ما الذي يُصنع في روايات ذم السلف لأبي حنيفة؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد، يعتقد العبد الفقير، أن مبحث موقف السلف من أبي حنيفة مهم جداً ورئيسي لمن أراد أن يفهم منهجهم في التعامل مع أهل البدع، وذلك لكثرة ما ورد فيه من آثار المدح والذم. ويعود سبب كثرة هذه الآثار التي تتكلم فيه إلى الشهرة الواسعة التي اكتسبها، والتي لأصحابه فيها سهماً عظيماً، فإنك تجد أن هذه الآثار لم تنقطع حتى في طبقات بعد وفاته. وهي لكثرتها وتنوع موضوعاتها تشكل مادة غنية تستحق العناية.


وعلى الرغم من أن عامة ما ورد في ذم أبي حنيفة صحيحٌ، كثيرٌ ومتعاضد، إلا أنه يبدو وكأنه مسح من التاريخ، وذلك لكثرة ما اعتراه من التلاعب والتغبيش، إلى درجة أنك إذا أوردت بعضه على مسامع طالب العلم ظنَّ أنه خرافة أو لا يصح أو أن في عامته ضعف، فيُدفع القول أحياناً بلا دليل وأحياناً بأقل القليل.


وسأذكر على هذا التلاعب والتغبيش مثالاً واحداً فقط، يظهر فيه عظيم ما يصنع من الجناية في حق العلم وتبعاً في حق طالب العلم الذي اتهموه تارة بالغلو وتارة بالكذب، وكل ذنبه أنه اضطلع على هذه الآثار ودرسها دراسة علمية دقيقة بنى على إثرها موقفاً شرعياً ملائماً. وهذا المثال هو ما روى الخطيب البغدادي في تاريخه بإسناده قال:


أَخْبَرَنِي ابن رزق، حَدَّثَنَا أَحْمَد بن سلمان الفقيه المعروف بالنجاد [٢]، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حَدَّثَنَا مهنى بن يحيى [٣] قال: سمعت أَحْمَد ابن حنبل يقول: ما قول أبي حنيفة والبعر عندي إلا سواء.

[ 📚 تاريخ بغداد - ط العلمية ١٣ / ٤١٣]


حاشية المحقق:

[١] أَحْمَد بْن جَعْفَرِ بْن حَمْدَانَ الْقَطِيعِيُّ. قَالَ الخطيب حكاية عن أبي الحسن بن الفرات:

خلط فِي آخر عمره، وكف بصره وخرف حتى لا يعرف شيئا.

[٢] النجاد. قال الخطيب عن الدارقطني: حدث من كتاب غيره بما لم يكن من أصوله.

[٣] مهنى بن يحيى. قال الخطيب: منكر الحديث.

[٤] محمد بن أحمد الأدمي. سبق ذكره.

[٥] مُحَمَّد بن نصر بن أَحْمَد بن نصر. قال الخطيب: كان يسمع من كتب ليس عليها سماعه.

[٦] خَالِد بْن يزيد بْن أَبِي مَالِك. قَالَ ابن أبي حاتم: يروي المناكير.

خلاصة حكم الرواية: إسناد كالشمس، رواته ثقاتٌ جبالُ علمٍ وفقهٍ ورواية. وسيأتي تخريجه.


التعليق على حاشية المحقق: انحياز المحقق لنتيجة سابقة ظاهرفأورد كل ذم استطاع أن يجده في رواته حتى لو كان محتملاً ولا يطعن في حكم روايتهم هذه.

قال المحقق: النجاد. قال الخطيب عن الدار قطني: حدث من كتاب غيره بما لم يكن من أصوله. وقال: مهنى بن يحيى. قال الخطيب: منكر الحديث.


قلت: قبل أن أشرع في تفنيد حاشية المحقق، أذكر أن عبدالله بن أحمد روى الأثر في السنة مباشرة عن مهنا، ولم يخلو فعل محقق كتاب السنة مما وقع من محقق كتاب تاريخ بغداد وسيأتي ذكره! وفي تحقيق الحنفي الواقفي بشار عواد معروف للتاريخ، كتب في الحاشية صحيح إلى مهنا! قلت: هذا طعن مبطن بإمام عظيم من كبار أصحاب أحمد. والله المستعان.

معالم مجانبة المحقق للمنهج العلمي:

- لماذا لم ينقل توثيقهم وعرَّف بهم وبعلمهم وبروايتهم وكتب الرجال مليئة بالكلام عنهم وستأتي صفحات في تراجمهم؟
- فإن قيل: إنما يورد رأي المؤلف - أي الخطيب البغدادي - فيهم فحسب!
- قيل: فلم لم يورد توثيق الخطيب للنجاد وغيره؟
- ولم تكلف إيراد رأي ابن أبي حاتم في ذم رواية خالد بن يزيد في الأثر الذي تلا ولم يكتفي برأي الخطيب؟
- ولم لم يورد توجيه الخطيب لكلام الدارقطني في النجاد؟
- ولم لم يورد رواية الدارقطني عن النجاد وقد أقرها الخطيب؟
- ولم كذب على الخطيب في مهنا؟

بيان ما قلنا من فعل المحقق (النجاد):
قال الخطيب: كَانَ النَّجَّاد صَدُوْقاً عَارِفاً, صنَّف السُّنن، وَكَانَ لَهُ بِجَامع المَنْصُوْر حَلْقَةٌ قَبْل الجمعَة للفَتْوَى, وَحَلْقَة بَعْد الجُمُعَة للإِمْلاَء.

وَقَالَ أبا الحسن الدَّارَقُطْنِيُّ (في المطبوع أبا الدار قطني ط العلمية): حدَّث النَّجَّاد مِنْ كِتَاب غَيْرِه بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي أُصوله.

توجيه الخطيب الذي لم ينقله المحقق: قَالَ: كَانَ قَدْ أضرَّ, فلَعَلَّ بَعْضَهُم قَرأَ عَلَيْهِ ذَلِكَ.

قال الذهبي:

الإمام المحدث الحافظ الفقيه المفتي شيخ العراق.

[📚 سير أعلام النبلاء ط الرسالة ١٥ / ٥٠٢]


النجاد الإمام الحافظ الفقيه شيخ العلماء ببغداد.

[📚 تذكرة الحفاظ ٣ / ٥٧]


النجاد الْفَقِيه الْحَافِظ صَدُوق.

[📚 المعين في طبقات المحدثين ١ /١١٢]


النجاد صدوق إمام.

[📚 المغني في الضعفاء ١ / ٤١]

قال حاجي خليفة:

كان رأساً في الفقه والرواية وهو صدوق.

[📚 سلم الوصول إلى طبقات الفحول ١ / ١٤٨]

قال ابن حجر

كان رأسا في الفقه رأسا في الرواية، وهو صدوق.

[📚 لسان الميزان ١ / ١٨٠]

قال الشيخ أبو الطيب نايف المنصوري:

صدوق مكثر، تُكُلِّم فيه بلا حجة.

[📚 الدليل المغني لشيوخ الإمام أبي الحسن الدارقطني]


صحيح عزيزي القارئ، اسم كتاب نايف المنصوري الدليل المغني لشيوخ الدارقطني! فأحمد بن سلمان النجاد من شيوخ الدارقطني وقد روى عنه حديث رسول الله ﷺ، وتالياً بيان هذا:

قال الخطيب في ترجمته:

رَوَى عَنْهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مالك القطيعي، والدارقطني، وابن شاهين، وغيرهم من المتقدمين.

قال السيوطي القبوري:

وَمِنْه الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَابْن مَنْدَه وصنف كتابا كَبِيرا فِي السّنَن.

قال الذهبي:

حدث عنه: أبو بكر القطيعي، وأبو بكر عبد العزيز الفقيه، وابن شاهين، والدارقطني، وابن مندة، وأبو بكر محمد بن يوسف الرقي، وأبو الحسن بن الفرات، وأبو سليمان الخطابي، وأبو عبد الله الحاكم، وابن رزقويه، وأبو الحسين بن بشران، وأبو القاسم الخرقي، وأبو بكر بن مردويه، وأبو علي بن شاذان، وابن عقيل الباوردي، وأبو القاسم بن بشران، وعدد كثير.

[📚 سير أعلام النبلاء ط الحديث ١٢ / ٨٢]

وقال ابن ماكولا

وأبو بكر أحمد بن سلمان النجّاد الفقيه البغدادي، روى عن أبي داود، روى عنه الدارقطني والناس.

[📚 الإكمال ت المعلمي ٧ / ٣٧٢]

قال نايف المنصوري

وعنه: أبو الحسن الدَّارقُطْنِي في "سننه" وأكثر عنه، وابن شاهين، وابن بَطَّة، والحاكم، وابن مندة، وابن مردويه، وابن شَاذَان، وخلق.

قال ابن عبدان: لا يدخل في الصحيح.

قلت: مروياته تملئ كتب الحديث وتورد جنباً إلى جنب مع مرويات كبار المحدثين والحفاظ وهو منهم (مثال ذلك: رواه النجاد والدارقطني. وهذا كثير). روى عنه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ١٤٥ حديثاً وأتبعها بـقوله: "على شرط الصحيح ولم يخرجاه". ولم أجد من استدرك على الحاكم هذا الصنيع حتى ممن كتب في مستدركاته!

قال الذهبي بعد نقل الخطيب عن الدارقطني: والنجاد من كبار أئمة الحنابلة، وقد صنف كتابًا في الخلاف. وحديثه كثير.

[📚 تاريخ الإسلام ت بشار عواد معروف ٧ / ٨٦٠]

قلت: وفي ترجمته عند أبي الطيب ورد المعلمي على الكوثري ومتفرقات ما ذكرنا وسنذكر ما يشفي الغليل:

قال أبو الطيب: وعنه: أبو الحسن الدَّارقُطْنِي في «سننه» وأكثر عنه، وابن شاهين، وابن بَطَّة، والحاكم، وابن مندة، وابن مردويه، وابن شَاذَان، وخلق.

قال السلمي عن الدَّارقُطْنِي: حدث من غير كتبه. وقال حمزة عنه: قد حدث أحْمَد بن سلمان من كتاب غيره بما لم يكن بها أصوله. قال الخَطِيب: قلت: كان قد كف بصره بها آخر عمره فلعلّ بعض طلبة الحديث قرأ عليه ما ذكره الدَّارقُطْنِي، والله أعلم.

قال مقيده - عفا الله عنه -: وثق الدَّارقُطْنِي رجال إسناد هو فيهم، وأخرج له الحاكم وصحح له، وقال أبو الحسن ابن رزقويه: أبو بكر النَّجَّاد ابن صاعدنا، قال الخَطِيب: عنى بذلك أنّ النجاد في كثرة حديثه واتساع طرقه وعظم رواياته وأصناف فوائده لمن سمع منه كيحيى بن صاعد لأصحابه، إذ كلّ واحد من الرجلين كان واحد وقته بها كثرة الحديث. وقال أبو بكر بن عبدان: لا يدخل بها «الصّحيح». وقال الخَطِيب: كان له في جامع المنصور يوم الجمعة حلقتان قبل الصّلاة وبعدها: إحداهما للفتوى في الفقه على مذهب أحْمَد، والأخرى لإملاء الحديث، وهو ممّن اتسعت رواياته، وانتشرت أحاديثه، وكان صدوقًا، عارفًا، جمع المسند، وصنف بها السُّنَن كتابًا كبيرًا. وقال ابن النديم: كان فقيهًا مفتيًا محدثًا متقنًا واسع الرِّواية مشهور الدراية، قدم حلب وسمع بها. وقال الذَّهَبِي: سبق ايراده، قال أحْمَد بن عبدان: لا يدخل في «الصّحيح».

ولد سَنَة ثلاث وخمسين ومائتين، ومات ليلة الثلاثاء لعشر بقين من ذي الحجة سَنَة ثمان وأربعين وثلاثمائة، ودفن في مقبرة باب حرْب.

قال أبو الطيب: [صدوق مكثر، تُكُلِّم فيه بلا حجة].
[📚 الدليل المغني لشيوخ الإمام أبي الحسن الدارقطني ص ٩٠]

هذا وقد تنطع أيضاً القبوري الجهمي محمد زاهد الكوثري - في كتابه تأنيب الخطيب - في قبول رواية النجاد متعللاً بما نقله الخطيب عن الدارقطني وأورده المحقق في حاشيته: "حدث من كتاب غيره بما لم يكن من أصوله".


وقد أفرد المعلمي اليماني صفحات يدافع فيها عن النجاد وعدالته رداً على الكوثري:

قال في طليعة التنكيل:

٣ - أحمد بن سلمان النجاد.
قال الأستاذ (ص ٦٥): "يقول عنه (٢) الدارقطني [ص ٤٥]: يحدِّث من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله".

أقول: إنما قال الدارقطني: "حدث ...." كما في "تاريخ بغداد" و"الميزان" و"اللسان" (١)، وذاك يصدُق بمرة واحدة كما حمله الخطيب وغيره، كما يأتي في ترجمة النجاد من "التنكيل" (٢) وفيها بَسْط عذر النجاد. وعبارة الأستاذ تفيد بأن ذاك كان من شأن النجاد، تكرر مرارًا!

حاشية المعلمي

(١) "تاريخ بغداد": (٤/ ١٩١)، و"الميزان": (١/ ١٠١)، و"اللسان": (١/ ٤٧٥). (٢) (رقم ١٩).

[📚 طليعة التنكيل وتعزيز الطليعة وشكر الترحيب - ط دار عالم الفوائد ٩ / ٥٢]

وفي التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل:

١٩- أحمد بن سلمان النجاد. في (تاريخ بغداد) ١٣/ ٣٨٣: «أخبرنا محمد بن عبد الله أبان الهيتي حدثنا أحمد بن سلمان النجاد حدثنا عبد الله ... » قال الأستاذ ص٦٥ «يقول فيه الدارقطني: يحدث من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله» .

وفي (تاريخ بغداد) ١٣/ ٤٠٤: خبر آخر من طريق النجاد فقال الأستاذ ص ١٢٥ «والنجاد ممن يروي عما ليس عليه سماعه كما نص على ذلك الدارقطني كما في (٤/ ١٩١) من (تاريخ الخطيب) وليس قول الدارقطني فيه: قد حدث أحمد بن سلمان من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله، مما يزال بلعل ولعل».

أقول: لفظ الدارقطني «حدث ... » كما في (تاريخ بغداد) في الموضع الذي أحال عليه الأستاذ وهكذا في (تذكرة الحفاظ) وفي (الميزان) و (اللسان) ، وهذه الكلمة تصدق بمرة واحدة كما حملها عليه الخطيب إذ قال «كان قد كف بصره في آخر عمره فلعل بعض طلبه الحديث قرأ عليه ما ذكر الدارقطني» بخلاف ما نسبه الأستاذ إلى الدارقطني أنه قال «يحدث من كتاب غيره ... » ، «ممن يروي عما عليه سماعه» فإن هاتين العبارتين تعطيان أن ذلك كان من شأنه، تكرر منه مراراً! وقد تصرف الأستاذ مثل هذا التصرف وأشد منه في مواضع راجع (الطليعة) ص ٦٦- ٧٢، ويعتذر الأستاذ في (الترحيب) ص١٦ بقوله «وأما مراعاة حرفية الجرح فغير ميسورة كل وقت وكفى بالاحتفاظ بجوهر المعنى».

أقول: على القارئ أن يراجع تلك الأمثلة في (الطليعة) ليتبين له هل احتفظ الأستاذ بجوهر المعنى؟ ولا أدري ما الذي عسر عليه المراعاة لعله كان بعيداً عن الكتب فلم يتيسر له مراجعتها وإنما اعتمد على حفظه؟ أو لا يحق لي أن أقول إن الذي عسر عليه ذلك هو أنه رأى كلمات الأئمة التي تصرف فيها ذاك التصرف لا تشفي غيظه ولا تفي بغرضه فاضطر إلى ما وقع منه، يدل على هذا أني لم أر كلمة واحدة من كلمات التليين في الذين يريد جرحهم تصرَّف فيها فجاءت عبارته أخف من أصلها، بل رأيته يحافظ على حرفية الجرح حيث يراه شافياً لغيظه كما يأتي في الترجمة رقم ٢٣ وغيرها! وعلى هذا يكون اعتذاره المذكور اعترافاً بما قلته في (الطليعة) ص ٦٦.

وقول الأستاذ «مما يزال بلعل ولعل» يريد قول الخطيب «.. فلعل بعض الطلبة ... » وقد مر، ولولا شدة غيظ الأستاذ على المحدثين لاكتفى بنص عبارة الدارقطني وعبارة الخطيب قائلاً: فعلى هذا ينبغي التثبت فيما يرويه عن النجاد من لم يكن في عصره معروفاً بالتيقظ، ورواي تينك الحكايتين عن النجاد هو محمد بن عبد الله بن أبان الهيتي قال فيه الخطيب « ... وكان مغفلاً مع خلوه عن علم الحديث ... » وإذا كانت هذه نهايته فما عسى أن تكون بدايته؟ فلا يؤمن أن يكون سمع تينك الحكايتين من النجاد في ذاك المجلس الذي حدث فيه النجاد من كتاب غيره بما ليس في أصوله.

أقول لو كان الأستاذ يكفكف من نفسه لاكتفى بهذا أو نحوه فإذا قيل له: القضية النادرة لا يعتد بها في حمل غيرها عليها وإنما الحمل على الغالب فقد يمكنه أن ينازع في هذا، أما أنا فأقول: إنما قال الدارقطني «بما لم يكن في أصوله» ولم يقل «بما يكن من حديثه» أو نحو ذلك فدل هذا على احتمال أن يكون ما حدث به من ذلك الكتاب كان من حديثه» أو نحو ذلك فدل هذا على احتمال أن يكون ما حدث به من ذلك الكتاب كان من حديثه أو روايته وإن لم يكن في أصوله، وذلك كأن يكون سمع شيئاً فحفظه ولم يثبته في أصله ثم رآه في كتاب غيره كما حفظه فحدث به، أو يكون حضر سماع ثقة غيره في كتاب ولم يثبت اسمه فيه. ثم رأى ذلك الكتاب وهو واثق بحفظه فحدث منه بما كان سمعه، أو تكون له إجازة بجزء معروف ولا أصل له به ثم رأى نسخة موثوقاً بها منه فحدث منها، نعم كان المبالغون في التحفظ في ذاك العصر لا يحدث أحدهم إلا بما في أصوله حتى إذا طولب أبرز أصله، ولا ريب أن هذا أحوط وأحزم لكنه لا يتحتم جرح من أخل بذلك إذا كانت قد ثبتت عدالته وأمانته وتيقظه وكان ما وقع منه محتملاً لوجه صحيح، وقد قال أبو علي ابن الصواف «كان النجاد يجيء معنا إلى المحدثين ونعله في يده فيقال له في ذلك فيقول: أحب أن أمشي في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا حافياً» فقال أبو إسحاق الطبري «كان النجاد يصوم الدهر ويفطر كل ليلة على رغيف ويترك منه لقمة، فإذا كان ليلة الجمعة تصدق بذلك الرغيف وأكل تلك اللقم التي استفضلها» وكان ابن رزقويه يقول «النجاد ابن صاعدنا» قال الخطيب «عني بذلك أن النجاد في كثرة حديثه واتساع طرقه وأصناف فوائده لمن سمع منه كابن صاعد لأصحابه إذ كل واحد من الرجلين كان واحد وقته» وقال الخطيب: «كان صدوقاً عارفاً صنف كتاًبا كبيراً في السنن وكان له بجامع المنصور حلقة قبل الجملة للفتوى وحلقة بعدها للإملاء» هكذا في (تذكرة الحفاظ) ج ٣ ص ٨٠ وقال الذهبي أول الترجمة: «النجاد الإمام الحافظ الفقيه شيخ العلماء ببغداد» .
قال المعلمي: وقد روى عنه الأئمة كالدارقطني وابن شاهين والحاكم وأكثر عنه في المستدرك - وابن منده وابن مردويه وغيرهم ولم ينكر عليه حديث واحد، الثقة تثبت بأقل من هذا، ومن ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح إلا ببينة واضحة لاحتمال فيها كما تقدم في القواعد. والله الموفق.

[📚 التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ط المكتب الإسلامي ١ / ٣٠٦ - ٣٠٨]

قلت: أرأيت في جرح ابن عبدان المجمل - لا يدخل في الصحيح - قرينة واضحة لقبوله، وهو الذي ثبتت عدالته برواية الأئمة حديثه وتصحيحه ولم يُنكر عليه حديث واحد؟!

أما محقق كتاب السنة لعبد الله بن أحمد طبعة دار عالم، فقد شوه الأثر تشويهاً ما عاد يفهم بعده منه شيئا.

قال: ٣٣٠ - حدثني مهنا بن يحيى الشامي، سمعت أحمد بن حنبل رضي الله عنه يقول: ما قول أبي حنيفة وعندي والبعد الاسواء.

وعلى ما يبدو أن مافي المخطوط هو كما عند الوادعي في نشر الصحيفة: ما قول أبي حنيفة وعندي والبعر إلا سواء. يعني تزال الواو ليستقيم المعنى كما وجهه الوادعي وسيأتي ذكره.

فلا تعليق!

قائمة مما طبع من مؤلفات النجاد التي بين أيدينا:

  1. الرد على من يقول القرآن مخلوق.
  2. ذكر من له الآيات ومن تكلم بعد الموت للنجاد.
  3. مجلس من أمالي النجاد رواية ابن مخلد.
  4. مسند عمر بن الخطاب للنجاد.
  5. أمالي أبي بكر النجاد.
  6. مجلس من أمالي النجاد رواية المحاملي.
  7. جزء من حديث أبي بكر النجاد.

بيان ما قلنا من فعل المحقق (مهنا):

قال المحقق: قال الخطيب: منكر الحديث.

والصحيح من ترجمة مهنى عند الخطيب:

قال الخطيب: حَدَّثَنِي أَحْمَد بن محمّد الغزال، أخبرنا محمّد بن جعفر الشروطي، أَخْبَرَنَا أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي الحافظ قال: مهنى بن يحيى الشامي نزل بغداد منكر الحديث.

[📚 تاريخ بغداد ط العلمية ١٣ / ٢٦٦]

وقام أحد المتحمسين بالرد على الشيعة، بتلقف هذه الجناية دون تدقيق ولا تحقيق وقام بنشرها. واستُنسخ من بعدُ كلامه بحرفيته إلى عشرات المواقع والتعليقات! وأصبح مرجعاً لرد هذه الرواية! والله المستعان.

وقد افترى الكوثري في تأنيب الخطيب مثيل هذه الفرية. قال: قال أبو الفتح الأزدي: … منكر الحديث، وتابعه الخطيب.

أما ابن الجوزي، فقد ظن أيضاً أن الخطيب آثر كلام الأزدي على توثيق الدارقطني. فثارت ثائرته. قال: فصل: وللخطيب دسائسٌ في ذم أصحاب أحمد [بن حنبل] عجيبةٌ، لا يفطن لها إلا المبرز في العلم والفهم، ومن ذلك:

أنه ذكر مهنى بن يحيى، وكان من كبار أصحاب أحمد [بن حنبل] ، وذكر عن الدارقطني أنه قال: مهنى ثقةٌ نبيلٌ. ثم حكى بعد ذلك عن أبي الفتح الأزدي أنه قال: مهنى منكر الحديث. وهو يعلم أن الأزدي مطعون عليه عند الكل، لا يقبل قوله.

أفلا يستحيي الخطيب أن يقابل قول الدارقطني في مهنى ومدحه يقول هذا!! وإن هذا يدل على قوة عصبيةٍ وقلة دينٍ.

[📚 درء اللوم والضيم في صوم يوم الغيم ط البشائر ١ / ٤٥]

قلت: مهنا بن يحيى من كبار أصحاب أحمد، صحبه دهرا، وكان مؤتمناً على تراثه عند ابنه عبد الله.

قَالَ الخلَال: مُهنّى من كبار أصحاب أحمد. كان يستجريء عَلَى أَبِي عَبْد اللَّه ويسأله عَنْ كِبار المسائل. ومسائله أكثر من أن تُحدّ. كتبَ عَنْهُ عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد بْن حنبل بضعة عشر جزءًا مسائل لم تكن عند عَبْد اللَّه، عَنْ أَبِيهِ.

قلت: والأزدي فيه كلام كثير ولا يقبل جرحه في مهنا.

قال الذهبي: أبو الفتح الأزدي. الحافظ البارع أبو الفتح، محمد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن بريدة الأزدي الموصلي، صاحب كتاب " الضعفاء " وهو مجلد كبير. قال أبو بكر الخطيب: كان حافظا. صنف في علوم الحديث، وسألت البرقاني عنه فضعفه، وحدثني أبو النجيب عبد الغفار الأرموي، قال: رأيت أهل الموصل يوهنون أبا الفتح ولا يعدونه شيئا. قال الخطيب: في حديثه مناكير. قال الذهبي: وعليه في كتابه في "الضعفاء" مؤاخذات، فإنه ضعف جماعة بلا دليل. بل قد يكون غيره قد وثقهم. مات في شوال سنة أربع وسبعين وثلاثمائة.

[📚 سير أعلام النبلاء ط الرسالة ١٦ / ٣٤٨]

قلت: أما عن ترجيح الخطيب لجرح أو تعديل مهنا، فلم يتفطن ابن الجوزي والكوثري إلى أن معوَّل الخطيب من الأقاويل هو على ما أخَّر، ذكره الذهبي في التذكرة. وقد تعقب المعلمي كليهما في هذه المسألة. كما تعرض لمتمسك الأزدي على مهنا (ورد عند الخطيب وذكره الذهبي أيضاً في الميزان):

٨٨٣٥ - مهنأ بن يحيى الشامي، صاحب الإمام أحمد.

روى عن بقية والكبار، وانفرد عن زيد بن أبي الزرقاء بحديث في الجمعة.

قال المعلمي: قال ابن الجوزي في (المنتظم) ج ٨ ص ٢٦٧ بعد أن ذكر ميل الحنابلة على الخطيب حتى انتقل عن مذهبهم ما لفظه «وتعصب في تصانيفه عليهم فرمز إلى ذمهم وصرح بقدر ما أمكنه فقال في ترجمة أحمد بن حنبل: «سيد المحدثين»، وفي ترجمة الشافعي: «تاج الفقهاء» فلم يذكر أحمد بالفقه. وقال في ترجمة حسين الكرابيسي أنه قال عن أحمد: أي شيء نعمل بهذا الصبي؟ إن قلنا لفظنا بالقرآن مخلوق، قال: بدعة، وإن قلنا: غير مخلوق، قال: بدعة، وله دسائس في ذمهم من ذلك أنه ذكر مهنأ بن يحيى ... ومال الخطيب على أبي الحسن «عبد العزيز بن الحارث» التميمي ... ومال الخطيب على أبي «عبد الله» عبيد الله بن «محمد بن» بطة ... ومال الخطيب على أبي علي «الحسن ابن علي» ابن المذهب. وكان في الخطيب شيئان: أحدهما الجري على عادة عوام المحدثين في الجرح والتعديل فإنهم يجرحون بما ليس بجرح، وذلك لقلة فهمهم، والثاني التعصب على مذهب أحمد وأصحابه ...» .

أقول: رحمك الله يا أبا الفرج! لا أدري أجاوزت الحد في غبطة الخطيب على مصنفاته التي أنت عيال عليها كما يظهر من مقابلة كتبك بكتبه، فدعتك نفسك إلىالتشعيث منه والتجني عليه؟ أم أردت التقرب إلى أصحابك الذين دخل في قلوبهم من يومك المشهود الذي لم ير مثله غم عظيم؟ أم كنت أنت المتصف بما ترمي به المحدثين من قلة الفهم؟

أما ما قاله الخطيب في ترجمتي أحمد والشافعي فلفظه في المطبوع ج ٤ ص ٤١٢ في ترجمة أحمد «... إمام المحدثين الناصر للدين والمناضل عن السنة والصابر في المحنة ...» وفي آخر الترجمة ج ٤ ص ٤٢٣ «قد ذكرنا مناقب أبي عبد الله أحمد بن حنبل مستقصاة في كتاب أفردناه لها فلذالك اقتصرنا في هذا الكتاب على ما أوردنا منها» وعبارته في ترجمة الشافعي ج ٢ ص ٥٦ «... زين الفقهاء وتاج العلماء ...» فعلى هذا للشافعية أن يعاتبوا الخطيب قائلين: لم تذكر الشافعي بالحديث فإن كنت لا تراه محدثًا فقد سلبته أعظم الفضائل ولزم من ذلك سلبه الفقه والعلم الذي يعتد به، وإن كنت تراه محدثًا فقد جعلت أحمد إمامًا له أو سيدًا للمحدثين مطلقًا فشمل ذلك الفقهاء منهم فلزم أن يكون إمام الفقهاء أو سيدهم مطلقًا، ومع ذلك لم تذكر الشافعي بنصرة الدين ولا النضال عن السنة، فأما قولك «زين الفقهاء وتاج العلماء» فلا يدفع ما تقدم لأن المتزين أفضل من الزينة، ولا بس أفضل من التاج.

والصواب أن المناقشة في مثل هذا ليست من دأب المحصلين وإنما الحاصل أن المترجم يتحرى في صدر الترجمة أشهر الصفات فأحمد لتبحره الحديث وتجرده لنصر السنة كان أشهر بذلك منه بالفقه، والشافعي لتجرده للفقه كان أشهر به.

وأما قضية الكرابيسي فإن الخطيب روى بسنده في ترجمته ص ٨ ص ٦٤ عن يحيى بن معين أنه «قيل له أن حسينا الكرابيسي يتكلم في أحمد بن حنبل، قال ما أحوجه أن يضرب» وروي عن يحيى أيضا أنه قال «ومن حسين الكرابيسي لعنه الله ...» ثم ذكر القصة التي فيها تلك الكلمة ثم ذكر روايات عن أحمد في تبديع الكرابيسي والتحذير منه ثم ذكر قصة فيها غض الكرابيسي من فضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأن رجلًا رأى النبي ﷺ يكذب الكرابيسي. فالخطيب ذكر تلك الكلمة لفائدتين.

الأولى: تفسير ما تقدم أجماله من أن الكرابيسي كان يتكلم في أحمد، ليتبين أنه كلام فارغ.

الثانية: زيادة التشنيع على الكرابيسي فمن توهم أن الخطيب حاول انتقاص أحمد فهو كمن يتوهم أن ذكره القصة التي فيها غض الكرابيسي من فضل علي بن أبي طالب، محاولة من الخطيب لانتقاص علي! وابن الجوزي يرمي الخطيب وعامة المحدثين بقلة الفهم وهذه حاله! وأما ما زعمه ابن الجوزي من ميل الخطيب على مهنأ والجماعة الذين سماهم فقد أفردت لكل منهم ترجمة تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى وتتضح براءة الخطيب مما تخيله ابن الجوزي.

وقد وثق الخطيب جمعًا كثيرًا بل جمعًا غفيرًا من الحنابلة وأطاب الثناء عليهم. فإن ساغ أن يرمى بالتعصب على الحنابلة لذكره القدح في أفراد منهم فليسغ رميه بالتعصب لهم لتوثيقه أضعاف أضعاف أولئك، وليسغ رميه بالتعصب على الشافعية لذكره القدح في كثير منهم وقد من قريبًا ما ذكره في الكرابيسي وهكذا حال بقية المذاهب فهل يسوغ أن يقال إن الخطيب كان يتعصب لأهل مذهب وعليهم؟ فإن قيل بل ينظر في كلام، قلت فستراه في التراجم.

[📚 التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ط المكتب الإسلامي ١ / ٣٤٠ - ٣٤٢]

* واتبع المعلمي هذا، فصولاً في رد طعن ابن الجوزي والكوثري في الخطيب.

وقال أيضاً في التنكيل:
٢٥٥- مهنأ بن يحيى. في (تاريخ بغداد) ١٣ / ٤١١ من طريق «عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا مهنأ بن يحيى قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول ...» قال الأستاذ ص ١٤٣: «قال أبو الفتح الأزدي ...: منكر الحديث، وتابعه الخطيب» .

أقول: الأزدي نفسه متكلم فيه حتى رمي بالوضع، وقد رد ابن حجر في مواضع من (مقدمة الفتح) جرحه وبين أنه لا يعتد به، (١) وقول الكوثري: «وتابعه الخطيب» باطل فقد روى ابن الآبنوسي عن الخطيب: «كل من ذكرت فيه أقاويل الناس من جرح أو تعديل فالتعويل على ما أخرت» كما في (تذكرة الحفاظ) ج ٣ ص ٣١٥، وههنا بدأ الخطيب في ترجمة مهنا بحكاية قول الأزدي ثم أتبعا برواية السلمي عن الدارقطني: «ثقة نبيل»، ثم ذكر مكانة مهنأ عند أحمد وثناء أصحابه عليه، فعلم بذلك أن التعويل عنده على التوثيق.

وبهذا يعلم ما في عبارة ابن الجوزي في (المنتظم) ج ٨ ص ٣٦٨ في تجنياته على الخطيب: «ذكر مهنأ بن يحيى وكان من كبار أصحاب أحمد وذكر عن الدارقطني أنه قال: مهنأ ثقة نبيل، وحكى بعد (!) ذلك عن أبي الفتح الأزدي ... وهو يعلم أن الأزدي مطعون فيه عند الكل ... فلا يستحي الخطيب أن يقابل قول الدارقطني في مهنأ بقول هذا ثم لا يتكلم عليه؟ هذا ينبئ عن عصيبة وقلة دين» .

أقول: عفا الله عنك يا أبا الفرج، ما أرى الباعث لك على التجني على الخطيب إلا ما قدمته في ترجمته، وعليك في كلامك هذا مؤاخذات:

الأولى: أن الموجود في (تاريخ الخطيب) تعقيب كلمة الأزدي بحكاية السلمي عن الدارقطني كما مر.

الثانية: أن هذا مع ذكر مكانة مهنأ عند أحمد وثناء أصحابه عليه في قوة الرد على كلمة الأزدي كما مر.

الثالثة: أنك إذ ذكرت ما قيل في الأزدي كان ينبغي أن تذكر ما قيل في السلمي حاكي التوثيق عن الدارقطني وقد ذكر ترجمته في (المنتظم) ج ٨ ص ٦ وفيها قول محمد ابن يوسف القطان: «كان أبو عبد الرحمن غير ثقة ولم يكن سمع من الأصم شيئا يسيرا فلما مات الحاكم أبو عبد الله ابن البيع حدث عن الأصم بـ «تاريخ يحيى بن معين» وبأشياء كثيرة سواها، وكان يضع للصوفية الأحاديث» . ولم تتعقب هذا ولا ذكرت ما يخالفه.

الرابعة: أن الأزدي ذكر متمسكه، فلا يسوغ رد قوله إلا ببيان سقوط حجته.

الخامسة: أنك بعد التسامح بما تقدم لم يكن ينبغي لك «أن» تقول: «عصبية وقلة دين» محاذرة على الأقل أن يشاحك مشاح فيرد ذلك عليك.

أما متمسك الأزدي فهو أن مهنأ روى عن زيد بن أبي الزرقاء عن سفيان الثوري عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن جابر حديثا في الجمعة، ولا يعلم رواه أحد غيره عن زيد بن أبي الزرقاء، ولا عن غيره عن سفيان الثوري؛ فلا يعرف عن الثوري إلا بهذا الإسناد. وإنما يعرف من رواية عبد الله بن محمد العدوي التميمي رواه عن علي بن زيد، والعدوي طعنوا فيه، وقال وكيع: «يضع الحديث» وحكى ابن عبد البر عن جماعة أهل العلم بالحديث أنهم يقولون: إن هذا الحديث من وضعه؟ كذا في ترجمة العدوي من (التهذيب) وفي ترجمة مهنأ من (اللسان) عن ابن عبد البر: «لهذا الحديث طرق ليس فيها ما يقوم به حجة إلا أن مجموعها يدل على بطلان قول من حُمل على العدوي أو على مهنأ بن يحيى» فلو كان ابن الجوزي نظر في هذا الحديث وحقق لكان أولى به مما صنع، وعلى كل حال فغاية ما في الباب أن يكون مهنأ أخطأ في سند هذا الحديث، فكان ماذا؟ ! وقد ذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: «كان من خيار الناس في حديث أحمد بن حنبل وبشر الحافي مستقيم الحديث» . ويكفيه مكانته عند أحمد وثناء أصحابه عليه. والله أعلم.

[📚 التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ط المكتب الإسلامي ٢ / ٧٢٤ - ٧٢٦]

وفي تاريخ الإسلام للذهبي ما يوهم جرحاً في مهنا. قال الذهبي في ترجمته:
وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ: نَا مُهَنَّى، نَا بَقِّيَّةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُحْشَرُ الْمَكَّارُونَ وَقَتَلةُ الأنْفُسِ إِلَى جَهَنَّمَ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ».

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ عَجِيبٌ، رُوَاتُهُ ثقات، لكن مكحول لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

[📚 تاريخ الإسلام ط التوقيفية - ١٩ / ٢٥٨]

قلت: ويجلِّي الذهبيُ الأمر في ترجمة بقية بن الوليد في سير أعلام النبلاء. فبعدَ سردِ كثيرٍ من حديثِ بقية، قال:

فَحَاصِلُ الأَمْرِ: أَنَّ لِبَقِيَّةَ عَنِ الثِّقَاتِ أَيْضًا مَا يُنْكَرُ، وما لا يتابع عليه. (قال) مُهَنَّا بنُ يَحْيَى: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ سَعِيْدِ بن عبد العزيز، عن مكحول، عن أبي هريرة، مرفوعًا: «يحشر الحكارون، وقتلة النفس إِلَى جَهَنَّمَ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ»٢. تَفَرَّدَ بِهِ: مُهَنَّا، وَهُوَ صَدُوْقٌ. وَفِي سَنَدِهِ انْقِطَاعٌ.

بَقِيَّةُ بنُ الوَلِيْدِ: قَالَ شَرِيْكٌ، عَنْ كُلَيْبِ بنِ وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مَرْفُوْعًا: «لاَ تُسَاكِنُوا الأَنْبَاطَ فِي بِلاَدِهِم، وَلاَ تُنَاكِحُوا الخُوْزَ، فَإِنَّ لَهُم أُصُوْلًا تَدْعُوْهُم إِلَى غَيْرِ الوَفَاءِ»٣. وَهَذَا مُنْكَرٌ جِدًّا، قَدْ أَسقَطَ بَقِيَّةُ مَنْ حَدَّثَهُ بِهِ عَنْ شَرِيْكٍ.

قَالَ العُقَيْلِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ سَعِيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ الحَكَمِ، عَنْ وَكِيْعٍ، قَالَ: مَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَجرَأَ عَلَى أَنْ يَقُوْلُ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ مِنْ بَقِيَّةَ.

قَالَ عَبْدُ الحَقِّ فِي «الأَحْكَامِ» لَهُ فِي مَوَاضِعَ: بَقِيَّةُ لاَ يُحْتَجُّ بِهِ. وَرَوَى أَيْضًا لَهُ أَحَادِيْثَ سَاكِتًا عَنْ تَلْيِينِهَا.

قَالَ الحَافِظُ أَبُو الحَسَنِ بنُ القَطَّانِ: بَقِيَّةُ يُدَلِّسُ عَنِ الضُّعَفَاءِ، وَيَسْتبِيْحُ ذلك، وهذا إن صح، مفسد لعدالته.

قُلْتُ: نَعَمْ، تَيَقَنَّا أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُه، وَكَذَلِكَ رَفِيْقُهُ الوَلِيْدُ بنُ مُسْلِمٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَلَكِنَّهُم مَا يُظَنُّ بِهِم أَنَّهُمُ اتَّهَمُوا مَنْ حَدَّثَهُم بالوضع لذلك، فَاللهُ أَعْلَمُ.

[📚 سير أعلام النبلاء ط الحديث - ٧ / ٤٦٤]

قلت: [قال الذهبي: تفرد به مهنا عن بقية]. والتفرد ليس جرحاً ضرورةً ولا يجرح به ثقة. والجرح أصالةً في بقية بن الوليد، وبقية جليلٌ، ثقةٌ في نفسه، صحيح الحديث عن الثقات، إلا أنه يكثر عن الضعفاء، ولا يحط من قدره. فقد كان مالك يقول إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم لقد أدركت سبعين ممن يحدث قال فلان قال رسول الله ﷺ عند هذه الأساطين وأشار إلى مسجد رسول الله ﷺ فما أخذت عنهم شيئا وان أحدهم لو اؤتمن على بيت المال لكان أمينا لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن وقدم علينا ابن شهاب فكنا نزدحم على بابه.

خلاصة حكم الرواية:
قلت: الخطيب معوله على ما أخر من أقاويل الناس جرحاً وتعديلاً. وعليه يعرف أن الخطيب يصححه.

وقال مقبل الوادعي: قال عبد الله (في السنة) حدثني مهنأ بن يحيى الشامي سمعت أحمد بن حنبل رضي الله عنه يقول: ما قول أبي حنيفة وعندي والبعر إلا سواء. الظاهر أنه ما قول أبي حنيفة عندي والبعر إلا سواء. اهـ.

والأثر صحيح ولا يلتفت إلى قول الأزدي في مهنأ إنه منكر إذ قد وثقه الدارقطني، وأما الأزدي فهو محمد بن الحسين ضعيف ترجمته في «ميزان الإعتدال».

* وقال أبو بكر الخطيب (ج١٣ص٤٣٩):
أخبرني ابن رزق حدثنا أحمد بن سلمان النجاد حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا مهني بن يحيى قال سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما قول أبي حنيفة والبعر عندي إلا سواء. اهـ.

ابن رزق هو محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد وقد ترجم له.

أحمد بن سلمان النجاد أيضاً.

وعبد الله بن أحمد بن حنبل وهو ثقة معروف.

ومهني بن يحيى وثقه الدارقطني.

[📚 نشر الصحيفة في ذكر الصحيح من أقوال أئمة الجرح والتعديل في أبي حنيفة]

قلت: وكما لم يتنبه ابن الجوزي للسلمي راوي توثيق الدارقطني لمهنا، لم يتنبه له الشيخ مقبل أيضا، وفيه كلام. وعلى أي حال فغاية ما في الأمر عدم ثبوت توثيق الدارقطني له، فكان ماذا وهو من هو؟!

قال بشار عواد معروف: إسناده إلى مهنى صحيح، ومهنى ثقة شديد في السنة، فكأن عبد الله ما سمع هذا من أبيه فأخذه عن مهنى.

 قلت: والمعلمي كما أسلفنا دافع عن رجال الإسناد ووثقهم كلهم وبعدها دافع عن متنه من طعن الكوثري.

وكان الكوثري قد تمخض نقض ابن النجار له:

قال ابن النجار: لا يشك أحد أن أحمد بن حنبل بعد مذهب أبى حنيفة، والمسائل التي هي [من] قول أبى حنيفة وعمل بها أحمد كيف حكمه فيها؟ هل هي داخلة في الجملة أو خارجة عنها؟ فإن قال داخلة فيها فقد خالف قوله بلا شك وصار بهذا كافرا لأنه يرى الخطأ ويتبعه، وإن قال لا فقد خالف قوله وناقض الحكم، ومثل هذا لا يصح عن أحمد بن حنبل لأن أدنى درجات أحمد أن يعرف ما ذكرت، فإن أحمد ولد بعد [وفاة] أبى حنيفة بأربع عشرة سنة.

[📚 الرد على أبي بكر الخطيب البغدادي - ٢٢ / ٨٩]

* أما القائمون على موقع تراث التابع للمكتبة الشاملة، فقد ألحقوا الجزء الثاني والعشرين فقط من كتاب ابن النجار بكتاب تاريخ بغداد عن دونه من الأجزاء، ولا يخفى على فطن أن السبب وراء هذا أن فيه الرد على الخطيب في مسألة أبي حنيفة! أفلا يستحي القوم وكتاب ابن النجار فيه ما فيه من سفاهة الرأي، كما أسلف.

قال المعلمي: ذكر الأستاذ (يعني الكوثري) ص١٤٣ ما روي من قل أحمد: «ما قول أبي حنيفة والبعر عندي إلا سواء» قال الأستاذ المصدر المضاف من ألفاظ العموم عند الفقهاء فيكون لذلك اللفظ خطورة بالغة لأن أبا حنيفة يعتقد في الله تعالى ما يكون خلافه كفرًا وبدعة شنيعة ... فيكون امتهان قوله في المسائل الاعتقادية والمسائل الفقهية التي م نازعه فيها أحد من المسلمين محض كفر لا يصدر عمن له دين» .

أقول هذه مخاطرة فاجرة ومحاولة خاسرة.

أولًا: لأن من المعلوم قطعًا أن أحمد لا يمتهن الحق، وإنما روى الناس امتهان الحق عن غيره كما ترى بعض ذلك في (قسم الفقهيات)، والعموم يخص بما هو دون هذه الدلالة بكثير.

ثانيًا: هبه سلم العموم فمعلوم أن م في تلك الكلمة إنما هو حكم على القول من حيث هو قول ذاك القائل فلا يتعداها إلى حيثية أخرى.

ثالثًا: عموم القول لا يستلزم عموم التسوية للصفات فإذا قيل: سواء زيد والأسد، لم يفهم منه إلا التسوية التي في بعض المعاني وه الشجاعة. فالتسوية بين القول والبعر إنما هي في عدم الاعتداد فمعنى تلك الكلمة إنما هو أن أحمد لا يعتد بقول أبي حنيفة دليلًا أو خلافًا كما لا يعتد بالبعر مالًا. فأما عدم اعتداده به دليلًا لا غبار عليه، ولا يقول أحد إن قول أبي حنيفة دليل شرعي يلزم من بعده من المجتهدين الأخذ به، وأما عدم الاعتداد به خلافًا فكما قاله بعضهم في قول داود الظاهري، فلو كلف الأستاذ نفسه الاتزان لحمل الكلمة على عدم الاعتداد دليلًا، ثم يقول: فإن أراد عدم الاعتداد بقول أبي حنيفة خلافًا فغير مسلم له ...

هذا وقد ثبت عمن لا يحصى من الأئمة من عظيم الثناء على أحمد ما لم يثنوا به على أحد من الأئمة كما يعلم من كتاب ابن الجوزي و(تاريخ بغداد) وغيرهما وأكتفي ههنا ببعض ما في (تهذيب التهذيب):

قال إبراهيم بن شماس: سمعت وكيع بن الجراح وحفص بن غياث يقولان: ما قدم الكوفة مثل ذاك الفتى - يعنيان أحمد، وقال القطان: ما قدم عليّ مثل أحمد، وقال مرّة: حبر من أحبار الأمة، ... وقال عبد الرزاق: ما رأيت أفقه منه ولا أورع، وقال أبو عاصم: ما جاءنا من ثمة أحد غيره يحسن الفقه، وقال يحيى بن آدم: أحمد إمامنا، وقول الشافعي ... (قد مرَّ)، وقال عبد الله «بن داود» الخُريبِي: كان أفضل زمانه ...؛ وقال قتيبة: أحمد إمام الدنيا، وقال أبو عبيد: لست أعلم في الإسلام مثله، ... وقال العباس بن الوليد بن مزيد: قلت لأبي مسهر: هل تعرف أحدًا يحفظ على هذه الأمة أمر دينها؟ قال لا، إلا شاب في ناحية المشرق، يعني أحمد، ...، وقال بشر بن الحارث: أدخل الكير فخرج ذهبًا أحمر، وقال الحجاج بن الشاعر: ما رأت عيناي روحًا في جسد أفضل من أحمد بن حنبل، وقال أحمد الدورقي: من سمعتموه يذكر أحمد بسوء فاتهموه على الإسلام».

[📚 التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل ط المكتب الإسلامي - ١ / ٣٧١ - ٣٧٢]


والله الموفق والمستعان ..

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم