هل ورد عن الإمام مالك أنه يعذر القائلين بخلق القرآن ؟

أقول بما أن ديدن أهل البدع وأهل الزيغ التمسك بالمتشابه من النصوص والشاذ من قول العلماء فقبل ذكر شبهة المخالف والرد عليها فسنذكر أولا الآثار الصريحة عن الإمام مالك رحمه الله في تكفير القائل بخلق القرآن وأن هذا هو مذهب أهل المدينة من شيوخه وأقرانه وتلامذته بحيث يعرف من قرأ هذه الآثار أن كل من نسب إلى مالك غير هذا الكلام فما هو إلا زائغ ضال معاند يتبع المتشابه ويترك المحكم


أولًا، الآثار الصريحة عن مالك رحمه الله في تكفير القائل بخلق القرآن


١. حَدَّثَنَا ابْنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمَرُّوذِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، يَقُولُ: «الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَالَّذِي يَقِفُ شَرٌّ مِنَ الَّذِي يَقُولُ»

الإبانة الكبرى - ابن بطة ٦/‏٤٧ — ابن بطة (ت ٣٨٧)


٢. وَحَدَّثَنِي وَهْبٌ عَنْ اِبْنِ وَضَّاحٍ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ عَبَّادٍ قَالَ: كَانَ كُلُّ مَنْ أَدْرَكْتُهُ مِنْ اَلْمَشَايِخِ: مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ اَلْمُبَارَكِ، وَوَكِيعُ بْنُ اَلْجَرَّاحِ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ أَدْرَكْتُ مِنْ فُقَهَاءِ اَلْأَمْصَارِ: مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَغَيْرِهَا يَقُولُونَ: اَلْقُرْآنُ كَلَامُ اَللَّهِ لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوقٍ، وَلَا يَنْفَعُهُ عِلْمٌ حَتَّى يَعْلَمَ وَيُؤْمِنَ أَنَّ اَلْقُرْآنَ كَلَامُ اَللَّهِ لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوقٍ.

قَالَ اِبْنُ وَضَّاحٍ: وَلَا يَسَعُ أَحَدًا أَنْ يَقُولَ: كَلَامُ اَللَّهِ قَطُّ حَتَّى يَقُولَ: لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوقٍ وَلَا يَنْفَعُهُ عِلْمٌ حَتَّى يَعْلَمَ وَيُوقِنَ أَنَّ اَلْقُرْآنَ كَلَامُ اَللَّهِ لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوقٍ، مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَمَنْ قَالَ بِغَيْرِ هَذَا فَقَدْ كَفَرَ بِاَللَّهِ اَلْعَظِيمِ.

أصول السنة لابن أبي زمنين ١/‏٨٦ — ابن أبي زمنين (ت ٣٩٩)


٣. روى اللالكائي عن أَبِي حَاتِمٍ أنه قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا مَيْمُونُ بْنُ يَحْيَى الْبَكْرِيُّ قَالَ: قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: «مَنْ قَالَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ»

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/‏٣٤٦ — اللالكائي (ت ٤١٨)


٤. قال اللالكائي وهو يذكر إجماع أهل المدينة على تكفير القائل بخلق القرأن: هَؤُلَاءِ أَصْحَابُ مَالِكٍ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَالْمَاجِشُونُ مَعْنُ بْنُ عِيسَى، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَأَبُو مُصْعَبٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ، وَمُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، وَيَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، وَهَارُونُ بْنُ مُوسَى الْفَرْوِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الزُّبَيْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ. قَالُوا كُلُّهُمُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَمَنْ قَالَ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ

وَقَالَ يَحْيَى: مَا أَدْرَكْتُ أَحَدًا مِنْ عُلَمَائِنَا إِلَّا وَهُوَ يَقُولُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَمَنْ قَالَ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ. فَهَذَا إِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/‏٣٠١ — اللالكائي (ت ٤١٨)


وهذا كما قال اللالكائي إجماع أهل المدينة، ومنهم الإمام مالك، وقول تلاميذ الإمام مالك هو نفسه قول تلاميذ الإمام الزهري رحمهم الله.


٥. وعند اللالكائي أيضًا (٥٢٢): وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ وَارَةَ: قَالَ لِي أَبُو مُصْعَبٍ -الزبيري-: مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ قَالَ: لَا أَدْرِي يَعْنِي مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مِثْلُهُ. ثُمَّ قَالَ: بَلْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ. فَذَكَرْتُ رَجُلًا كَانَ يُظْهِرُ مَذْهَبَ مَالِكٍ فَقُلْتُ: إِنَّهُ أَظْهَرَ الْوَقْفَ. فَقَالَ: لَعَنَهُ اللَّهُ، يَنْتَحِلُ مَذْهَبَنَا وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْهُ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَأَعْجَبَهُ وَسُرَّ بِهِ.

شرح أصول أعتقاد أهل السنة والجماعة 2\357



٦. حَدَّثَنِي أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ فَرْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَعْقُوبَ الْعَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ الْمُقْرِئُ، بِطَرَطُوسَ، وَذُكِرَ أَنَّهُ أَتَى عَلَيْهِ اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَذُكِرَ أَنَّهُ أَتَى الْمَدِينَةَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، فَلَقِيَ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِيمَنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؟ فَقَالَ: «كَافِرٌ زِنْدِيقٌ، اقْتُلُوهُ» 

ثُمَّ قَدِمْتُ الْبَصْرَةَ فَلَقِيتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: مَا تَقُولُ فِيمَنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؟ فَقَالَ: «كَافِرٌ» ثُمَّ لَقِيتُ ابْنَ لَهِيعَةَ، فَقُلْتُ: مَا تَقُولُ فِيمَنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؟ فَقَالَ: «كَافِرٌ»، ثُمَّ قَدِمْتُ مَكَّةَ، فَلَقِيتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ، فَقُلْتُ: مَا تَقُولُ فِيمَنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؟ فَقَالَ: «كَافِرٌ» ثُمَّ قَدِمْتُ الْكُوفَةَ، فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا تَقُولُ فِيمَنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؟ قَالَ: «كَافِرٌ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ أَنَّهُ كَافِرٌ فَهُوَ كَافِرٌ» 

ثُمَّ لَقِيتُ عَلِيَّ بْنَ عَاصِمٍ، وَهُشَيْمًا، فَقُلْتُ لَهُمَا: مَا تَقُولَانِ فِيمَنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؟ فَقَالَا: «كَافِرٌ» ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى الْكُوفَةِ، فَلَقِيتُ ابْنَ إِدْرِيسَ، وَعَبْدَ السَّلَامِ بْنَ حَرْبٍ الْمُلَائِيَّ، وَحَفْصَ بْنَ غِيَاثٍ النَّخَعِيَّ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَأَبَا أُسَامَةَ، فَقُلْتُ لَهُمْ: مَا تَقُولُونَ فِيمَنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؟ فَقَالُوا: «كَافِرٌ»

 ثُمَّ لَقِيتُ وَكِيعَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَابْنَ الْمُبَارَكِ، وَأَبَا إِسْحَاقَ الْفَزَارِيَّ فَقُلْتُ لَهُمْ: مَا تَقُولُونَ فِيمَنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؟ فَقَالُوا: «كَافِرٌ» ثُمَّ لَقِيتُ الْوَلِيدَ بْنَ مُسْلِمٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا الْعَبَّاسِ مَا تَقُولُ فِيمَنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؟ فَقَالَ: «كَافِرٌ» قَالَ يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ: وَأَنَا أَقُولُ: «مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ» 

قَالَ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ: وَأَنَا أَقُولُ: «مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ» 

قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَرَّانِيُّ: وَأَنَا أَقُولُ: «مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ» 

قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ يَعْقُوبَ الْعَسْكَرِيُّ: وَأَنَا أَقُولُ: «مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ» 

قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ فَرْدَةَ: وَأَنَا أَقُولُ: «مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، فَهُوَ كَافِرٌ» 

وَقَالَ لِي أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ: «مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ»

الإبانة الكبرى - ابن بطة ٦/‏٥٢ — ابن بطة (ت ٣٨٧)


وأقول أنا كاتب هذا المقال أن من قال القرآن مخلوق فهو كافر


وروى هذا الأثر عن يحيى بن خلف في تكفير القائل بخلق القرآن قوم غير ابن بطة وقد تكلم البعض في هذا الأثر وحاولوا تضعيفه بالطعن في يحيى بن خلف بن ربيع الطرسوسي. وكان الشيخ محمد بن شمس الدين قد كتب مقالًا بخصوص صحة هذا الأثر، أقتبس منه: 

قال محمد بن شمس الدين:

وقد جاء هذا الأثر أيضًا عند:

أ. اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤١٢): وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْخَضِرِ الْمُقْرِئُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْأَزْهَرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ الْمُقْرِئُ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: " يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِيمَنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؟ قَالَ: كَافِرٌ زِنْدِيقٌ، اقْتُلُوهُ. قَالَ: إِنَّمَا أَحْكِي كَلَامًا سَمِعْتُهُ. قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ أَحَدٍ، إِنَّمَا سَمِعْتُهُ مِنْكَ ..)


ب. السمرقندي في الفوائد المنتقاة العوالي الحسان (٨٩):   حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ الْمُقْرِئُ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِيمَنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؟ قَالَ: «زِنْدِيقٌ كَافِرٌ، فَاقْتُلُوهُ»


ج. أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (٣٢٥/٦): حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفِ بْنِ الرَّبِيعِ الطَّرَسُوسِيُّ، - وَكَانَ مِنْ ثِقَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَعُبَّادِهِمْ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ مَا تَقُولُ فِيمَنْ يَقُولُ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، فَقَالَ مَالِكٌ: زِنْدِيقٌ اقْتُلُوهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ إِنَّمَا أَحْكِي كَلَامًا سَمِعْتُهُ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ أَحَدٍ إِنَّمَا سَمِعْتُهُ مِنْكَ وَعَظَّمَ هَذَا الْقَوْلَ.

وهذا إسناد صحيح:

(سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ) هو الحافظ الطبراني صاحب المعاجم، وهو أشهر من أن نتحدث عنه.


(الْحَسَنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ) هو الحسين بن إسحاق ت290 وصُحفت إلى الحسن «وَكَانَ مِنَ الحُفَّاظِ الرَّحَّالَةِ… أَكْثَرَ عَنْهُ أَبُو القَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ» سير أعلام النبلاء – ط الحديث (11/ 38)


(يَحْيَى بْنُ خَلَفِ بْنِ الرَّبِيعِ الطَّرَسُوسِيُّ) وعليه مدار الرواية، 

كما ترى في المتن، وثقه أبو نعيم بقوله: «وَكَانَ مِنْ ثِقَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَعُبَّادِهِمْ»

وقال ابن حبان: «‌يحيى ‌بن ‌خليف ‌المقرئ ‌الْمروزِي سكن طرسوس يروي عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ مَنْ قَالَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ كَافِرٌ فَاقْتُلُوهُ وَعَنِ اللَّيْثِ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَجَمَاعَةٍ مِثْلَهُ روى عَنهُ مُحَمَّد بْن يزِيد الطَّرَسُوسِيُّ»

الثقات (9/ 258).


وقد ردَّ الشيخ على الطاعنين ووضَّح خطأهم وبيَّن الإلتباس الذي حدث عند الذهبي وابن حجر في هذه المسألة، والخلط بين يحيى بن خلف الطرسوسي الثقة ويحيى بن خليف السعدي. (رابط المقال كاملًا في الأسفل).


ويستشنع المضعفين لهذه الرواية أيضًا قول الإمام مالك "سمعته منك"، ثم إذا رجعنا للروايات المذكورة سابقًا، نجد أن هذه اللفظة لم ترد في كل الروايات أساسًا. وبالتالي، إذا تنزَّلنا وقلنا أن هذه اللفظة مستشنعة، فالأولى تضعيف الزيادة فقط عوضًا عن تضعيف الرواية كاملة من أجل هذه الزيادة.  

============


ثانيًا، جواب شبهة من زعم أن مالك يعذر من قال بخلق القرآن

يحتج علينا بعض المخالفين في مسائل العذر، بأثر للإمام مالك ذكره الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل في السنة (٢١٣) فقال: حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْعَطَّارِ، قَالَ: سَمِعْتُ سُرَيْجَ بْنَ النُّعْمَانِ، يَقُولُ: "سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعٍ، وَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قِبَلَنَا مَنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ وَلَمْ يَزَلْ مُتَوَجِّعًا حَزِينًا يَسْتَرْجِعُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ نَافِعٍ قَالَ مَالِكٌ: ((مَنْ قَالَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ يُؤَدَّبُ وَيُحْبَسُ حَتَّى تُعْلَمَ مِنْهُ التَّوْبَة)).


وجاء عنه في السنة أيضًا (١١): حَدَّثَنِي أَبِي رحمه الله قَالَ: حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رحمه الله يَقُولُ: ((مَنْ قَالَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ يُوجَعُ ضَرْبًا وَيُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ)) 


وجاء أثر آخر أيضًا عند اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤٩٧) أنه قال: ((أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْعَطَّارِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ شُرَيْحُ بْنُ النُّعْمَانِ يَقُولُ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعٍ وَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قِبَلَنَا مَنْ يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ. فَاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ وَلَمْ يَزَلْ مُوجَعًا حَزِينًا يَسْتَرْجِعُ.

 قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ: قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: مَنْ قَالَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ يُحْبَسُ حَتَّى يُعْلَمَ مِنْهُ تَوْبَةٌ))


وجاء في مسائل أحمد برواية ابنه صالح (١٠٧٢): (حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنَا سُرَيج بن النُّعْمَان قَالَ أَخْبرنِي عبد الله بن نَافِع قَالَ كَانَ مَالك يَقُول أَنا مُؤمن وَيَقُول الْإِيمَان قَول وَعمل وَيَقُول كلم الله مُوسَى ويستفظع قَول من يَقُول الْقُرْآن مَخْلُوق قَالَ يوجع ضربا وَيحبس حَتَّى يَتُوب وَقَالَ مَالك الله فِي السَّمَاء وَعلمه فِي كل مَكَان لَا يَخْلُو مِنْهُ شَيْء).


فيقول المخالف: هذه الألفاظ كقوله "ويستفظع قَول من يَقُول الْقُرْآن مَخْلُوق قَالَ يوجع ضربا وَيحبس حَتَّى يَتُوب" فيها دلالة على عدم تكفير المعيَّن، بل الإمام مالك يقول بتعزيرهم  وهو لا يرى كفرهم حتى تقوم عليهم الحجة وتزول الشبهة.


والأثر الذي يستدل فيه المخالف جاء عند اللالكائي (٤٩٧) كما ذكرت سابقًا، ثم ساق اللالكائي رحمه الله له طرقا أخرى إلى عبد الله بن نافع  ثم أورد بعد ذلك رواية يحل بها الإشكال ويبين بها المراد وهي سياق كامل لسبب المسألة وقصة هذه الفتوى

فقال في الرواية برقم (٥٠٠):  وَذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثنا أَبِي قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ بَيَانٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعٍ الصَّايِغَ سَنَةَ تِسْعِينَ يَتَكَلَّمُ فَلَمْ أَحْفَظْهُ، فَسَمِعْتُ شُرَيْحَ بْنَ النُّعْمَانِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعٍ الصَّايِغَ يَقُولُ. فَذَكَرَ الْحِكَايَةَ حَتَّى قَالَ مَالِكٌ: وَيْلَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَنْ سَأَلَكَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؟ قُلْتُ: رَجُلَانِ مَا أَعْرِفُهُمَا. قَالَ: اطْلُبْهُمَا فَجِئْنِي بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا حَتَّى أَرْكَبَ إِلَى الْأَمِيرِ فَآمُرَهُ بِقَتْلِهِمَا أَوْ حَبْسِهِمَا أَوْ نَفْيِهِمَا.


فهذا الأثر الذي لم يذكره المخالف، يشرح رواية عبد الله بن نافع ويوضح بأنَّ مالكًا أفتى بقلتهما قبل أن يراهما حتى. وهذا فيه ردٌّ على من يدعي بأن مالك يشترط قيام الحجة وزوال الشبهة أولا. وفي الأثر أيضًا تفسيرٌلسبب اختلاف الروايات عن عبد الله بن أحمد بحيث جاءت مرة بلفظ "حتى يتوب" ومرة "حتى يموت"

والظاهر من هذا أن الإمام عبد الله بن أحمد فهم من كلام الإمام مالك المعنى الثاني "حتى يموت" وأن مالكًا يكفرهم ولا يعذرهم، وإلا فلماذا سيذكر الإمام عبد الله هذه الآثار عن الإمام مالك في ثنايا كلامه عن تكفير القائلين بخلق القرآن !!


والحاصل أن نقول أن وجه الجمع بين كل هذه الروايات أن مالك يرى القائل بخلق القرآن كافرا يستاب وإلا فيقتل وهذا مذهبه ومذهب أصحابه وأقرانه وإجماع أهل المدينة وأما فتواه بالحبس فهي إما لأن هذا ماكان يفعله الخفاء في ذلك الوقت فكان يقول أن يشتكى أولئك القوم للخلفاء والقضاة فيعاقبوهم بهذه العقوبات وهي وإن كانت دون الحد الشرعي فلا يجوز لمسلم أن يتعدى ويقيم الحدودمن نفسه

وقدتحمل على مذهب أبعد وهو أن مالك أفتى بذلك لمن كان دون السلطان والقاضي وكان له قدرة على ذاك القائل بخلق القرآن كالولي والأب والسيد في عبده بأن يضربوا ألئك القوم ويستيبوهم حتى يتوبوا عن هذا المذهب وليس لهم قتلهم وهذا المذهب على بعده أقرب للعقل والأصول من قول نسف كل الآثار عن مالك وأصحابه وإجماعات أهل العلم سلفا وخلفا في تكفير من يقول بخلق القرآن حتى بلغ بهم الأمر أن يتكلموا في كفر من لا يكفر القائل بهذه المقالة ثم قال أن مالكا لا يكفرالمعين القائل بخلق القرآن


ثم لو قلنا تنزُّلًا أن الإمام مالك لا يكفر القائل بخلق القرآن، فهل اشترط مالكٌ الحوار والمناظرة لهذا القائل بالخلق لإقامة الحجة وإزالة الشبهة عنه؟! بل قال الإمام بمعاقبته وبحبسهِ وضربهِ بشكلٍ مباشر ولم يقل بوجوب تعليمه أولًا. وبالتالي، فهذا المخالف يستدل بأثرٍ لا ينفعه أصلًا ولا يتماشى مع مذهب العذر المطلق الذي يروج له.


هذا وصلِّ اللهم على محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلِّم 


=============


رابط مقال الشيخ محمد بن شمس الدين في إثبات صحة أثر الإمام مالك: https://mshmsdin.com/archives/791


رابط ثاني لمقال في موقع حبر الإسلام في إثبات نفس الأثر: https://www.islamink.com/2024/07/blog-post_77.html?m=1

 




   



*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم