الآثار عن السلف في إثبات الصفات على ظاهرها
وهذا باب ليس الغرض من استقصاء جميع المواضع التي فسر بها السلف أخبار الصفات على ظاهرها بل نذكر فيه جملة من الأخبار ثم ما قيل في بعض الصفات يقال في جميعها
ذُكِرَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَقٍ، ثنا الْحُسَيْنُ بن فائد عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ قَالَ: يَعْنِي الْيَدَيْنِ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثنا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ بِهِمَا كَيْفَ يَشَاءُ.
تفسير ابن أبي حاتم ٤/١١٦٨
عَنْ، حَكِيمِ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَمَسَّ بِيَدِهِ مَنْ خَلَقَهُ غَيْرَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: خَلَقَ الْجَنَّةَ بِيَدِهِ، ثُمَّ جَعَلَ تُرَابَهَا الْوَرْسَ وَالزَّعْفَرَانَ، وَجِبَالَهَا الْمِسْكَ، وَخَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، وَكَتَبَ التَّوْرَاةَ لِمُوسَى»
المصنف - ابن أبي شيبة - ت الحوت ٧/٢٨
قال عبد اللَّه: قرأت على أبي، نا إبراهيم بن الحكم بن أبان قال: حدثني أبي، عن عكرمة قال: إن اللَّه لم يمس بيده شيئًا إلا ثلاثًا: خلق آدم بيده، وغرس الجنة بيده، وكتب التوراة بيده
وقال: حدثني أبي ، نا أبو المغيرة، حدثتنا عبدة، عن أبيها خالد ابن معدان قال: إن اللَّه لم يمس بيده إلا آدم صلوات اللَّه عليه، خلقه بيده، والجنة، والتوراة كتبها بيده، قال: ودملج اللَّه ﷿ لؤلؤة بيده فغرس فيها قضيبًا فقال: امتدي حتى أرضى، وأخرجي ما فيك بإذني فأخرجت الأنهار والثمار (٣).
«السنة» لعبد اللَّه ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧
وهذا فيه أن السلف فهموا من خلق الله لآدم بيده أنه مسه بيده حقيقة
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ فِي يَدِ اللَّهِ إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ»
تفسير الطبري جامع البيان - ط هجر ٢٠/٢٤٦
وذكر في نفس تفسير الآية
عن الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] يَقُولُ: «السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ جَمِيعًا» وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّمَا يَسْتَعِينُ بِشِمَالِهِ الْمَشْغُولَةُ يَمِينُهُ، وَإِنَّمَا الْأَرْضُ وَالسَّمَوَاتُ كُلُّهَا بِيَمِينِهِ، وَلَيْسَ فِي شِمَالِهِ شَيْءٌ
عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] قَالَ: «كَأَنَّهَا ⦗٢٤٧⦘ جَوْزَةٌ بِقَضِّهَا وَقَضِيضِهَا»
عَنْ رَبِيعَةَ الْجَرَسِيِّ، قَالَ: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ قَالَ: «وَيَدُهُ الْأُخْرَى خُلُوٌّ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ»
فانظر هنا كيف أمر الصحابة والتابعون هذه الآية على الظاهر بغير نفي للمعنى أو تحريف بل وفي الاختلاف الذي أورده ابن جرير في هل السماء والأرض كل منهما بيد أم كلتاهما في نفس اليد من أعظم الأدلة على أن السلف لم يشكوا قط أن لربنا يدان كريمتان حقيقيتان
روى ابن أبي الدنيا عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ وهو من التابعين قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، فَسَأَلَ اللَّهَ بِذَاكَ الْوَجْهِ الْبَاقِي الْكَرِيمِ
الإشراف في منازل الأشراف لابن أبي الدنيا ١/٢١٦
روى عبد الله بن أحمد في كتابه السنة عن خالد ابن معدان- قال: عين اللَّه تعالى فوق سبع سماوات وفوق سبع أرضين، والأخرى فضل عن كل شيء.
«السنة» لعبد اللَّه ٢/ ٤٧٣
عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أخبرنا الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «الْكُرْسِيُّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ، وَالْعَرْشُ لَا يُقَدِّرُ أَحَدٌ قَدْرَهُ»
تفسير عبد الرزاق ٣/٢٥٠
روى ابن خزيمة عن عروى قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَذَكَرْتُ عِنْدَهُ الصَّخْرَةَ الَّتِي بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: «هَذِهِ صَخْرَةُ الرَّحْمَنِ، الَّتِي وَضَعَ عَلَيْهَا رِجْلَهُ، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، يَقُولُ اللَّهُ : ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وَتَقُولُ وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى هَذِهِ، يَا سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّمَا هَذِهِ جَبَلٌ قَدْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ أَنَّهُ يُنْسَفُ نَسْفًا فَيَذَرَهَا قَاعًا صَفْصَفًا»
التوحيد لابن خزيمة ١/٢٥٠
روى عبد الله بن أحمد عَنْ أَبِي مَالِكٍ، فِي قَوْلِهِ، : ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قَالَ: «إِنَّ الصَّخْرَةَ الَّتِي تَحْتَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ وَمُنْتَهَى الْخَلْقِ عَلَى أَرْجَائِهَا أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لِكُلِّ مَلَكٍ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ وُجُوهٍ، وَجْهُ رَجُلٍ، وَوَجْهُ أَسَدٍ، وَوَجْهُ نَسْرٍ، وَوَجْهُ ثَوْرٍ، فَهُمْ قِيَامٌ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطُوا بِالْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ وَرُءُوسُهُمْ تَحْتَ الْكُرْسِيِّ، وَالْكُرْسِيُّ عِنْدَ الْعَرْشِ، قَالَ: وَهُوَ وَاضِعٌ رِجْلَيْهِ عَلَى الْكُرْسِيِّ»
السنة لعبد الله بن أحمد ٢/٤٥٤
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: «إِذَا نَظَرَ دَاوُدُ إِلَى خَصْمِهِ وَلَّى هَارِبًا مِنْهُ، فَيُنَادِي اللَّهُ يَا دَاوُدُ، ادْنُ مِنِّي، فَلَا يَزَالُ يُدْنِيهِ حَتَّى يَمَسَّ بَعْضَهُ»
السنة لأبي بكر بن الخلال ١/٢٦٢
عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ [ص: ٢٥] قَالَ: «ذَكَرَ الدُّنُوَّ حَتَّى يَمَسَّ بَعْضَهُ»
السنة لأبي بكر بن الخلال ١/٢٦٣
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " إِنَّ دَاوُدَ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خَطِيئَتُهُ مَكْتُوبَةٌ فِي كَفِّهِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ خَطِيئَتِي مُهْلِكَتِي، فَيَقُولُ لَهُ: كُنْ بَيْنَ يَدَيَّ، فَيَنْظُرُ إِلَى كَفِّهِ فَيَرَاهَا، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ خَطِيئَتِي مُهْلِكَتِي، فَيَقُولُ: خُذْ بِحَقْوِي، فَذَلِكَ قَوْلُهُ، : ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥]
السنة لعبد الله بن أحمد ٢/٥٠٣
قال يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ بِمِصْرَ سَمِعْتُ نُعَيْمَ بْنَ حَمَّادٍ يَقُولُ حَدِيثُ النُّزُولِ يَرُدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ قَوْلَهُمْ قَالَ وَقَالَ نُعَيْمٌ يَنْزِلُ بِذَاتِهِ وَهُوَ عَلَى كُرْسِيِّهِ
التمهيد - ابن عبد البر - ط المغربية ٧/١٤٤
فهذا نعيم بن حماد وهو من هو في جلالته وإمامته في السنة يثبت نزول الله عز وجل بذاته ونعيم وإن كان ضعيفا في الحديث فإمامته في السنة لا ينكرها إلا جهمي هالك وقد قال عنه البخاري في خلق أفعال العباد
«وَلَقَدْ بَيَّنَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ أَنَّ كَلَامَ الرَّبِّ لَيْسَ بِخَلْقٍ، وَأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَعْرِفُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ إِلَّا بِالْفِعْلِ، فَمَنْ كَانَ لَهُ فِعْلٌ فَهُوَ حَيٌّ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلٌ فَهُوَ مَيِّتٌ، وَأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ، فَضَيَّقَ عَلَيْهِ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، وَتَوَجَّعَ أَهْلُ الْعِلْمِ لِمَا نَزَلَ بِهِ، وَفِي اتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نُعَيْمًا وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُ لَيْسَ بِمُفَارِقٍ وَلَا مُبْتَدِعٍ، بَلِ الْبِدَعُ وَالرَّئِيسُ بِالْجَهْلِ بِغَيْرِهِمْ أَوْلَى، إِذْ يُفْتُونَ بِالْآرَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ، مِمَّا لَمْ يأَذَنْ بِهِ اللَّهُ»
خلق أفعال العباد للبخاري ١/٨٥
وهو رحمه الله وإن كان غلط برواية حديث في ذلك مرفوع فإن هذا المعنى وافقه كذلك عليه الإمام قوام السنة
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي مَنَاقِبِ الْإِمَامِ أَبِي الْقَاسِمِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيِّ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ مُجَدِّدًا لِلدِّينِ فِي رَأْسِ الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ قَالَ: وَكَانَ مِنَ اعْتِقَادِ الْإِمَامِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ نُزُولَ اللَّهِ بِالذَّاتِ وَهُوَ مَشْهُورٌ فِي مَذْهَبِهِ وَقَدْ كَتَبَهُ فِي فَتَاوٍ عَدِيدَةٍ، وَأَمْلَى فِيهِ إِمْلَاءً إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِسْنَادُ حَدِيثِ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ إِسْنَادٌ مَدْخُولٌ وَفِيهِ مَقَالٌ
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة ١/٤٤٤
الآثار في الإشارة الحسية عند الحديث عن الصفة
..............
[سنن الترمذي (5/ 371 ت شاكر)]
489 - سَمِعْتُ أَبِيَ رَحِمَهُ اللَّهُ، ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، بِحَدِيثِ سُفْيَانَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ عَلَى أُصْبُعٍ» قَالَ أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ: جَعَلَ يَحْيَى يُشِيرُ بِأَصَابِعِهِ وَأَرَانِي أَبِي كَيْفَ جَعَلَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ يَضَعُ أُصْبُعًا أُصْبُعًا حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهَا
[السنة لعبد الله بن أحمد (1/ 264)]
[سنن أبي داود (7/ 110 ت الأرنؤوط)]
(2788) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ )، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَمٍ « أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ كَيْفَ يَحْكِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَأْخُذُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ فَيَقُولُ: أَنَا اللهُ، وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا، أَنَا الْمَلِكُ، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .؟»
[مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص391)]
[الصفات للدارقطني ت الغنيمان (ص34)]
قال رسول الله ﷺ وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ، وَأَدَّيْتَ، وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: اللَّهُمَّ اشْهَدِ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
صحيح مسلم - ط التركية ٤/٣٨
هذا دليل على حقيقة العلو وأن ربنا عز وجل علوه حقيقي حسي في جهة يشار إليها
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَطْبَقِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ، ثنا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: أَتَخَافُ عَلَيْنَا وَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ؟ فَقَالَ: «إِنَّ الْقَلْبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ بِهِمَا هَكَذَا» وحَرَكَ أَبُو أَحْمَدَ إِصْبَعَهُ
الصفات للدارقطني ت الغنيمان ١/٣٣
وأبو أحمد: هو الإمام الثقة الثبت محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الزبيري الكوفي (ت ٢٠٣هـ). وهو راو الحديث عن سفيان الثوري. وفيه تحقيق الأصابع لله تعالى.
عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ (فيقول -أي العبد-: يا رب أدخلني الجنة، قال: فيقول ما يصريني منك أي عبدي، أيرضيك أن أعطيك من الجنة الدنيا ومثلها معها، قال: فيقول أتهزأ بي وأنت رب العزة، قال -الراوي-: فضحك عبد الله حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا تسألوني لم ضحكت؟ قالوا له: لم ضحكت؟ قال: لضحك رسول الله ﷺ، ثم قال لنا رسول الله ﷺ: ألا تسألوني لم ضحكت؟ قالوا: لم ضحكت يا رسول الله؟ قال: لضحك الرب حين قال أتهزأ بي وأنت رب العزة).
مسند أحمد - ط الرسالة ٦/٢٥٤
وفيه تحقيق الضحك لله تعالى.
حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّد بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَلَفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، قَالَ: " خَمَّرَ اللَّهُ طِينَةَ آدَمَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ جَمَعَهُ بِيَدِهِ، وَأَشَارَ حَمَّادٌ بِيَدِهِ، فَخَرَّ طَيِّبُهُ بِيَمِينِهِ وَخَبِيثُهُ بِشِمَالِهِ قَالَ: هَكَذَا، وَمَسَحَ حَمَّادٌ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى، وَكَذَلِكَ فَعَلَ الْحَجَّاجُ، قَالَ: فَمِنْ ثَمَّ خَرَجَ الطَّيِّبُ مِنَ الْخَبِيثِ، وَالْخَبِيثُ مِنَ الطَّيِّبِ
الإبانة الكبرى - ابن بطة ٤/١٦٩ — ابن بطة (ت ٣٨٧)
..................
كلام السلف في معاني الصفات بمقتضى اللغة أو بالاستدلال بالصفة على الصفة الأخرى
من ذلك استدلال الإمام أحمد رحمه الله بالمجيء على الرؤية وهذا فيه دلالة على أنه يثبت المجيء والإتيان على حقيقتهما
وقال أبو طالب: قال الإمام أحمد في: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]: فمن قال: إن اللَّه لا يرى فقد كفر.
«إبطال التأويلات» ١/ ١٣٢ (١٢٠ - ١٢١)
ومن ذلك استدلال إسحاق بن راهويه بالمجيء على النزول
قال أحْمد بن سَعِيد بن إِبْرَاهِيم أَبَو عبد الله الرباطي: حضرت مجْلِس الْأَمِير عبد الله بن طَاهِر ذَات يَوْم، وَحضر إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم يَعْنِي ابْن رَاهَوَيْه، فَسئلَ عَن حَدِيث النُّزُول أصحيح هُوَ؟ قَالَ: نعم. فَقَالَ: لَهُ بعض قواد عبد الله: يَا أَبَا يَعْقُوب أتزعم أَن الله تَعَالَى ينزل كل لَيْلَة؟ قَالَ: نعم. قَالَ: كَيفَ ينزل؟ فَقَالَ لَهُ إِسْحَاق: أثْبته فَوق حَتَّى أصف لَك النُّزُول. فَقَالَ الرجل: أثْبته فَوق. فَقَالَ إِسْحَاق: قَالَ الله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ فَقَالَ الْأَمِير عبد الله: يَا أَبَا يَعْقُوب هَذَا يَوْم الْقِيَامَة. فَقَالَ إِسْحَاق: أعز الله الْأَمِير، وَمن يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة، من يمنعهُ الْيَوْم؟
الحجة في بيان المحجة ٢/١٢٩
ومن ذلك الإستدلا بالأصابع على إثبات اليد
قال الميموني: قال الإمام أحمد: من زعم أن يداه: نعماه، كيف يصنع بقوله ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، مُشددة؟ ! قال الميموني: فقلت: وحين خلق آدم بقبضته -يعني: من جميع الأرض- والقلوب بين أصبعين.
«إبطال التأويلات» ١/ ١٦٩
[الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية لابن قتيبة (ص44)]
ومن تفسيره رحمه الله بالصفات على كلام العرب بلا حرج قوله في كتابه الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية
(الرد على متأولي الاستواء)
وقالوا في قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ أنه استولى وليس يعرف في اللغة استويت على الدار: أي استوليت عليها وإنما استوى في هذا المكان: استقر كما قال الله تعالى: ﴿فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك﴾ أي استقررت وقد يقول الرجل لصاحبه إذا رآه مستوفزًا (استو) يريد: استقر.
وأما قوله: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ فإنه أراد عمد لها وقصد فكل من كان في شيء ثم تركه لفراغ أو غير فراغ وعمد لغيره فقد استوى إليه.
فهذا مذهب القوم في تأويل الكتاب بآرائهم وعلى ما أصلوا من قولهم.
الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية لابن قتيبة ١/٥٠
ومن ذلك قوله في غريب القرآن
عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى. قال ابو عبيدة: علا. قال: وتقول استويت فوق الدابة، واستويت فوق البيت.
وقال غيره: استوى: استقر. واحتج بقول الله: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ [سورة المؤمنون]، أي استقررت في الفلك.
غريب القرآن لابن قتيبة ت سعيد اللحام ١/٢٣٥
قيل له: معنى ذلك ما دل عليه ظاهر الخبر، وليس عندنا للخبر إلا التسليم والإيمان به، فنقول: يجيء ربنا –جل جلاله- يوم القيامة والملك صفاً صفاً، ويهبط إلى السماء الدنيا وينزل إليها في كل ليلةٍ، ولا نقول: معنى ذلك ينزل أمره؛ بل نقول: أمره نازلٌ إليها كل لحظةٍ وساعةٍ وإلى غيرها من جميع خلقه الموجودين ما دامت موجودةً. ولا تخلو ساعةٌ من أمره فلا وجه لخصوص نزول أمره إليها وقتاً دون وقتٍ، ما دامت موجودةً باقيةً.
وكالذي قلنا في هذه المعاني من القول: الصواب من القيل في كل ما ورد به الخبر في صفات الله عز وجل وأسمائه تعالى ذكره بنحو ما ذكرناه»
ومن الأدلة على عدم تفريق السلف بين الصفات كما يفعل المفوضة المعطلة الذين يثبتون سبع صفات ثم يفوضون البقية خلاف فعل السلف قول إسحاق بن راهويه:
إِنَّمَا يَكُونُ التَّشْبِيهُ إِذَا قَالَ: يَدٌ كَيَدٍ، أَوْ مِثْلُ يَدٍ، أَوْ سَمْعٌ كَسَمْعٍ، أَوْ مِثْلُ سَمْعٍ، فَإِذَا قَالَ: سَمْعٌ كَسَمْعٍ، أَوْ مِثْلُ سَمْعٍ، فَهَذَا التَّشْبِيهُ، وَأَمَّا إِذَا قَالَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَدٌ، وَسَمْعٌ، وَبَصَرٌ، وَلَا يَقُولُ كَيْفَ، وَلَا يَقُولُ مِثْلُ سَمْعٍ، وَلَا كَسَمْعٍ، فَهَذَا لَا يَكُونُ تَشْبِيهًا، وَهُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] "
سنن الترمذي - ت شاكر ٣/٤١
فلم يفرق رحمه الله بين صفة السمع وصفة اليد خلافا لمن يثبت السمع ويسميه من صفات المعاني تارة والصفات العقلية تارة ثم يفوض اليد بزعم أنها من الصفات الخبرية وهذا تفريق لم يجئ عن السلف بل هو من بدع الجهمية المتأخرة
ومن فهم المعنى كذلك رواية بعد ألفاظ الصفات في السنة بألفاظ مترادفة دليلا على أن هذه الصفات هي كما تعرفها العرب في كلامها وورود هذه النترادفات في الكلام عن نفس الصفة في الأحاديث إما أن يكون النبي ﷺ هو من ذكر كلا اللفظين هكذا ومرة هكذا ففي هذا دليل على حقيقة الصفة وإما أن الرواة من الصحابة والتابعين هم من رووا الأحاديث بالمعاني فيكون في ذلك دلايلا على معرفتهم للمعنى
ومثال ذلك رواية حديث وضع القدم في النار مرة بلفظ القدم ومرة بلفظ الرجل
عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُلْقَى فِي النَّارِ ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ».
صحيح البخاري - ط السلطانية ٦/١٣٨
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ، قَالَ اللهُ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابٌ أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ: فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ
صحيح البخاري - ط السلطانية ٦/١٣٨
ومن ذلك رواية حديث تعلق الرحم بالرحمن مرة بلفظ الحقو ومرة بلفظ الحجيزة
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ لَهُ: مَهْ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَذَاكِ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾.
صحيح البخاري - ط السلطانية ٦/١٣٤
عن ابْنَ عَبَّاسٍ، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّ الرَّحِمَ شُجْنَةٌ آخِذَةٌ بِحُجْزَةِ الرَّحْمَنِ، يَصِلُ مَنْ وَصَلَهَا، وَيَقْطَعُ مَنْ قَطَعَهَا»
مسند أحمد - ط الرسالة ٥/١١٠
الرد على شبهات المفوضة
شبهة أن معرفة المعنى يلزم منه الإتيان بتعريف جامع مانع للصفة
من أكبر المهارب التي يلجأ إليها المفوض أو المعطل عندما تضيق به الحجة أن يأتيك إلى صفة من الصفات كاليد ويقول لك عرف لي اليد أو قل لي ما معنى اليد معولا على أن شرح مثل هذه المسألة يحتاج الحديث في مفهوم القدر المشترك أو الإشتراك المعنوي وهذا باب يطول فيه الكلام ويحتاج كثرة شرح مما يعطي المجادل فرصة للخروج عن موضوع الحوار فيقال لمن يطلب ذلك إن معاني الكلمات في المعاجم وكتب اللغة والغريب تشرح على ثلاث طرق
أولا القدوم برادف للكلمة في اللغة كأن يقال الاستواء هو الصعود والارتفاع والعلو أو الاستقرار مثلا فهذا باب في شرح الكلام واعتماده على وجود مرادفات للكلمة في اللغة لها نفس المعنى وبالبداهة يجب أن تكون تلك المرادفات مفهومة المعنى للمستمع وإلا فلم نحقق أي فائدة من شرح الكلمة وهذا ينبه على باب مهم في الشرح وهو أنه لا بد من وجود معان أولية حتى يستقيم بين الناس كلام ويفهم معنى
ثانيا الشرح بالضد وبضدها تعرف الأشياء كأن يقال مثلا العلم هو عكس الجهل والحيوان عكس الموتان بل قد يقول بعض أصحاب كتب المعاجم في معنى اليد أنها ضد القدم وهذا راجع للتعلق الذهني أن أطراف الإنسان هي يد وقدم فيكونان كالضدان بمعرفة أحدهما يستدل على الآخر
ثالثا الوصف فيقال في شرح الكلمة أو الشيء هو نبات ينمو في أرض كذا شكله كذا ويستعمل في كذا وغير ذلك وغالب من يطالب بشرح معنى الصفات يكون مراده هذا النوع ولا يقبل شرحا ولا معنى إلا من هذا الصنف ويزعم أن كل من لم يأت بمعنى كهذا فهو مفوض مثله ولا يعرف للصفة معنى
رابعا وبكل بساطة أن يقال في شرح الكلمة أن معناها معروف فتجد صاحب المعجم يقول مثلا في الشيء معروف ثم يتابع إلى غيره أو نظيره هذا عائد للمقدمة الأولى التي ذكرناها في شرح معاني الكلمات أنه لا بد من معارف أولية يتفق عليها الناس حتى يستقيم بينهم كلام وعلى قاعدة المعروف لا يعرق فمثلا نجد الخليل بن أحمد الفراهيدي يقول في كتابه العين ٨/١٠١ في تعريف اليد اليد معروفة المُصافَحةُ معروفة العين ٣/١٢٣ الجوانب معروفة الثلمة معروفة الاسطوانة معروفة وغير ذلك وهذه المعارف الأولية وإن كان بعضها نسبيا فلا بد من وجودها
فخلاصة الكلام أن طلب المفوض تعريفا للمعروف ليس إفحاما على الحقيقة بل هو فرار من الزحف وتولية للأدبار وهو كذلك على الحقية طلب لمعرفة حد الصفة وكيفيتها وليس لمعناها
ثم نفرق بين المعرفة بالمعنى المراد وبين القدرة على الإتيان بتعريف له والتعريف نفسه مصطلح اختلف الناس في ضبطه وفي طرقة الإتيان بتعريف للشيء وأفصل ما فيه أن يقال في التعريف أنه أن تأتي للشيء بصفات جامعة تشمل جميع أنواع جنسه وصفات مانعة تمنع غير جنس المعرف من الدخول فيه ومثال ذلك لو قلنا الماء فهو كلام يفهم كل الناس معناه والمراد به ولذلك على العادة عندما يذكره بعض أصحاب المعاجم فيقولون الماء أو المياه معروف أم لو أردنا تعريفا له فنقول مثلا أن الماء سائل وهذا وصف جامع فكل المياه سائلة لكن ليس مانعا فيدخل في هذا التعريف الزيت واللبن وغيرها فيلزمنا القدوم بصفات مانعة فنقول مثلا سائل شفاف في نقائه لا لون له ولا طعم يتجمد في حرارة ٠ مئوية ويتبخر في حرارة ١٠٠ يتكون من ذرتي هيدروجين و ذرة أوكسجين وهذا هو تعريف الماء والحمق كل الحمق في شخص يقول أن من لم يقدر أن يذكر هذا التعريف فهو لا يعرف معنى الماء
شبهة أن قول السلف أمروها كما جاءت هو في المعنى وليس الكيفية
ومما يحتج به المعطلة المفوضة كذلك أن صفات الله ليس لها معنى أو لا يعرف معناها
فيقولون أليس السلف قد قالوا أمروها كما جاءت فهذا دليل على أنه لا يتكلم في معناها وأن السلف كانوا يفوضون المعنى فنقول لهم بترتم وكذبتم أما بتركم فلأنكم لم تأتوا بكلام السلف كاملا فإنما قول السلف أمروها كما جاءت بلا كيف وليس بلا معنى
وهذه هي الروايات عن السلف من مصادرها
عند أبي داود
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ قُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أُرِيدُ أَسْأَلُكَ، قَالَ: لَا تَسْأَلْ، قُلْتُ: إِذَا لَمْ أَسْأَلُكَ فَمَنْ أَسْأَلُ، قَالَ: سَلْ قُلْتُ مَا تَقُولُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي رُوِيَتْ نَحْوَ: الْقُلُوبُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ، وَأَنَّ اللَّهَ يَضْحَكُ أَوَ يَعْجَبُ مِمَّنْ يَذْكُرُهُ فِي الْأَسْوَاقِ، فَقَالَ: «أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ»
المراسيل لأبي داود ١/١١٢
عند ابن أبي خيثمة
حَدَّثَنَا الهيثم بن خارجة، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيد بْن مسلم، قَالَ: سألت الأَوْزَاعِيّ، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وليث: عن هذه الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية؟ فقالوا: أمرُّوها كما جاءت لا كيف.
التاريخ الكبير لابن أبي خيثمة - السفر الثالث - ط الفاروق ٢/٣٤٥
عند ابن أبي حاتم
وقال الهَيْثَم بْن خَارِجة: سمعتُ الوليدَ ابنَ مُسْلِم يَقُولُ: سألتُ الأوزاعيَّ، وسُفْيانَ الثَّوريَّ، ومالكَ بنَ أَنَس، واللَّيثَ بنَ سعدٍ؛ عَنْ هذه الأحاديثِ التي فيها الصفةُ والرُّؤيةُ والقرآنُ؟ فَقَالَ: أَمِرُّوها كما جاءتْ بلا كَيْفٍ
العلل لابن أبي حاتم ت الحميد ٥/٤٦٨
عند اللالكائي
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، قَالَ: ثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ، قَالَ: ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، يَقُولُ: سَأَلْتُ الْأَوْزَاعِيَّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَمَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الرُّؤْيَةِ، فَقَالُوا: «أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفَ»
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/٥٨٢
وقد يشتبه على البعض أن هذا الأثر جاء بلفظ أمروها بلا تفسير ويكفي أن أقدم المصادر ذكرت الأثر بلا كيف لكن مع ذلك نزيدكم بأنه حتى بالتفسير فمراد السلف الكيفية والدليل ما قاله أبو عبيد القاسم بن سلام أنه لا تفسر الكيفية
روى الدارقطني في كتاب الصفات حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، ثنا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدٍ الْقَاسِمَ بْنَ سَلَّامٍ، وَذَكَرَ الْبَابَ الَّذِي، يَرْوِي فِيهِ الرُّؤْيَةَ وَالْكُرْسِيَّ وَمَوْضِعَ الْقَدَمَيْنِ، وَضَحِكِ رَبِّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ، وَأَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاءَ، وَأَنَّ جَهَنَّمَ لَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رَبُّكَ قَدَمَهُ فِيهَا فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وَأَشْبَاهَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، فَقَالَ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ صِحَاحٌ، حَمَلَهَا أَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وهِيَ عِنْدَنَا حَقٌّ لَا نَشُكُّ فِيهَا، وَلَكِنْ إِذَا قِيلَ كَيْفَ وَضَعَ قَدَمَهُ وَكَيْفَ ضَحِكَ؟ قُلْنَا لَا يُفَسَّرُ هَذَا وَلَا سَمِعْنَا أَحَدًا يُفَسِّرُهُ الصفات للدارقطني ت الغنيمان ١/٣٩ |
وكذلك ما جاء عن غيره من السلف من الحديث عن التفسير والمراد به الكيفية
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، ثنا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ، يَقُولُ: شَهِدْتُ زَكَرِيَّا بْنَ عَدِيٍّ يَسْأَلُ وَكِيعًا فَقَالَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ إِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ يَعْنِي مِثْلَ الْكُرْسِيِّ مَوْضِعِ الْقَدَمَيْنِ وَنَحْوَ هَذَا، فَقَالَ وَكِيعٌ: «أَدْرَكْنَا إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ، وَسُفْيَانَ، وَمَسْعُودًا يُحَدِّثُونَ بَهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَلَا يُفَسِّرُونَ شَيْئًا»
[الصفات للدارقطني ت الغنيمان (ص40)]
وكيع بنفسه وضح المراد أنه في الكيفية فقال:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ يَعْقُوبَ الْعَطَّارُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ الدَّوْرَقِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعًا، يَقُولُ: «نُسَلِّمُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ كَمَا جَاءَتْ، وَلَا نَقُولُ كَيْفَ هَذَا وَلِمَ جَاءَ هَذَا»
[الصفات للدارقطني ت الغنيمان (ص41)]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ سَعْدٍ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيُّ، ثنا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ، ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ الْأَوْزَاعِيَّ، وَمَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَاللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ عَنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي، فِيهَا الرُّؤْيَةُ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَقَالُوا: «أَمْضِهَا بِلَا كَيْفٍ»
[الصفات للدارقطني ت الغنيمان (ص44)]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، ثنا عِيسَى بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ، يَقُولُ: «كُلُّ شَيْءٍ وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ فِي الْقُرْآنِ فَقِرَاءَتُهُ تَفْسِيرُهُ لَا كَيْفَ وَلَا مِثْلَ»
[الصفات للدارقطني ت الغنيمان (ص41)]
وبهاذا أيضا يفسر بعض ما جاء عن أحمد أنه قال أمرو هذه الأحاديث بلا معنى ولا كيف أن المعنى المقصود هو تحريف نصوص الصفات عن ظاهرها والإتيان لها بمعاني محرفة كالقول اليد القوة ومعنى الوجه النعمة فيكون مراد السلف أمروها بلا معنى ولا تفسير أي لا تجعلوا معنى الشيء بغير ظاهره وكيف يكون مراد أحمد أن نصوص الصفات لا معنى لها وهو الذي يستدل بالمجيء على الروئة وهو الذي يقول من زعم أن يده قوته فكيف يصنع بقوله تعالى بيديَّ مشددة
وأما كذبكم في حملكم الأثر على المعنى دون الكيفية فمخالف لفعل السلف نفسهم الذين ذكروا هذا الأثر فقد ذكر الترمذي أن السلف و أهل العلم فسروا هذه الأحاديث تفسيرا خالفه الجهمية
قال الترمذي هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبَارَكِ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ: أَمِرُّوهَا بِلَا كَيْفٍ»، وَهَكَذَا قَوْلُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَأَمَّا الجَهْمِيَّةُ فَأَنْكَرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَقَالُوا: هَذَا تَشْبِيهٌ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابهِ اليَدَ وَالسَّمْعَ وَالبَصَرَ، فَتَأَوَّلَتِ الجَهْمِيَّةُ هَذِهِ الآيَاتِ فَفَسَّرُوهَا عَلَى غَيْرِ مَا فَسَّرَ أَهْلُ العِلْمِ، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ آدَمَ بِيَدِهِ، وَقَالُوا: إِنَّ مَعْنَى اليَدِ هَاهُنَا القُوَّةُ «، وقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ:» إِنَّمَا يَكُونُ التَّشْبِيهُ إِذَا قَالَ: يَدٌ كَيَدٍ، أَوْ مِثْلُ يَدٍ، أَوْ سَمْعٌ كَسَمْعٍ، أَوْ مِثْلُ سَمْعٍ، فَإِذَا قَالَ: سَمْعٌ كَسَمْعٍ، أَوْ مِثْلُ سَمْعٍ، فَهَذَا التَّشْبِيهُ، وَأَمَّا إِذَا قَالَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَدٌ، وَسَمْعٌ، وَبَصَرٌ، وَلَا يَقُولُ كَيْفَ، وَلَا يَقُولُ مِثْلُ سَمْعٍ، وَلَا كَسَمْعٍ، فَهَذَا لَا يَكُونُ تَشْبِيهًا، وَهُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] " سنن الترمذي - ت شاكر ٣/٤١ |
فبين الترمذي أن أهل العلم فسروا هذه الآيات والأحاديث وكذلك في قول إسحاق أن التشبيه أن تقول يد كيد دليل على حمل المعنى على الظاهر وإلى فلا يتوهم شبه في ما لا يثبت حقيقة معناه فلا يوجد من يخاف وقوع التشبيه بين شيئين مختلفين في المعنى فلا أحد يخاف أن يشبه يد الإنسان بسمع الله أو بصر الله عز وجل بوجه مخلوق بل التحذير من التشبيه يقع بين مشتركان في المعنى مختلفان في الكيفية
وكذلك مما يدل على بطلان احتجاج المفوضة بهذه الآثار أنها جائت كذلك في الرؤية فهل يفوضون معنى الرؤية ويقولون أن رؤية الله عز وجل في الآخرة لا يعرف معناها ولا المراد بها وقد اشتد نكير السلف وتكفيرهم على من أنكر الرؤية واحتجوا لإثباتها بالأحاديث الكثيرة المتواترة وصنفوا في ذلك الكتب وأوردوا الآثار واحتجوا بالكتاب والسنة على ذلك بل إن أحمد كان ينكر على من يستوحش من إثبات أن النبي ﷺ رأى ربه في الدنيا روى أبو يعلى قال وقيل لأحمد: إن رجلًا يقول: أنا أقول أن الله يُرى في الآخرة، ولا أقول إن محمدًا رأى ربه في الدنيا، فقال: هذا أهل أن يُجفى، ما اعتراضه في هذا الموضوع؟ يُسَلِّم الخبر كما جاء.
إبطال التأويلات - ط غراس ١/١٣٠
وختاما لهذا الباب كذلك نذكر قول الذهبي في شرح هذا الأثر في كتابه العلو قال
وكما قَالَ سُفْيَان وَغَيره قرَاءَتهَا تَفْسِيرهَا يَعْنِي أَنَّهَا بَيِّنَة وَاضِحَة فِي اللُّغَة لَا يبتغى بهَا مضائق التَّأْوِيل والتحريف وَهَذَا هُوَ مَذْهَب السّلف مَعَ اتِّفَاقهم أَيْضا أَنَّهَا لَا تشبه صِفَات الْبشر بِوَجْه إِذْ الْبَارِي لَا مثل لَهُ لَا فِي ذَاته وَلَا فِي صِفَاته العلو للعلي الغفار ١/٢٥١ |
وقد بينا في العناوين السابقة أن السلف كانوا يثبتون معاني الصفات سواء بالاستدلال للصفة بالصفة كاستلال أحمد بالمجيء على الرؤية وبالإشارة الحسية وبتفسير غريب نصوص الصفات من جهة اللغة مباشرة كتفسيرهم للحقو بمعقد الإزار والاستواء بالعلو أو الاستقرار وكفهمهم من خلق آدم بيد الله عز وجل أنه مس فقالوا مس الله من خلقه بيده أربع وكاختلافهم هل السموات والأرض كلاهما في يمين الرحمن أم الأرض بيمينه والسماء بيده الأخرى وفي ذلك دليل على فهم الصفات على ظاهرها وحقيقتها
شبهة أن مالك وأحمد قالوا لا يشار عند الحديث عن الصفات
ومما يحتج به بعض المفوضة على إبطال الإشارة الحسية في الدلالة على إثبات حقيقة الصفات الأثر الذي رواه اللالكائي عن أحمد بن حنبل
سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ الْحَسَنَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ جَابِرٍ، يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا نَصْرٍ أَحْمَدَ بْنَ يَعْقُوبَ بْنَ زَاذَانَ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، قَرَأَ عَلَيْهِ رَجُلٌ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ قَالَ: ثُمَّ أَوْمَأَ بِيَدِهِ، فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: قَطَعَهَا اللَّهُ قَطَعَهَا اللَّهُ قَطَعَهَا اللَّهُ ثُمَّ حَرَدَ وَقَامَ
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/٤٧٩
وهذا الأثر ليس متصل الإسناد بل هو منقطع يقول فيه أحمد بن يعقوب بن زاذان بلغني فهو لم يسمعه مسندا وكذلك لم يره بل وزد على ذلك أن أبا نصر أحمد بن يعقوب رجل مجهول ليس له ترجمة ولا يعرف حاله فلا تصح هذه الرواية عن أحمد وبل وقد جاء عن أحمد خلاف ذلك أيضا فقد روى أبو يعلى في إبطال التأويلات
قال أبو طالب: سُئِل أبو عبد اللَّه عن حديث الحبر: يضع السماوات على إصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على إصبع يقول: إلا أشار بيده هكذا، أي: يشير، فقال أبو عبد اللَّه: رأيت يحيى يحدث بهذا الحديث ويضع إصبعا إصبعا، ووضع أبو عبد اللَّه الإبهام على إصبعه الرابعة من أسفل إلى فوق على رأس كل إصبع.
«إبطال التأويلات» ٢/ ٣٢٢
وهذا محمول عَلَى أَنَّهُ قصد التشبيه، والموضع الَّذِي أجازه إِذَا لَمْ يقصد ذلك،
إبطال التأويلات - ط إيلاف ٢/٣٢٣
وكذلك من الأدلة أن الإمام أحمد لا ينكر على من يشير ما رواه في المسند
«قال عبد الله بن أحمد حدثني أبي رحمه الله: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُثَنَّى مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} [الأعراف: 143] قَالَ: " قَالَ: هَكَذَا، يَعْنِي أَنَّهُ أَخْرَجَ طَرَفَ الْخِنْصَرِ " قَالَ: أَبِي: " أَرَانَاهُ مُعَاذٌ " قَالَ: فَقَالَ لَهُ حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ: مَا تُرِيدُ إِلَى هَذَا يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: فَضَرَبَ صَدْرَهُ ضَرْبَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَا حُمَيْدُ؟ وَمَا أَنْتَ يَا حُمَيْدُ، يُحَدِّثُنِي بِهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَقُولُ أَنْتَ مَا تُرِيدُ إِلَيْهِ»
[مسند أحمد (19/ 281 ط الرسالة)
والرواية الثانية هي التي نقلها ابن عبد البر عن الإمام مالك قال
رَوَى حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَهْبٍ يَقُولُ سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ مَنْ وَصَفَ شَيْئًا مِنْ ذَاتِ اللَّهِ مِثْلَ قَوْلِهِ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عُنُقِهِ وَمِثْلَ قَوْلِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فَأَشَارَ إِلَى عَيْنَيْهِ أَوْ أُذُنِهِ أَوْ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ قُطِعَ ذَلِكَ مِنْهُ لِأَنَّهُ شَبَّهَ اللَّهَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ قَالَ مَالِكٌ أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الْبَرَاءِ حِينَ حَدَّثَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لا يضحى بأربع من الضحايا وأشر الْبَرَاءُ بِيَدِهِ كَمَا أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ قَالَ الْبَرَاءُ وَيَدِي أَقْصَرُ مِنْ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَرِهَ الْبَرَاءُ أَنْ يَصِفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِجْلَالًا لَهُ وَهُوَ مَخْلُوقٌ فَكَيْفَ الْخَالِقُ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
التمهيد - ابن عبد البر - ط المغربية ٧/١٤٥
وهذه الرواية كذلك لا يعلم إسنادها بين ابن عبد البر وحرملة بن يحيى وبين وفاة الأول وولادة الثاني ١٢٥ سنة ثم هذه الروايات الواردة عن هؤلاء الأئمة مخالفة لما جاء عن النبي ﷺ ومن سبقهم من الأئمة فلا يتصور منهم خلافهم
غير أنا نقول أنه لا شك أن من تكلم عن صفات الله وصار يشير بما ليس له داع أو إشارات فيها عدم تعظيم لشأن الله عز وجل أو يشير ومراده التشبيه فإن هذا حرام لا يجوز ولا يقبل أما ما جاء عن السلف من الإشارة للدالة على حقيقة الصفة وأنها ليست على المجاز فليس فيه تشبيه ولله الحمد