تحرير مذهب الإمام الطبري في صفات الأفعال وتفنيد شبهة نفي الحركة والسكون



بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين الهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد 

كثيراً ما يعمد المخالفون لعقيدة السلف إلى اجتزاء النصوص وبترها من سياقاتها لتركيب حجج لا تصمد أمام البحث العلمي والتحقيق الدقيق. 

ولا يفعلون ذلك إلا ليغطوا سوءة مخالفتهم للسلف وأنهم مجرد طائفة حادثة مبتدعة

ومن أبرز هذه الشبهات التي تُروّج بكثرة؛ نسبة نفي صفات الأفعال (كالحركة والمجيء والنزول) إلى الإمام أبي جعفر الطبري رحمه الله، عبر استلال نصوص من تفسيره وكتابه "التبصير في معالم الدين".

في هذا المقال، نُشرّح هذه الشبهة ونحرر مذهب الإمام الطبري في هذه المسألة، بردّ النصوص إلى سياقاتها التامة.

أولاً: تفنيد الاستدلال بتفسير اسم الله "القَيُّوم"

يحتج بعض الأشاعرة بأن الطبري في تفسيره لاسم الله "القيوم" في الآية الثانية من سورة آل عمران 

قال أن معنى القيوم: "القيام على مكانه من القيام الذي لا زوال معه ولا انتقال". ويطيرون بهذا النص لإثبات أن الطبري ينفي صفات الفعل من نزول ومجيء وإتيان وصعود وغير ذلك. 

والرد العلمي على ذلك يتلخص في عدة أوجه:

 1. إثبات المكان بلفظه: إن كان المخالف يحتج بهذا النص، فإن النص ذاته يُثبت لله "المكان" بقوله (على مكانه)، وهو ما ينفيه الأشاعرة أصلاً.

 2. الطبري لم يُرجّح هذا القول: ساق الإمام الطبري هذا الوجه ضمن أقوالٍ أخرى، لكنه حين رجّح، اختار القول بأن "القيوم" هو: "القائم بأمر كل شيء في رزقه والدفع عنه وكلائته وتدبيره"، الذي هو قول مجاهد والربيع ولم يرجح القول الذي تشبثوا به. واستدل بعدها على أن معنى القيوم في اللغة هو هذا

 3. الفهم الصحيح لمعنى (الزوال): بالعودة إلى أصل الرواية المنسوبة لمحمد بن جعفر بن الزبير والتي وردت كاملة في سيرة ابن هشام يرويها عن شيخه ابن اسحاق 

فسيجدا رواية طويلة في سياق الرد على نصارى نجران حول ألوهية عيسى عليه السلام، نجد أن المقصود بـ "الزوال" هنا هو زوال المُلْك الملك عن ملكه وسلطانه وانتقاله لغيرهما تاركا لهما بغير مدبر لهما فالله في رده على النصارى ذكر ما يتصف به الإله وما لا يجوز أن يخلو منه وكان من ذلك أنه حي والنصارى بزعمهم أن عيسى عليه السلام صلب ومات والقيام على سلطانه وعيسى عندهم قد زال عن سلطانه وانتقل عنه فتركه بغير من يدبره حين مات ثلاثة أيام وهم يزعمون أنه الله. فالنص يقول: "والقيوم القائم على مكانه من سلطانه في خلقه لا يزول، وقد زال عيسى عن مكانه الذي كان به وذهب عنه إلى غيره". فالمعنى أن مُلك الله وسلطانه باقٍ لا يزول ولا يغيب، وليس في النص أي إشارة لنفي أفعال الله الاختيارية كالنزول والمجيء.

إذا تحرك الملك في سلطانه لتدبيره أو تحركه فيه بما لا يشغله عن تدبيره ليس بمعارض لهذا الكلام ومن يصف الله بالمجيء والنزول فهو يصفه أنه يفعل ذلك في ملكه لا يتحول عنه ولا ينشغل وليس مراد الرواية أن القيوم هو الصنم الجامد فلو كان ذلك كذلك لكان هبل قيوما وليس كذلك

ثانياً: كشف بتر النص في كتاب "التبصير في معالم الدين"

الشبهة الأكبر التي يُروّج لها هي نقلهم المبتور عن الطبري زعمهم أنه قال: "إجماع الموحدين على أن السكون والحركة محال على الله عز وجل". وهذا محض كذب وتحريف لسياق كلام الإمام.

**السياق الحقيقي للنص:**

كان الإمام الطبري في هذا الموضع يُحاجج "الجهمية" في مسألة "خَلْق القرآن". ثم ذكر أن الفرق فيه ثلاثة

قائلون أنه صفة لله غير مخلوق

قائلون أنه مخلوق

واقفة لا يقولون هذا ولا هذا

ثم تدرج في الدلالة لمذهب أهل السنة فبدأ بالقول أن القرآن صفة وليس شيئا قائما بذاته فنفى بذلك أن يكون خالقا

ثم قال كونه صفة فإما هو صفة لله فيكون غير مخلوق أو صفة للمخلوق فيكون مخلوقا والله قد قال أنه كلامه فنفى أن يكون صفة للمخلوق في حين أن الخالق يصف به نفسه

ثم ضرب لهم الطبري أمثلة لإبطال هذا المذهب الفاسد، فقال ما نصه:

> "لأنه لو جاز أن يكون صفة لمخلوق والموصوف بها الخالق، جاز أن يكون كل صفة لمخلوق فالموصوف بها الخالق، فيكون إذا كان المخلوق موصوفاً بالألوان والطعوم والأرياح والشم والحركة والسكون؛ أن يكون الموصوف بالألوان وسائر الصفات التي ذكرنا الخالق دون المخلوق. **وفي إجماع جميع الموحدين من أهل القبلة وغيرهم على فساد هذا القول**؛ ما يوضح فساد القول بأن يكون الكلام الذي هو موصوف به رب العزة كلاماً لغيره".

ثم بعد هذا النص أيضا زاد في ضرب الأمثلة والاستدلال لهذه الطريقة فحاصل كلامه أنه لو أجزنا أن يكون الله متصفا بأفعال المخلوقات وصفاتهم فسيلزم أن كل حركة ولون وريح وطعم في المخلوق فالمتصف بها الخالق وهذا باطل بالاجماع

فالإجماع الذي حكاه الطبري هنا هو الإجماع على إبطال قول الجهمية، وعلى **استحالة أن يتصف الخالق بصفات المخلوقين القائمة في ذوات المخلوقين** من طعوم وروائح وحركات معينة، وليس إجماعاً على نفي صفات أفعال الله التي وصف بها نفسه.

ثالثاً: الإمام الطبري وإثبات النزول والمجيء الحقيقي

لإسقاط هذه الشبهة من جذورها، يكفي أن نراجع كلام الطبري في إثبات صفة المجيء والنزول، ورده الشديد على من يؤولها بمجيء "الأمر" أو "الرحمة":

 1. إبطال تأويل المجيء بالأمر: يرد الطبري صراحة على الجهمية الذين يزعمون أن (ينزل) أو (يجيء) معناها (ينزل أمره)، محتجاً بأن أمر الله نازلٌ في خلقه في كل لحظة وساعة، فلا وجه لتخصيص نزول أمره في الثلث الأخير من الليل أو مجيء أمره يوم القيامة. وهذا الكلام قاله في نفس الكتاب الذي هو التبصير في معالم الدين لكن الجهال لا يرون إلى نصوصا لا يفهمونا ويحسبون فيها الانتصار لمذهبهم بل يقول الطبري ازاما لمن يؤول جاء ربك والملك أنه مجيء أمره بأن الله عز وجل ذكر المجيء له وللملك فما يمنه أن الملك لا يجيء إنما يجيء أمره وهذا ليعلم أن الطبري له عادة في الإلزام أثناء مناقشة أقوال الخصوم لأن كثيرين من الأشعرية الزائغين يحبون أن يأتوا لما قاله الطبري إلزاما ويجعلونه قوله ودينه وهذا برهان الهوى

 2. إثبات المجيء لفصل القضاء: في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، يثبت الطبري المجيء على ظاهره، ويسوق في ذلك الآثار والأحاديث التي تصف نزول الجبّار جل جلاله في ظُلَلٍ من الغمام والملائكة لمحاسبة الخلائق، واضعاً عرشه حيث شاء من الأرض، دون تحريف أو تعطيل بألفاظ لو سمعها الأشعري لأصابته سكتة قلبية فمثلا يذكر أنه كلما نزل أهل سماء يقول لهم أهل الأرض أفيكم ربنا فتقول لهم الملائكة ليس فينا وهو آت.

الخلاصة:

إن المتأمل في نصوص الإمام الطبري، العارف بأساليب محاججته للمعتزلة والجهمية، يدرك يقيناً أنه بريءٌ من منهج التعطيل. فهو مُقرٌّ بصفات الأفعال الاختيارية كالمجيء والنزول والاستواء والجلوس، على الوجه اللائق بجلال الله وكماله، وما نُسب إليه من نفيٍ إنما هو نتيجة اقتطاع النصوص من سياقات الإلزام الجدلية التي كان ينسف بها أصول أهل البدع.

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم