجهمية والرافضة: "إني استجهل من لا يكفرهم".  فهل يقع كلامه على نفسه؟ وقال ما أبالي صليت خلف جهمي ورافضي أم صليت خلف يهودي أو نصراني ونقل كلام السلف في أنهم أكفر من اليهود والنصارى وشر قولا منهم في غير موضع من كتابه

فإذاً 

  • أولا ليس في الكلام نفي التكفير هو يقول لك يُعَلَّم، مثل الاستتابة، 

  • ثانيا ليس الكلام عن الجهمية القائلين بخلق القرآن، بل الكلام قد يكون في الواقفة. 

  • ثالثا إن تنزلنا وزعمنا أن الكلام فيه عدم التكفير لمن يقول بخلق القرآن، فقيام الحجة عند البخاري يكون بنصوص الكتاب والسنة فقط، وأنتم لا ترضون ذلك


رابعا: كلام الرازيين

ثم يقول في عقيدة الرازيين: "وقال الرازيان في عقيدتهم التي حكوا عليها إجماع السلف: "ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر". فلم يكفر إلا من يفهم، فدل أن من لم يفهم لجهله معذور وغير كافر." 

والجواب أن نقول انظروا لهذا التدليس من الرجل حيث يأتي بكلام فيمن لا يكفر الجهمي فيجعله كلاما في الجهمي فقول الرازيين "من شك في كفره ممن يفهم" 

هذه عائدة على الجهمي أم عمن لا يكفر الجهمي؟  

وعبد العزيز يقول دائما لا نجمع فيما فرق فيه السلف فكيف يستحل لنفسه أن يخالف ما يقول أم هو الهوى يقول الرازيان رحمهما الله: "ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفراً ينقله عن الملة". ليس فيها يَفهم أو ما يَفهم ليس فيها جاهل، فهذا حكمهم في الجهمي الذي يقول بخلق القرآن فهذا الرجل اتفقنا على كفره، 

لكن لو أتانا شخص وقال أنا لا أكفره -مع أني أقر أن قوله خطأ ولا أقول بقوله-، 

هنا نقول: "ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر". 

نقول له إن كنت تفهم فأنت كافر مثله حتى لو كنت لا تقول بقوله، مجرد عدم تكفيرك له كفر. أما إن كان جاهلاً فلا نكفره، نقول خلاص طالما أنت لا تقول بقوله فأنت شخص عامي جاهل فإن قال الريس أن العذر في هذه يعني العذر في تلك فنقول ألم تقر قبل بضعة أسطر أن أحمد يعذر من يقول بخلق القرآن في حين لا يعذر من يقول بخلق العلم؟ فكيف صرت تجمع وتفرق بهواك بل لا نقبل منك عذرا أو تكفير في مسألة إلا بدليل مخصوص ولا نقبل قياسك الباطل

وبيّنّا في كلام ابن منيع من هم الذين لا يفهمون، هم البقالون وعوام الناس والصبيان والنساء فتخيل أن الرجل لو لم يوافق الجهمية وخالفهم نكفره لأنه لم يكفرهم ثم الجهمي نفسه نعذره في دعوى الريس وأمثاله. 

"ومن شك في كلام الله عز وجل فوقف شاكاً فيه فيقول لا أدري مخلوق أو غير مخلوق فهو جهمي، ومن وقف جاهلاً عُلِّم وبُدِّع ولم يُكفَّر". 

فالكلام واضح، لا تخلط الواقف باللفظي بالمصرح بخلق القرآن، 

السلف فرقوا بين هؤلاء وأنت تجمع فيما فرق فيه السلف. 

فالكلام كان عن الواقفة واللفظية من وقف جاهلاً،

والكلام عن مَن يفهم فهذا فيمن لا يكفرهم. أما من زعم أنه مخلوق مجعول فهذا كافر بالله كفراً ينقله عن الملة قولا واحداً.

يقول الريس: "فلم يكفر إلا مَن يفهم فدل أن مَن لم يفهم لجهله معذور". 

وطبعاً بينا هنا في كلام ابن منيع، معنى وإن كان ممن يَفهم قال "ومن وقف فيه فإن كان ممن لا يعقل مثل البقالين والنساء والصبيان سُكت عنه وعُلِّم، وإن كان ممن يَفهم فألحقه في وادي الجهمية". 

من يَفهم يعني طالب علم حديث، فقيه، شيخ، قاضي، هؤلاء كلهم إن قالوا القرآن مخلوق أو لو توقفوا فلم يصرحوا أنه غير مخلوق فألحقهم في وادي الجهمية. 

لا أن تذهب وتقول لي مَن يفهم ولا يجهل وتدخل القرطبي في زمرة من لا يفهم، وتدخل فيهم قضاة، وتدخل فيهم علماء ومؤلفي كتب وشراح أحاديث تدعي أنك لا تستطيع فهم البخاري ومسلم إلا بشروحهم! لا، ليس هؤلاء الذين لا يفهمون. 

فهنا عندنا ضابط جيد للفهم، الذي لا يفهم هم عوام الناس وليس العلماء وشراح كتب السنة.


خامسا: قول ابن أبي عاصم

ثم قال: "وقال ابن أبي عاصم في كتاب السنة: والقرآن كلام الله تبارك وتعالى تكلم الله به ليس بمخلوق، من قال مخلوق من قامت عليه الحجة فكافر بالله العظيم ومن قال من قبل أن تقوم عليه الحجة فلا شيء عليه"

قلت نعم هذا الكلام الآن صريح، ونقول لك هذا الكلام منقوض بكلام الرازيين الذين نقلوا عليه إجماع العلماء، ولم يقولوا فلا شيء عليه حتى في الواقفي الجاهل فكيف بالجهمي القائل بخلق القرآن، والريس نفسه يقول إنه يُبَدَّع. 

ثم يقول الريس: "هذه النقول عن الشافعي والبخاري والرازيين وابن أبي عاصم تأصيلاتهم في هذه المسألة العظيمة والتأصيل أقوى من التطبيق". 

قلت وهذا أيضاً كذب ولا أعني أن الكلام نفسه كذب، بل تعامل الريس معه. 

فأنت لما أتى شخص يحاورك في العذر بالجهل يقول لك العلماء لا يعذرون بالجهل فيدل ذلك تكفيرهم لمن وقع في الشرك، 

فيقول الريس أنت تحتج علي بتأصيلهم وأنا أسألك عن تطبيقاتهم. 

فطالما أنك تعرف أن التأصيل أقوى من التطبيق في أوجه فلماذا تنكر على من يحتج بالتأصيل وتقول له لا هات لي تطبيقاً؟ 

يقول الريس "وقال الإمام أحمد: "الواقفة كفار، وهذا من حيث العموم، أما مع الجاهل فليس كذلك". وقال الرازيان في عقيدتهما التي حكوا عليها إجماع السلف: "مَن وقف في القرآن جاهلاً عُلِّم وبُدِّع". 

قلت أولاً، نحن لم ننتظر الرازيين حتى يبينوا لنا أن أحمد يفصل في الواقفة، بل أحمد بنفسه يُفَصِّل في الواقفة. ففي كتاب السنة لابنه: 

"قال سمعت أبي رحمه الله وسئل عن الواقفة، فقال أبي: من كان يخاصم ويعرف بالكلام فهو جهمي، ومن لم يعرف بالكلام يُجانب حتى يرجع، ومن لم يكن له علم يُسأل. 

قال وسئل عن اللفظية والواقفة فقال: من كان منهم جاهلاً ليس بعالم فليسأل وليتعلم. ومرة أخرى سئل عن اللفظية والواقفة فقال: من كان منهم يُحسن الكلام فهو جهمي. وقال مرة أخرى: هم شر من الجهمية. 

وفي موضع آخر: سمعت أبي رحمه الله يقول: من كان من أصحاب الحديث أو من أصحاب الكلام فأمسك أن يقول القرآن ليس بمخلوق فهو جهمي". 


ولهذا تعرف الإمام أحمد لما سأله المروذي، إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِنَا زَوَّجَ أُخْتَهُ مِنْ رَجُلٍ، فَإِذَا هُوَ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّفْظِيَّةِ، يَقُولُ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ، وَقَدْ كَتَبَ الْحَدِيثَ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: «هَذَا شَرٌّ مِنْ جَهْمِيٍّ». قُلْتُ: فَتُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَإِنَّ أَخَاهَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «قَدْ أَحْسَنَ»، وَقَالَ: «أَظْهِرُوا الْجَهْمِيَّةَ، هَذَا كَلَامٌ يَنْقُضُ آخِرُهُ أَوَّلَهُ». قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ الْكَرَابِيسِيَّ يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَقُلْ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ؟ قَالَ: «بَلْ هُوَ الْكَافِرُ». وَقَالَ: «مَاتَ بِشْرٌ الْمِرِّيسِيُّ وَخَلَفَهُ حُسَيْنٌ الْكَرَابِيسِيُّ»

فمجرد كتابة الحديث هنا تقوم الحجة.

والإمام أحمد فصل في الواقفة كما بينا من كلامه، لم ينتظر الرازيان أو غيرهم حتى يبينا لنا كلامه ثم هذا كله حجة عليك، لأن لا الإمام أحمد فصّل فيمن يقول القرآن مخلوق، ولا الرازيان فصّلا فيمن يقول القرآن مخلوق، في حين أنهم فصلوا في الواقفة وفصلوا في اللفظية. فهذا يدل أن من يقول القرآن مخلوق كفره أبين من الشمس كما قال الإمام أحمد: "وأي كفر أظهر من هذا؟ وأي كفر أكفر من هذا؟"  

ثم بعد ذلك الجاهل كما قال ابن منيع هم البقالون والنساء والصبيان، ليس القضاة، ليس شراح الأحاديث. 

ثم بعد ذلك تقوم الحجة على هذا الجاهل بالكتاب والسنة بإتيان الأخبار والآيات، 

كما قال الشافعي وكما تقول أنت عن البخاري. فكل هذا مما تنقله حجة عليك، تنقض قولك ومذهبك الرديء.


سادسا: كلام ابن تيمية 

ثم يقول الريس: "ولخص هذا تلخيصاً بديعاً شيخ الإسلام ابن تيمية فقال في بيان تلبيس الجهمية: ولهذا كان السلف والأئمة يكفرون الجهمية في الإطلاق والتعميم، أما المعين منهم فقد يدعون له ويستغفرون لكونه غير عالم بالصراط المستقيم". 


فنجيب ما ثبت هذا! ما ثبت عن الإمام أحمد إلا أنه استغفر للمعتصم، وقلنا إنه فعل ذلك لأنه كان يراه قد تاب. 

أما المأمون فالعكس الموجود في الآثار أنه دعا عليه. وأنه مات بدعائه عليه

وفي السنة للخلال  "إِنَّهُمْ مَرُّوا بِطَرَسُوسَ بِقَبْرِ رَجُلٍ، فَقَالَ أَهْلُ طَرَسُوسَ: الْكَافِرُ، لَا ﵀. فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: «نَعَمْ، فَلَا ﵀، هَذَا الَّذِي أَسَّسَ هَذَا، وَجَاءَ بِهَذَا" 

وصاحب القبر هو المأمون فأما الواثق فقال إنه عدو الله وعدو الإسلام، وكان يعيد الصلاة خلفه.  

وحتى في العفو، يجوز للمسلم أن يعفو عن الكافر في حقه، 

هذا النبي صلى الله عليه وسلم لما آذاه قومه المشركون ماذا قال؟ قال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون". 

فالاستغفار للكافر أثناء حياته يجوز والعفو عنه في حق شخصي يجوز وليس في ذلك دليل على أنه يراه مسلما. 

قال: "وقال الإمام ابن تيمية: ثم إن الإمام أحمد دعا للخليقة وغيره ممن ضربه وحبسه". 

بينا من كتاب المحنة، الذي غالب مقال الريس منه، عن الإمام أحمد أن الإمام أحمد إنما قال: "في حِلّ من حضر وكل من ذكرني إلا مبتدعاً". 

يعني هو الذي استغفر لهم هم من ضربوه من الجنود والخدم في القصر المكرهين الذين ضربوه، وليس أصحاب هذه البدعة الذين تولوها وقالوا بها ودعوا إليها. 

يقول "وحللهم مما فعلوا به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم". 

قلت لا، في حياتهم يجوز الاستغفار لهم ويجوز أن تعفو عمن ظلمك كافراً كان أو مسلماً، والنبي صلى الله عليه وسلم استغفر لقومه من المشركين، قال: "اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون". 


يقول "وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون القرآن مخلوق، وأن الله لا يُرى في الآخرة، وقد نقل عن أحمد ما يدل أنه كفَّر قوماً معينين مع أن أحمد لم يكفر أعيان الجهمية ولا كل من قال إنه جهمي كفره". 

قلت هذا خطأ بيّن! لهذا نقلنا في الآثار من كتاب السنة لعبد الله ابن الإمام أحمد أن الإمام أحمد أصلاً في أصل تفريقه أنه كان يقول: "الجاهل مبتدع أما من ليس بجاهل فهو جهمي". كلمة جهمي عند الإمام أحمد تعادل الكافر، لأن الجاهل أصلاً أو المعذور لا يسميه جهمياً أصلاً، 

كما في السنة "من كان من أصحاب الحديث أو من أصحاب الكلام فأمسك أن يقول القرآن ليس بمخلوق فهو جهمي". 

وقال لما سمع أن أبا ثور يقول اللفظية مبتدعة قال إيش مبتدعة هؤلاء جهمية

طيب ماذا لو كان جاهلاً؟ يقول لك: يُعلَّم، فليسأل إن كان لا يحسن. أما إن كان يحسن فهو جهمي. وهذا أيضاً في عقيدة الرازيين قالا: "من شك في القرآن لا أدري مخلوق أو غير مخلوق فهو جهمي، ومن وقف فيه جاهلاً عُلِّم وبُدِّع ولم يُكفَّر". 

فلا يسمى جهمياً إن كان جاهلاً، أما إن لم يكن جاهلاً فهو جهمي. وجهمي تعني كافر. 


يقول الريس "ولا كل من وافق الجهمية في بعض بدعهم بل صلى خلف الجهمية". قلت هذا فيه تلبيس بيّن! إن كان يقصد أنه صلى خلفهم معتقداً إسلامهم فهذا كذب، أما إن كان يقصد أنه صلى خلفهم وأعاد فهذا ليس فيه ما ينفع دعواهم في العذر بشيء. 


يقول "الذين دعوا إلى قولهم وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة لم يكفرهم أحمد وأمثاله بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم ويدعو لهم ويرى الائتمام بهم في الصلوات خلفهم". 


قلت فأين يفرون من قول أحمد وحيثما صليت خلف من يقول بهذه المقولة فأعد

قالوا له حتى وفي عرفة؟ قالوا حتى في عرفة! 

"في الصلوات والحج والغزو معهم والمنع من الخروج عليهم ما يراه لأمثالهم من الأئمة، وينكرون ما أُحدثوا من القول الباطل الذي هو كفر عظيم وإن لم يعلموا أنه كفر وكان ينكره ويجاهدهم في رده". 

طيب، هذا الكلام كله باطل، قاله ابن تيمية ما قاله ابن تيمية لا يهمني، كل سطر في هذا الكلام باطل،

الحق أحق أن يتبع، لمن تجرد من الهوى وأما من لم يتجرد فسيأتي ويقول: أنت ترد على ابن تيمية، من شيوخك يا مجاهيل؟ وصل بكم الكلام للرد على ابن تيمية؟ هذا ما سنسمعه منهم! لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 


يقول الريس "وهذان النقلان وأمثالهما كثير عن شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان منهج السلف، ومن تأمل هذين النقلين عن ابن تيمية مع النقولات المتقدمة عن السلف علم أن ابن تيمية تكلم بعلم لا بجهل وبقول مأثور عن السلف لا محدث كما يزعم ذلك الحدادية السرورية وأتباعهم" 

قلت وهل من بينهم عبد الله بابطين الذي قال إن تفريق ابن تيمية هذا مخالف لكلام أحمد وأئمة الإسلام فهل هو من الحدادية كذلك".


لكن بما أن الريس قد قال في موضع سابق من مقاله أن التأصيل أقوى من التطبيق في مواضع فلا يضر أن نأتي ببعض تأصيلات ابن تيمية التي تخالف مذهب القوم وننظر هل الريس سيتهم ابن تيمية بالتناقض كما فعل مع كل العلماء الذين لا يعذرون بالجهل في الشرك الأكبر

  1. فمن ذلك أن ابن تيمية يجعل العذر محصورا فيمن طلب الحق من جهة الرسول ﷺ فيقول: ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول ﷺ، وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه، قال هذا في درء التعارض وهو نفس الكتاب الذي يقرر فيه أن منكري العلو ما عندهم أصل يعتصمون به من جهة الرسول فيقول: وكلهم يعترف بأن مثل هذه الأدلة لا تعارض ما في القرآن من إثبات العلو والفوقية ونحو ذلك. ولهذا لم يكن معهم على نفي ذلك أصل يعتصمون منه من جهة الرسول ﷺ وإنما يتمسكون بما يظنونه من العقليات، فيحتاجون إلى بيان تقديم ذلك على الأدلة الشرعية.

  2. استصحاب حال الواقع في الكفر فيحكم بكفره إن كان عالما مثله لا يجهل ما أنكره فيقول وَالْمُرْتَدُّ مَنْ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ كَانَ مُبْغِضًا لِلرَّسُولِ وَلِمَا جَاءَ بِهِ أَوْ تَرَكَ إنْكَارَ مُنْكَرٍ بِقَلْبِهِ أَوْ تَوَهَّمَ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ أَوْ التَّابِعِينَ أَوْ تَابِعِيهِمْ قَاتَلَ مَعَ الْكُفَّارِ أَوْ أَجَازَ ذَلِكَ أَوْ أَنْكَرَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ إجْمَاعًا قَطْعِيًّا أَوْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَسَائِطَ يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ وَيَدْعُوهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ وَمَنْ شَكَّ فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِثْلُهُ لَا يَجْهَلُهَا فَمُرْتَدٌّ وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يَجْهَلُهَا فَلَيْسَ بِمُرْتَدٍّ، وَلِهَذَا لَمْ يُكَفِّرْ النَّبِيُّ الرَّجُلَ الشَّاكَّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ، وَإِعَادَتِهِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الرِّسَالَةِ


ولهذا فلم يغفل أئمة الدعوة النجدية عما تستلزمه تقريرات ابن تيمية فيقول محمد بن عبد الوهاب: وأما عبارة الشيخ التي لبسوا بها عليك، فهي أغلظ من هذا كله، ولو نقول بها لكفرنا كثيرًا من المشاهير بأعيانهم؛ فإنه صرح فيها بأن المعين لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة. فإذا كان المعين يكفر إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر ﵁، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله، وخلا من شيء يعذر به، فهو كافر، 


فهذا كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب وفهمه لكلام ابن تيمية ولو جاز أن نجعل كلام الطالب ترجمانا لكلام شيخه فإن عندنا قسمة دقيقة قسمها ابن القيم في أحوال الواقعين بالتجهم في نونيته فيقول

٤٤٠٠ - هُمْ عِنْدَنَا قِسْمَانِ أَهْلُ جَهَالَةٍ ... وَذَوُو العِنَادِ وَذانك القِسْمَانِ

٤٤٠١ - جَمْعٌ وَفَرْقٌ بَيْنَ نَوْعَيْهِمْ هُمَا ... فِي بِدْعَةٍ لَا شَكَّ يَجْتَمِعَانِ

٤٤٠٢ - وَذَوو العِنَادِ فَأَهْلُ كُفْرٍ ظَاهِرٍ ... وَالجَاهِلُونَ فَإنَّهُمْ نَوْعَانِ

٤٤٠٣ - مُتَمَكِّنُونَ مِن الهُدَى والعِلْمِ بالْـ ... أسْبَاب ذَاتِ اليُسْرِ والإمْكَانِ

٤٤٠٤ - لَكِنْ إلَى أرْضِ الجَهَالَةِ أَخْلَدُوا ... وَاسْتَسْهَلُوا التَّقْليِدَ كَالعُمْيَانِ

٤٤٠٥ - لَمْ يَبْذُلُوا المَقْدُورَ فِي إدْرَاكِهِمْ ... لِلحَقِّ تَهوِينًا لِهَذَا الشَّانِ

٤٤٠٦ - فَهُمُ الأُلَى لَا شَكَّ فِي تَفْسِيقهِمْ ... وَالكُفْرُ فِيهِ عِنْدَنَا قَوْلانِ

٤٤٠٧ - وَالوَقْفُ عِنْدِي فِيهِمُ لَسْتُ الَّذِي ... بالكُفْرِ أنْعَتُهُمْ وَلَا إيمَانِ

٤٤٠٨ - واللهُ أَعْلَمُ بِالبِطَانَةِ منْهُمُ ... وَلنَا ظِهَارةُ حُلَّةِ الإعْلَانِ

فها هي قسمة تلميذ ابن تيمية وملخص كتبه وتقريرات وأعلم الناس بشيخه ينقل الخلاف في الجهال المتمكنين من العلم ثم يختار الوقف فيهم فكيف بعد هذا يقال أن من يختار تكفيرهم إن سلمنا أنهم يعدون جهالا وهم عندنا علماء البدعة كيف يقال فيه حدادي ومبتدع ويشنع عليه بما لا يشنع على الجهمية أنفسهم وحسبنا الله ونعم الوكيل 


ثم يقول "أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يهديهم ويهدي المسلمين أجمعين، وأن يعيذنا وإياهم من شر أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأن يردنا إليه رداً جميلاً،" 


قلت اللهم آمين، اللهم آمين. 




الخلاصة

مما سبق نستخلص أمورا عدة

  1. أن عداوة الخصوم لمن سموهم الحدادية ليس سببها خلافا في مسألة العذر بالجهل ولا في في الحكم على بعض الأعيان بالكفر بل مجرد تصريحك بالتبديع والتحذير لبعض الأعيان كاف ليجلبوا عليك بخيلهم ورجلهم

  2. أنه ليس عند القوم نص واحد لعالم واحد من السلف يستدلون به على مذاهبهم الرديئة فغاية ما يقدرون أن يجيئوا به هو كلام ابن أبي عاصم من غير أن يبينوا ما الحجة التي كان يعنيها حتى يكفر القائل بخلق القرآن 

  3. أن القوم يموهون بما يذكرون من آثار أنهم يعظمون النصوص أن الحجة عندهم بالخبر والنقل والنص لكنهم كاذبون في ذلك فلا القرآن ولا السنة ولا إجماع السلف عندهم كاف ليقيم الحجة على العالم فضلا عن الجاهل

  4. أنه لا يجوز الاعتماد على قياس الشبه في العذر لمنكري الصفات إذ قد تبين من كلام السلف وبما أقر به حتى الريس أن الصفات ليست من حيث الظهور شيئا واحدا فليس العذر في صفة يلزم منه العذر في غيرها فضلا أن نحتج بعذر القدرية والمرجئة على عذر الجهمية

  5. أن القوم ما يقدرون أن يأتوا بضابط واضح لمن تقوم عليه الحجة وكيفية قيامها فإن قالوا تقوم الحجة ببلوغ النصوص لصاروا حدادية بل ولربما عدوا أنفسهم ضمن من لا يعذر بالجهل وإن قال تقوم الحجة بإزالة الشبه النصية لزمهم تكفير كل منكر للعلو لأن ابن تيمية صرح أنهم ليس لهم شبهة واحدة من القرآن أو السنة وإن قالوا نكفر الداعية ونعذر المقلد كما قرر المجد ابن تيمية وأكثر الحنابلة معه سيلزمهم تكفير الرازي والغزالي والجويني والسبكي والهيتمي والبكري وغيرهم كثير وإن قالوا بالمناظرة فسيكفرون من ناظرهم أحمد ومن ناظرهم ابن تيمية ولا يفعلون وإن قالوا نكفر من كان عالما كما كفر الذهبي ابن خراش على سب الشيخين وقال جهلة الرافضة لم يدروا الحديث ولا السيرة ولا كيف ثم فأما أنت أيها الحافظ البارع الذي شربت بولك أن صدقت في الترحال فما عذرك عند الله مع خبرتك بالأمور فأنت زنديق معاند للحق فلا رضي الله عنك.

فلا يسعهم ذلك أيضا فهم ليسوا على مذهب أحد من المتقدمين ولا المتأخرين 

والحجة عندهم لا تقوم لا بمعرفة النصوص ولا بكون المرئ عالما وفقيها ولا بكونه داعية ولا بالمناظرة وقولهم حتى تقوم الحجة وتزال الشبهة منهم كذب وعبث بات مفضوحا لا ينطلي على عاقل

آثار في التكفير بدون إقامة حجة

هذه جملة من الآثار عن السلف التي كفروا فيها أقواما معينين من غير مناظرة وأحيانا من غير لقاء حتى

عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: «بَيْنَا أَنَا أَطُوفُ عَلَى إِبِلٍ لِي ضَلَّتْ، إِذْ أَقْبَلَ رَكْبٌ - أَوْ فَوَارِسُ - مَعَهُمْ لِوَاءٌ، فَجَعَلَ الْأَعْرَابُ يَطِيفُونَ بِي لِمَنْزِلَتِي مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، إِذْ أَتَوْا قُبَّةً، فَاسْتَخْرَجُوا مِنْهَا رَجُلًا فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَذَكَرُوا أَنَّهُ أَعْرَسَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ»


قال عبد الله بن عمر حين ذكر له القدرية: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي. وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ! لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ، مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ.


قال ابن معين سَمِعت أَبَا خَيْثَمَة قَالَ وَقلت ليحيى الْأنمَاطِي بالخريبة ترْضى بوكيع قَالَ نعم فَأتيت وكيعا فَقلت لَهُ إِن هَذَا يزْعم أَن الْقُرْآن مَخْلُوق مجعول فَقَالَ هَذَا كَافِر هَذَا كَافِر


قال أبو داود: سمعتُ أحمد ذكر له رجل أن رجلا قال: إن أسماء اللَّه مخلوقة، والقرآن مخلوق؟ فقال أحمد: كفر بين. قال: قلت لأحمد: من قال: القرآن مخلوق أهو كافر؟ قال: أقول: هو كافر.


قال يعقوب بن سفيان: سمعت أبا هاشم زياد بن أيوب، قال: قلت لأبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل: يا أبا عبد اللَّه رجل قال: القرآن مخلوق. فقلت له: يا كافر، ترى علي فيه إثم؟ قال: كان عبد الرحمن بن مهدي يقول: لو كان لي فيهم قرابة ثم مات ما ورثته.

فقال له خراساني بالفارسية: الذي يقول القرآن مخلوق، أقول: إنه كافر؟ قال: نعم.


قال يعقوب بن إبراهيم بن سعد يقول: جاء سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، فسأل أبي عن رجل يقول: القرآن مخلوق؟

فقال: هذا كافر باللَّه، تضرب عنقه من هاهنا، وأشار بيده إلى عنقه.


قال أبو داود حدثنا حَمْزَةُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، قَدْ بَلَغَكَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ ابْنِ عُلَيَّةِ فِي الْقُرْآنِ، فَمَا تَقُولُ فِيهِ؟ فَقَالَ: اسْمَعْ إِلَيَّ، وَيْلَكَ: «مَنْ زَعَمَ لَكَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ فَهُوَ عِنْدَنَا كَافِرٌ زِنْدِيقٌ عَدُوُّ اللَّهِ، لَا تُجَالِسْهُ، وَلَا تُكَلِّمْهُ» .


وقال أبو داود حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الْقَوَارِيرِيُّ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ «لَوْ كَانَ إِلَيَّ الْأَمْرُ لَقُمْتُ عَلَى الْجِسْرِ، فَلَا يَمُرُّ أَحَدٌ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقُ، إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ وَالْقَيْتُهُ، قَالَ: وَقَالَ وَكِيعٌ: يُسْتَتَابُ». وكلا الرجلين شيوخ لأحمد وغاية خلافهم هل يستتاب قبل قتله أم لا


وقال أبو توبة الطرسوسي -الربيع بن نافع: قلت لأحمد بن حنبل وهو عندنا بطرسوس -يعني: حين حمل في المحنة: ما ترى في هؤلاء الذين يقولون: القرآن مخلوق؟ فقال: كفار.

قلت: ما يصنع بهم؟ قال: فقال: يستتابون، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم. قال: فقلت: قد جئت تضعف أهل العراق، لا بل يقتلون ولا يستتابون.

قال أبو بكر الأثرم: فقال أبو إسحاق العباداني يومًا لأبي عبد اللَّه ونحن عنده: يا أبا عبد اللَّه، حكى عنك أبو توبة كذا وكذا فابتسم، ثم قال: عافى اللَّه أبا توبة.

قلت فهذا أحمد وأبو توبة مثل وكيع وابن مهدي غاية خلافهم يستتاب أم لا فما كان يقول له العذر وقدامة وابن مسعود والمعوذتين ولا كل هذا بل فقط يذكر له الاستتابة بل إن أبا توبة وقع في أحمد وشدد عليه فكان أحمد يبتسم لغيرته على السنة 


قال المروذي قلت لأبي عبد اللَّه: إن الكرابيسي يقول: من لم يقل: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر؟ قال: بل هو كافر، وقال: مات بشر المريسي وخلفه حسين الكرابيسي. مع أن أحمد كما في السنة لابنه قال عن الكرابيسي ما لقيته ولا أعرفه


هذا يكفي لمن يريد الحق أما المبطل فسيكابر ولن يكفيه ألف دليل


*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم