لا شك أن هذا سؤال سخيف واستشكال على مسألة بديهية ما أحوجنا للكلام فيه إلا إحجام كثير من بني الزمان عن التصريح بحكم الله في هذه الفرقة المعاندة لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ إما جهلاً وإما جبناً ولئن كان تجهم الأشعرية الأوائل أمرا قد يحتمل الخفاء واللبس على غير البصير بحقيقة قولهم فحال متأخريهم من الغوص في التجهم بات أوضح من الشمس في رابعة النهار وما نرى حمل كثيرا من العلماء على هذا من عدم التصريح بتجهم الأشعرية أو التصريح بذلك من بعضهم لكن عده من المجاز والتشبيه لا الحقيقة إلا أن الأشعرية فيها بعض الأعيان الذين عظمهم الناس حتى صارت الفرقة كلها ترحم بشفاعتهم
وقبل البدء بالتحرير وبيان التشابه فلنأت إلى من هم الجهمية عند السلف ومن الذي استحق الوصف بذلك وهل فعلا كما يدعي البعض أن الجهمي لا يصير جهميا إلا إن كان على قول الجهمية الغلاة الذين يسمونهم بالجهمية المحضة الذين ينكرون جميع الأسماء والصفات وينكرون عذاب القبر ويقولون بفناء الجنة والنار ثم يقولون إن الإيمان هو مجرد التصديق فهل لا يكون الجهمي جهميا إلا لو تلبس بكل هذا
اعلم رحمك الله أن السلف كانوا يكتفون بمن وافق الجهمية على أصل واحد من أصولهم في وصفه بالجهمي
وهذا تعاملهم مع جميع أهل البدع فمن وافق الخوارج في أصل من أصولهم الذي فارقوا به أهل السنة جعلوه خارجيا وإن لم يوافق جميع مقالات الخوارج ومن وافق المرجئة في أحد أصولهم كان مرجئا ومن وافق القدرية كان منهم وهلم جرا
لذلك ستجد في كثير من روايات السلف من قال كذا من أقوال الجهمية فهو جهمي على أن أعظم مسألة جرى الاختلاف فيها بين أهل السنة والجهمية كانت مسألة القرآن كلام الله غير مخلوق
روى البخاري في خلق أفعال العباد قال: وَقِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ:» أَدْرَكْتَ النَّاسَ، فَهَلْ سَمِعْتَ أَحَدًا يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؟ فَقَالَ: الشَّيْطَانُ يُكَلِّمُ بِهَذَا، مَنْ يُكَلِّمُ بِهَذَا فَهُوَ جَهْمِيٌّ، وَالْجَهْمِيُّ كَافِرٌ
وهذه المسألة وهي مسألة القرآن من أعظم المسائل التي تبين بها الجهمية وعامة آثار السلف في التشنيع على الجهمية وتكفيرهم إنما كانت في هذه المسألة التي حمل لواءها المعتزلة لهذا كان أحمد بن حنبل يقول عن قاضي المحنة الجهمي ابن أبي دؤاد:
فأما ابن أبي دؤاد، فكان فدما لا يحسن يحتج ولا يهتدي إلى شيء، إنما كان يعتمد على أولئك البصريين المعتزلة، برغوث وأصحابه.
وابن أبي دؤاد إنما كان معتزليا لا جهميا محضا على مصطلح الناس اليوم ومن هذا نعرف أن السلف إنما كانوا يطلقون اسم الجهمية على المعتزلة لقولهم بخلق القرآن وإنكار الرؤية فلذلك تجد ابن تيمية وهذا كلام دقيق منه لما قسم الجهمية لثلاث درجات في التسعينية
جعل المعتزلة من الدرجة الثانية فقال:
وَالدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: مِنْ التَّجَهُّمِ هُوَ تَجَهُّمُ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ، الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنْ يَنْفُونَ صِفَاتِهِ، وَهُمْ أَيْضًا لَا يُقِرُّونَ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، بَلْ يَجْعَلُونَ كَثِيرًا مِنْهَا عَلَى الْمَجَازِ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ الْجَهْمِيَّةُ الْمَشْهُورُونَ.
فبين أن الجهمية المشهورين في كلام السلف هم المعتزلة وليس غلاة الجهمية وقال كذلك بعدما ذكر أن من قول الجهمية أن القرآن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وإنشاؤه:
فَهَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ غَالِيَةِ الْجَهْمِيَّةِ. وَأَمَّا الْجَهْمِيَّةُ الْمَشْهُورُونَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ، فَقَالُوا: إنَّهُ يَخْلُقُ كَلَامًا فِي غَيْرِهِ إمَّا فِي الْهَوَاء وَإِمَّا بَيْنَ وَرَقِ الشَّجَرَةِ الَّتِي كَلَّمَ مِنْهَا مُوسَى، وَإِمَّا غَيْرَ ذَلِكَ فَذَلِكَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ عِنْدَهُمْ، فَإِذَا قَالُوا: إنَّ اللَّهَ مُتَكَلِّمٌ حَقِيقَةً، وَإِنَّ لَهُ كَلَامًا حَقِيقَةً، فَهَذَا مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ وَهُوَ تَبْدِيلٌ لِلْحَقِيقَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا عِبَادَهُ، وَاللُّغَةُ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْهَا بَنُو آدَمَ، وَالْكُتُبُ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَمَّا كَانَ مِنْ الْمَعْلُومِ بِالْفِطْرَةِ الضَّرُورِيَّةِ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْهَا بَنُو آدَمَ إلَّا مَنْ اجْتَالَتْ الشَّيَاطِينُ فِطْرَتَهُ،
وكل من له أدنى قراءة لكلام السلف وكتبهم يرى ذلك جليا أن السلف إنما كانوا يريدون بالجهمية في غالب آثارهم من قال بخلق القرآن من المعتزلة ونحوهم إلا بعضا من الآثار التي كانت تخص جهما بالذكر أو بعض المقالات التي تفرد بها مع حفنة من أتباعه فيتبين لك بذلك رعاك الله سخف عقل من قال أن السلف أجمعوا على تكفير الجهمية لكن اختلفوا في تكفير المعتزلة وستعلم أن قائل هذا القول هو أحد أمرين إما:
١- شخص يريد بالسلف كل من سبقه حتى ممن جاء بعد القرون الفاضلة والطبقات التي عاصرت فتنة القول بخلق القرآن من المنتسبين للعلم فأدخل فيهم جماعات من الأشعرية الذين لا يكفرون المعتزلة وعدهم من السلف ومن علماء الأمة فخرج بعدها وقال أن السلف اجمعوا على تكفير الجهمية واختلفوا في المعتزلة كأنهما شيئان منفصلان
٢- جاهل لا علم له ولا استقراء لا لقول متأخرين ولا متقدمين إنما فتح الكتب ورقية كانت أم رقمية ثم صار يبحث في كلام السلف عن كلمة المعتزلة كفار فلما لم يجدها ظن أنهم لم يكفروهم بغير اعتبار منه للمقالات التي قالوا بها وما حكم السلف عليهم
فما سبق كله يبين خطأ إن لم نقل تلبيس من جعل المعترة فرقة غير الجهمية بل المعتزلة كما بينا والأشعرية كما سنبين وغلاة الجهمية أمثال جهم وجعد ومن تبعهم كما هو متفق عليه فهؤلاء جميعا ليسوا فرقا مختلفة بل فروع لفرقة واحدة ودركات في تجهمهم يختلفون في مقدار التجهم ومقدار التلبيس في قولهم الذي يغرون به الناس ليوهموهم أنهم ليسوا واحدا مع تلك الفرقة
ومن الأدلة كذلك ما نجده في كلام السلف من قولهم قدري جهمي
من ذلك ما جاء في كتاب الحيدة والاعتذار لعبد العزيز بن يحيى الكناني
«وكان خلف ظهري وأنا في مجلس أمير المؤمنين المأمون أناظر بشرا المريسي على ما سأذكره في هذا الكتاب رجل ممن يعرف بالكلام والنظر، فجعل كلما سكت بشر وانقطع يحرضه على الكلام، وإذا أردت أنا أن أتكلم لا يزال يهذي خلفي ويقرب رأسه من أذني ليسمعني ويدهشني ويقطعني بذلك عن حجتي، فشكوت إلى أمير المؤمنين ذلك فصاح به وباعده عني، فلما قلت لبشر: ما من شيء كان أو هو كائن مما يحتاج الناس إلى معرفته وعلمه إلا وقد ذكره الله عز وجل في كتابه عقله من عقله، وجهله من جهله»، فإذا ذلك الرجل يضرب يده على فخذه ويقول: «يا سبحان الله تزعم أن كل ما هو كائن مما يحتاج إليه قد ذكره الله ما أعظم هذا وكيف يعلم ما هو كائن فيذكره»؟
قال عبد العزيز: "فالتفت إليه فقلت له أنت جهمي قدري أيضا وأنت تهذي دائما، ثم أقبلت على المأمون فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك إن هذا الذي شكوت إليك أذاه منذ اليوم. هو جهمي قدري قد جمع الأمرين من جهتين، ينكر أن يكون الله يعلم ما يكون قبل أن يكون»
ومن ذلك قول أحمد في إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي كان رافضيا وكان قدريا وكان جهميا كل بلاء فيه
وكل من عرف الجهمية الأوائل وكلام كبيرهم الجهم يعلم أن الجهم إنما كان جبريا لا يثبت للمخلوق فعلا ومشيئة على الحقيقة والقدرية لا يثبتون قدرا لله وأنه يخلق فعل عبده بل أفعال العباد مخلوقة لهم وهذان قولان هما ضدان مثل قولهم في الإيمان فجهم مرجئ غال في الإرجاء والإيمان عنه مجرد التصديق بينما المعتزلة وعيدية يكفرون بالكبائر ويقولون على صاحب الكبيرة أنه خالد في النار
أما وقد بينا أن إطلاق الجهمية ليس مختصا بالجهم وغلاة صحابه وأن هذه التسمية تلحق كل من خاض في صفات الله بالتأويل الباطل بدعوى امتناع الجسمية وقيام الحوادث وما أحوجنا إلى الكلام في هذا الأمر البين إلا ما نراه كثيرا ممن نكلمه في حال بعض المنتسبين إلى الأشعرية فتجده في أول الحوار يدافع عن هذا المعين فقط ويحاول نفي نسبته للأشعرية ثم تجده في وسط الحوار يصير يدافع عن فرقة الأشعرية كلها وأنهم متأولون وأرادوا التنزيه ثم ما ينتهي الحوار وإلا وقد صار الخصم يدافع عن القائلين بخلق القرآن ويقول لك أن السلف إنما أرادوا تكفير الجهمية المحضة وأن من كفروه ممن قال بخلق القرآن فهو لأنه تبين من حالهم أنهم كذلك وأن القائل بخلق القرآن لا يكفر إلا إذا التزم القول بأن العلم مخلوق أو أسماءه مخلوقة وغير وأن تكفير الجهمية إنما يراد به الجهمية المحضة لا مجرد من قال بخلق القرآن.
فتعلم حينها أن الخلاف ليس في النووي فقط بل وراء الأكمة ما وراءها والنقاش في بعض الأعيان إنما هو ترس لتمييع محض وأنك تكلم ناس الكفر أهون عندهم من التكفير وحسبنا الله ونعم الوكيل
ثم قبل أن نبدأ في الكلام عن الأشعرية فسأذكر نصوصا عن السلف في مقالات كانوا يجهمون الشخص بمجرد ثبوتها عنه
قال أبو داود: سمعت إسحاق بن إبراهيم بن راهويه يقول: من قال: لا أقول: القرآن مخلوق، ولا غير مخلوق؛ فهو جهمي.
قال عبد الله بن أحمد: سئل أبي ﵀ وأنا أسمع عن اللفظية والواقفة، فقال: من كان منهم يحسن الكلام فهو جهمي، وقال مرة: هم شر من الجهمية، وقال مرة أخرى هم جهمية
قال ابن هانئ: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: من لم يؤمن بالرؤية فهو جهمي، والجهمي كافر.
قال الأثرم: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: من قال: إن اللَّه لا يُرى في الآخرة. فهو جهمي، قال: وإنما تكلم من تكلم في رؤية الدنيا.
قال شَاذَّ بْنَ يَحْيَى، قَالَ سَمِعْتُ رَجُلًا، قَالَ لِيَزِيدَ بْنَ هَارُونَ: يَا أَبَا خَالِدٍ، مَا تَقُولُ فِي الْجَهْمِيَّةِ؟ قَالَ: يُسْتَتَابُونَ، فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: يَا أَبَا خَالِدٍ، وَأَيُّ شَيْءٍ الْجَهْمِيَّةٌ؟ فَطَرَقَ يَزِيدُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ «مَنْ تَوَهَّمَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] خِلَافَ مَا فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَهُوَ جَهْمِيٌّ».
وَقِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ:» أَدْرَكْتَ النَّاسَ، فَهَلْ سَمِعْتَ أَحَدًا يَقُولُ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ؟ فَقَالَ: الشَّيْطَانُ يُكَلِّمُ بِهَذَا، مَنْ يُكَلِّمُ بِهَذَا فَهُوَ جَهْمِيٌّ، وَالْجَهْمِيُّ كَافِرٌ
قَالَ وَكِيعٌ: «مَنْ كَذَّبَ بِحَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الرُّؤْيَةِ فَهُوَ جَهْمِيٌّ فَاحْذَرُوهُ»
قال حرب الكرماني ومن زعم أن المعرفة تنفع في القلب وإن لم يتكلم بها فهو جهمي
وقال سئِلَ إسحاق عن الرجل قال أنا ممن كتب الله الإيمان في قلبي؟ قال: إذا قال لا أحتاج إلى النطق فهو جهمي أراه قال: وإن قال: أحتاج إلى النطق بلا عمل فهو مرجئ.
وقال ابن هانئ في مسائله أنه رأى أحمد ورجل يسأله عن أمور من عقيدة المسلمين وساق منها كلمات حتى قال
والقرآن كلام الله غير مخلوق؟ ومن قال: إنه مخلوق فهو كافر؟
فقال: نعم.
قال: وإن الله، عز وجل، يرى في الآخرة؟
قال: نعم.
[قال] : وعذاب القبر ومنكر ونكير؟
قال أبو عبد الله: نؤمن بهذا كله، ومن أنكر واحدة من هذه فهو جهمي
قلت وانظر هنا قول الإمام أحمد من أنكر واحدة منها فهو جهمي ففيه الكفاية وسبحان الله من قوم كذبوا وقالوا بل من اجتمعت فيه كل هذه لا يكون جهميا محضا حتى يجمع مع ذلك إنكار أسماء الله وعلمه والقول بفناء الجنة والنار
وللاستزادة في هذا راجعوا صوتية الشيخ أبي جعفر هل تكفير السلف مختص بالجهمية المحضة
والآن نأتي للأشعرية
واعلم رحمك الله أن الأشعرية هي أشعريات على الحقيقة فهم مختلفون جدا في مسائل عدة وهذا الخلاف هو ما حملهم في الأزمنة المتأخرة على التساهل في نسبة الناس إليهم فقد علموا لو تمسكوا بكل خلاف لصاروا فرقا كل فرقة لن تجد فيها ما يزيد عن عشر أشخاص لذلك جمعوا التأويل والتفويض معا وجعلوهما قولان معتبران عند الأشعرية رغم أن الأشعرية أوائل المفوضة كانت ترد على أوائل المؤلة و كذا العكس ثم جمعوا إليهم الماتوريدية وقال الخلاف بيننا لفظي علما أن أجدادهم كانوا يتذمرون من تكفير الماتريدية لهم ثم صاروا ينتحلون علماء نص هؤلاء العلماء على تبديعهم وتكفيرهم بالاسم كأمثال ابن عبد البر وابن حزم كل ذلك محاولة منهم الاستكثار بأسماء المشاهير ليغطوا عقدة النقص التي خلفها عليهم افتقارهم لأدلة النصوص وكلام الصحابة بل النصوص وكلام السلف ترد عليهم جهارا
وبكل فهذه الفرق على دركاتها فمرجع أمرهم إلى فرقتين اثنين
١- متقدموهم وهم كلابية وهؤلاء أحسنهم حالا ومختصر مذهب الكلابية في الصفات أنهم يثبتون لله العلو والصفات الخبرية من يد ووجه ونحوه ولا يستلزم إثباتها عندهم تجسيما فيما يظهر من قولهم وإن كنت لا تزال تطلع على خائنة منهم فتجد مثلا البيهقي منهم يظهر إثبات العلو في بعض ظاهر كلامه ثم تتفاجئ به يقول في بعض أحاديث النبي ﷺ أنها دليل على نفي المكان عن الله ﷻ فيقول في تأويل قول النبي ﷺ أنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء:
وَالَّذِي رُوِيَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى نَفْيِ الْمَكَانِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ الْعَبْدَ أَيْنَمَا كَانَ فَهُوَ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ، وَأَنَّهُ الظَّاهِرُ، فَيَصِحُّ إِدْرَاكُهُ بِالْأَدِلَّةِ؛ الْبَاطِنُ، فَلَا يَصِحُّ إِدْرَاكُهُ بِالْكَوْنِ فِي مَكَانٍ. وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي نَفْيِ الْمَكَانِ عَنْهُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ " وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَوْقَهُ شَيْءٌ وَلَا دُونَهُ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ فِي مَكَانٍ.
ولا ينفع أن يعتذر له بذاك العذر السخيف أن المكان لفظ مجمل لا يثبت ولا ينفى إلا بعد التفصيل فالرجل هنا لم ينفي مجرد لفظ بل نفى معنا بالكامل وزعم أن الله ليس تحته شيء أي لا العرش ولا حملته ولا باقي الخلق
ومثل البيهقي نجد الخطابي كذلك يزعم إثبات العلو لله عز وجل ثم تجده يقول في شرح حديث المعراج:
إنّما سردنا هذه القصة بطولها، ولم نختصر موضع الحاجة منها لبَشَاعَة ماوَقع فيها من الكلام الذي لا يَلِيقُ بصِفَة الله تعالى، ولا يَنبغي لِمُسلم أن يعتقدَه على ظاهِره، وهو قولُه: «وَدَنَا الجَبَّار ربُّ العِزّة فتدلَّى حتى كان قَابَ قَوسَين أو أدنى»، وذلك أنّ هذا يُوجب تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر، وتمييز مكان كل واحد منهما،
فلا أدري أي علو يثبته مثل هذا وهو لا يجوز عنده أن يكون ثم مسافة بين الله وبين خلقه فلا عنده الذي في السماء السابعة أقرب إلى الله من الذي في السماء الخامسة ولا محمد ﷺ اقترب من ربه يوم عرج به إليه وقد قال الله عز وجل عن نبيه موسى ﷺ ﴿وَقَرَّبۡنَـٰهُ نَجِیࣰّا﴾ [مريم ٥٢] وقال عن نبيه عيسى ﷺ ﴿إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ یَـٰعِیسَىٰۤ إِنِّی مُتَوَفِّیكَ وَرَافِعُكَ إِلَیَّ﴾ [آل عمران ٥٥] وقال عبد الله بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «مَا بَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالَّتِي تَلِيهَا مَسِيرَةُ خَمْسمِائَة عام وَبَيْنَ كُلِّ سَمَائَيْن مَسِيرَة خَمْسمِائَة عَامٍ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَبَيْنَ الكُرْسِيِّ خَمْسمِائَة عَامٍ، وَالعَرْشُ عَلَى المَاءِ، وَالله فَوْقَ العَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ
وقال ابْنِ المُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: «رَأْسُ المَنَارَةِ أَقْرَبُ إِلَى الله مِنْ أَسْفَلِهِ» وقد روى أهل السنة في كتبهم بغير نكير أن أقرب الملائكة إلى الله جبريل وميكائيل وإسرافيل فما ينكر هذا الرجل من أن يكون ثم مسافة بين الله عز وجل وبين خلقه
فعلى كل كما قلنا ظاهر هؤلاء القوم أنهم لا ينكرون الصفات الخبرية لكنهم بذريعة الحوادث ينكرون ويحرفون الصفات الفعلية ولهذا عظم الخلاف بينهم وبين الحنابلة في مسألة كلام الله عز وجل وهل هو بحرف وصوت وشنع عليهم السجزي وقال أنهم لا يثبتون نزولا ولا كلاما وسنبين إن شاء الله مزيدا من حال هذه الفرقة فيما سيأتي
٢- متأخروهم وهؤلاء أقرب للجهمية من سابقيهم وأشد في إنكار الصفات فهم مصرحون بإنكار علو الله عز وجل على خلقه ويتأولون النصوص تارة بأن المراد بها الملائكة وتارة بأن المقصود بها علو المكانة لا المكان وغير ذلك من التأويلات ولا يثبتون لله وجها ولا يدا ولا أصابع ولا عينا وهذا كله عندهم تجسيم ويتأولون النصوص في هذه الصفات بما يضحك الثكلى أو يقولون نفوض معناها مع اعتقاد أن الظاهر غير مراد وكذلك الرؤية عندهم ليست في جهة ولا عن مقابلة ولا لله صورة أصلا
وكلا فريقي الأشعرية هؤلاء جبرية في القدر مرجئة في الإيمان مع بدع أخرى في النبوات ومصادر التلقي وغير ذلك
وقبل أن نأتي بالدليل القاطع على أن الأشعرية هؤلاء متقدمهم ومتأخرهم جهمية عند السلف فلنعد لكلام ابن تيمية الذي بدأنا ذكرناه أول المقال فقد ذكرنا قوله أن المعتزلة الذين هم الجهمية المشهورون في كلام السلف كانوا الدرجة الثانية من التجهم فما هي الدرجة الرابعة من التجهم عند ابن تيمية؟
يقول ابن تيمية في التسعينية: وَأَمَّا الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ: فَهُمْ الصِّفَاتِيَّةُ الْمُثْبِتُونَ الْمُخَالِفُونَ لِلْجَهْمِيَّةِ، لَكِنْ فِيهِمْ نَوْعٌ مِنْ التَّجَهُّمِ، كَاَلَّذِينَ يُقِرُّونَ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنْ يَرُدُّونَ طَائِفَةً مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ الْخَبَرِيَّةِ، أَوْ غَيْرِ الْخَبَرِيَّةِ، وَيَتَأَوَّلُونَهَا كَمَا تَأَوَّلَ الْأَوَّلُونَ صِفَاتِهِ كُلَّهَا، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُقِرُّ بِصِفَاتِهِ الْخَبَرِيَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ دُونَ الْحَدِيثِ، كَمَا عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقِرُّ بِالصِّفَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الْأَخْبَارِ أَيْضًا فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنْ مَعَ نَفْيٍ وَتَعْطِيلٍ لِبَعْضِ مَا ثَبَتَ بِالنُّصُوصِ وَبِالْمَعْقُولِ، وَذَلِكَ كَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ كِلَابٍ وَمَنْ اتَّبَعَهُ.
وَفِي هَذَا الْقِسْمِ يَدْخُلُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَطَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْكَلَامِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ، وَهَؤُلَاءِ إلَى أَهْلِ السُّنَّةِ الْمَحْضَةِ أَقْرَبُ مِنْهُمْ إلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْخَوَارِجِ وَالْقَدَرِيَّةِ، لَكِنْ انْتَسَبَ إلَيْهِمْ طَائِفَةٌ هُمْ إلَى الْجَهْمِيَّةِ أَقْرَبُ مِنْهُمْ إلَى أَهْلِ السُّنَّةِ الْمَحْضَةِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُنَازِعُونَ الْمُعْتَزِلَةَ نِزَاعًا عَظِيمًا فِيمَا يُثْبِتُونَهُ مِنْ الصِّفَاتِ أَعْظَمَ مِنْ مُنَازَعَتِهِمْ لِسَائِرِ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ فِيمَا يَنْفُونَهُ.
وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ فَإِنَّهُمْ وَالَوْا الْمُعْتَزِلَةَ وَقَارَبُوهُمْ أَكْثَرَ وَقَدَّمُوهُمْ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْإِثْبَاتِ، وَخَالَفُوا أَوَّلِيهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَقَارَبُ نَفْيُهُ وَإِثْبَاتُهُ وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَقُولُونَ إنَّ هَؤُلَاءِ يَتَنَاقَضُونَ فِيمَا يَجْمَعُونَهُ مِنْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ.
فكما يتبين لنا هنا فابن تيمية جعل ابن كلاب والأشعري وبعض مفوضة الحنابلة من الدرجة الثالثة من درجات الجهمية وجعلهم أقرب لأهل السنة من الجهمية والمعتزلة لكنه حكم على متأخريهم بأنهم أقرب للمعتزلة وأشد تجهما من سابقيهم والكلام عنا إنما هو عن مسألة الصفات أما القدر والإيمان فقد صرح ابن تيمية أن الأشعري كان في ذلك على مذهب جهم فيقول:
فَأَمَّا ابْنُ كِلَابٍ فَقَوْلُهُ مَشُوبٌ بِقَوْلِ الْجَهْمِيَّة وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَقَوْلِ الْجَهْمِيَّة وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ فِي الصِّفَاتِ. وَأَمَّا فِي الْقَدَرِ وَالْإِيمَانِ فَقَوْلُهُ قَوْلُ جَهْمٍ
وهذا ليس كذبا من ابن تيمية ولا افتراء ولا هو تفرد من أبي الحسن الأشعري لم يتابعه عليه أتباعه بل تجد من كبار أتباعه الباقلاني يصرح أن الإيمان عنه هو التصديق فقط
فيقول في كتابه التمهيد يقول: فَإِن قَالَ قَائِل خبرونا مَا الْإِيمَان عنْدكُمْ
قُلْنَا الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق بِاللَّه تَعَالَى وَهُوَ الْعلم والتصديق يُوجد بِالْقَلْبِ
فَإِن قَالَ وَمَا الدَّلِيل على مَا قُلْتُمْ
قيل لَهُ إِجْمَاع أهل اللُّغَة قاطبة على أَن الْإِيمَان فِي اللُّغَة قبل نزُول الْقُرْآن وبعثة النَّبِي ﷺ هُوَ التَّصْدِيق لَا يعْرفُونَ فِي لغتهم إِيمَانًا غير ذَلِك
وَيدل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا وَلَو كُنَّا صَادِقين﴾ أَي مَا أَنْت بمصدق لنا
وَمِنْه قَوْلهم فلَان يُؤمن بالشفاعة وَفُلَان لَا يُؤمن بِعَذَاب الْقَبْر أَي لَا يصدق بذلك
فَوَجَبَ أَن
يكون الْإِيمَان فِي الشَّرِيعَة هُوَ الْإِيمَان الْمَعْرُوف فِي اللُّغَة لِأَن الله عز وجل مَا غير لِسَان الْعَرَب وَلَا قلبه
وَلَو فعل ذَلِك لتواترت الْأَخْبَار بِفِعْلِهِ وتوفرت دواعي الْأمة على نَقله ولغلب إِظْهَاره وإشهاره على طيه وكتمانه
وَفِي علمنَا بِأَنَّهُ لم يفعل ذَلِك بل أقرّ أَسمَاء الْأَشْيَاء والتخاطب بأسره على مَا كَانَ فِيهَا دَلِيل على أَن الْإِيمَان فِي الشَّرْع هُوَ الْإِيمَان اللّغَوِيّ
وَمِمَّا يدل على ذَلِك ويبنيه قَول الله تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾
فخبر أَنه أنزل الْقُرْآن بلغَة الْقَوْم وسمى الْأَشْيَاء بتسمياتهم
فَلَا وَجه للعدول بِهَذِهِ الْآيَات عَن ظواهرها بِغَيْر حجَّة وسيما مَعَ قَوْلهم بِالْعُمُومِ وَحُصُول التَّوْقِيف على أَن الْخطاب نزل بلغتهم
فَدلَّ مَا قُلْنَاهُ على أَن الْإِيمَان هُوَ مَا وصفناه دون مَا سواهُ من سَائِر الطَّاعَات من النَّوَافِل والمفروضات
ولذلك لم يغفل ابن تيمية عن ذكر الباقلاني مع شيخه الأشعري في أنهم من الذين نصروا قول جهم في الإيمان فقال في مجموع الفتاوى
وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَانِي نَصَرَ قَوْلَ جَهْمٍ فِي «مَسْأَلَةِ الْإِيمَانِ» مُتَابَعَةً لِأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ.
وكلام ابن تيمية في تحرير حال الأشاعرة وبيان مذاهبهم كلام طويل لكن دعنا نعود لكلام السلف ومن تقسيم ابن تيمية الجهمية لثلاث درجات إلى تقسيم أحمد لهم ثلاث فرق كما حكى ابنه صالح فقال سَمِعت أبي يَقُول افْتَرَقت الْجَهْمِية على ثَلَاثَة فرق فرقة قَالُوا الْقُرْآن مَخْلُوق
وَفرْقَة قَالُوا كَلَام الله وتسكت وَفرْقَة قَالُوا لفظنا بالقرآن مَخْلُوق
قَالَ الله عز وجل فِي كِتَابه ﴿فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ فجبريل سَمعه من الله وسَمعه النَّبِي ﷺ من جِبْرِيل عليه السلام وسَمعه أَصْحَاب النَّبِي ﷺ من النَّبِي فالقرآن كَلَام الله غير مَخْلُوق
قَالَ صَالح قلت لأبي وَلَا يكلم من وقف
قَالَ لَا يكلم
قلت قَالَ كَلمه رجل قَالَ يَأْمُرهُ فإن ترك كَلَامه كَلمه وإن لم يتْرك كَلَامه فَلَا تكَلمه
والقول باللفظ هو قول الأشعرية جميعا وهو قول ابن كلاب والأشعري لكن ابن كلاب سماه حكاية والأشعري سماه عبارة بل أن كلام ابن كلاب والأشعري كما نص ابن تيمية شر من قول الجهمية الذين كانوا زمن السلف مثل الكرابيسي وداود بن علي فإن أولئك لم نجد في كلامهم أنهم ينفون أن الله يتكلم بحرف وصوت أو يقوم به فعل أما الكلابية والأشعرية فيصرحون بانكار الحرف والصوت والفعل الاختياري ويقولون كلام الله كلام نفسي ليس بعربي بل بلغت الوقاحة بابن الباقلاني أن يجحد أن الذي بأيدينا هو كلام رب العالمين ويقول أنه كلام جبريل على الحقيقة فيقول في الانصاف والنازل على الحقيقة المنتقل من قطر إلى قطر،قول جبريل عليه السلام يدل على هذا قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}،وهذا إخبار من الله تعالى بأن النظم العربي الذي هو قراءة كلام الله تعالى: قول جبريل، لا قول شاعر، ولا قول كاهن
ويشرح ذلك ابن تيمية في التسعينية فيقول في تحرير كلام هؤلاء القوم:
فإن ابن كلاب قال: الحروف حكاية عن كلام الله وليست من كلام الله، لأنَّ الكلام لا بد أن يقوم بالمتكلم، والله يمتنع أن يقوم به حروف وأصوات، فوافق الجهمية و المعتزلة في هذا النفي، فجاء الأشعري بعده -وهو موافق لابن كلاب- على عامة أصوله فقال: الحكاية تقتضي أن تكون مثل المحكي، وليست الحروف مثل المعنى، بل هي عبارة عن المعنى ودلالة عليه، وهم وأتباعهم يقولون: إن تسمية ذلك كلامًا لله مجازًا لا حقيقة، ويطلقون القول الحقيقي بأنَّ أحدًا من المسلمين لم يسمع كلام الله
قلت الذي في كتاب المقالات للأشعري أنه ذكر عن ابن كلاب أن يقول القرآن عبارة كذلك
وقبل ابن تيمية يقول عبيد الله السجزي في رسالته لأهل زبيد:
وقال أبو محمّد بن كلاب ومن وافقه، والأشعري وغيرهم: «القرآن غير مخلوق، ومن قال بخلقه كافر إلا أن الله لا يتكلم بالعربية، ولا بغيرها من اللغات ولا يدخل كلامه النظم، والتأليف، والتعاقب، ولا يكون حرفًا ولا صوتًا فقد بان بما قالوه أن القرآن الذي نفوا الخلق عنه ليس بعربي، وليس له أوّل ولا آخر ومنكر القرآن العربي وأنه كلام الله كافر بإجماع الفقهاء ومثبت قرآن لا أوّل له ولا آخر كافر بإجماعهم، ومدعي قرآن لا لغة فيه جاهل غبي عند العرب،
بل وقال ابن تيمية في بيان أن قول الأشعرية والكلابية شر من قول اللفظية الأوائل
«وَلَمْ تَكُنْ " اللَّفْظِيَّةُ الخلقية " يُنْكِرُونَ كَوْنَ الْقُرْآنِ كَلَامَ اللَّهِ حُرُوفَهُ وَمَعَانِيَهُ وَأَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ؛ بَلْ قَدْ يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ كُلُّهُ كَلَامُ اللَّهِ حُرُوفُهُ وَمَعَانِيهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَد وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْأَئِمَّةِ وَكَمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ؛ وَلَكِنْ يَقُولُونَ الْمُنَزَّلُ إلَى الْأَرْضِ مِنْ الْحُرُوفِ وَالْمَعَانِي لَيْسَ هُوَ نَفْسَ كَلَامِ اللَّهِ الَّذِي لَيْسَ بِمَخْلُوقِ؛ بَلْ رُبَّمَا سَمَّوْهَا حِكَايَةً عَنْ كَلَامِ اللَّهِ كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ كُلَّابٍ أَوْ عِبَارَةً عَنْ كَلَامِ اللَّهِ كَمَا يَقُولُهُ الْأَشْعَرِيُّ وَرُبَّمَا سَمَّوْهَا كَلَامَ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى مَفْهُومٌ عِنْدِهِمْ وَلَكِنْ لَمَّا حَدَّثَ أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ كُلَّابٍ وَنَاظَرَ الْمُعْتَزِلَةَ بِطَرِيقِ قِيَاسِيَّةٍ سَلَّمَ لَهُمْ فِيهَا أُصُولًا - هُمْ وَاضِعُوهَا: مِنْ امْتِنَاعِ تَكَلُّمِهِ تَعَالَى بِالْحُرُوفِ وَامْتِنَاعِ قِيَامِ " الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ " بِذَاتِهِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ الْأَفْعَالِ وَالْكَلَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُ مِنْ الْحَوَادِثِ وَمَا لَمْ يَخْلُ مِنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ - اضْطَرَّهُ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ كَلَامُ اللَّهِ إلَّا مُجَرَّدُ الْمَعْنَى وَإِنَّ الْحُرُوفَ لَيْسَتْ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ»
وهذا القول هو الذي أجمع السلف على تجهيم من قال به كما نقل ذلك اسماعيل التيمي الأصبهاني عن أبي حاتم الرازي بسند صحيح أنه قال: من كَلَام جهم بن صَفْوَان، وحسين الْكَرَابِيسِي، وَدَاوُد بْن عَليّ أَن لَفظهمْ الْقُرْآن مَخْلُوق، وَأَن الْقُرْآن الْمنزل على نَبينَا ﷺ َ - مِمَّا جَاءَ بِهِ جِبْرِيل الْأمين حِكَايَة الْقُرْآن فجهمهم أَبُو عبد الله أَحْمَد بن مُحَمَّد بْن حَنْبَل، وَتَابعه عَلَى تجهيمهم عُلَمَاء الْأَمْصَار طرا أَجْمَعُونَ، لَا خلاف بَين أهل الْأَثر فِي ذَلِكَ.
ولقد ذكر لنا قوام السنة رحمة الله عليه طرفا من هؤلاء العلماء فقال في الحجة في بيان المحجة: وَأول من قَالَ بِاللَّفْظِ، وَقَالَ ألفاظنا بِالْقُرْآنِ مخلوقة، حُسَيْن الْكَرَابِيسِي فبدعه أَحْمَد بْن حَنْبَل، وَوَافَقَهُ على تبديعه عُلَمَاء الْأَمْصَار: إِسْحَاق ابْن رَاهَوَيْه، وَأَبُو مُصعب، وَمُحَمّد بن سُلَيْمَان بن لوين، وَأَبُو عبيد الْقَاسِم ابْن سَلام، وَمصْعَب بْن عَبْد اللَّهِ الزبيرِي، وَهَارُون بْن مُوسَى الْفَروِي وَأَبُو مُوسَى مُحَمَّد بْن الْمثنى، وَدَاوُد بْن رشيد، والْحَارث بْن مِسْكين الْمصْرِيّ، وَأحمد بْن صَالح الْمصْرِيّ، ومُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن أَبِي عمر الْعَدنِي، وَيَعْقُوب وَأحمد ابْنا إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي وَأَبُو همام الْوَلِيد ابْن شُجَاع، وَعلي بْن خشرم، ومُحَمَّد بْن قدامَة المصِّيصِي، وَمُحَمّد بن دَاوُد ابْن صبيح المصِّيصِي، وَكَانَ من أهل الْعلم وَالْأَدب، ومُحَمَّد بْن آدم المصِّيصِي، وَسَعِيد بْن رَحْمَة، وَعقبَة بن مكرم، وَالْعَبَّاس ابْن عبد الْعَظِيم، ومُحَمَّد بْن أسلم الطوسي، وَحميد بن زَنْجوَيْه النسوي، وَمُحَمّد بْن سهل بْن عَسْكَر البُخَارِيّ، وَأحمد بْن منيع، وَهَارُون بْن عَبْد اللَّهِ الْحمال، وَابْنه مُوسَى بْن هَارُون، ومُحَمَّد بْن يَحْيَى الذهلي النَّيْسَابُورِي، ومُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن حَفْص أَبُو عَبْد اللَّهِ البُخَارِيّ فَقِيه أهل خُرَاسَان، وَأَبُو بكر الْأَثْرَم، وَأَبُو بكر الْمَرْوذِيّ صاحبا أَحْمَد بْن حَنْبَل، وَأَبُو زرْعَة، وَأَبُو حَاتِم، وَالْحسن بْن مُحَمَّد الزَّعْفَرَانِي، وَحرب بْن إِسماعيل السيرجاني، ومُحَمَّد ابْن إِسْحَاق بْن خُزَيْمَة النَّيْسَابُورِي.
وَمن أهل أَصْبَهَان: أَبُو مَسْعُود الرَّازِيّ، ومُحَمَّد بْن عِيسَى الطرسوسي وَأحمد بْن مهْدي، وإِسماعيل بْن أسيد، ومُحَمَّد بْن الْعَبَّاس بْن خَالِد، ومُحَمَّد بْن الْعَبَّاس بْن أَيُّوب الأخرم، ومُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن مندة، جد أَبِي عَبْد اللَّهِ، وَأَبُو أَحْمَد الْعَسَّال، وَأَبُو عَليّ أَحْمَد بْن عُثْمَان الْأَبْهَرِيّ، وَأَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن مندة، فمذهبهم وَمذهب أهل السّنة جَمِيعًا أَن الْقُرْآن كَلَام اللَّه آيَة آيَة، وَكلمَة كلمة، وحرفا حرفا فِي جَمِيع أَحْوَاله، حَيْثُ قرئَ وَكتب وَسمع.
ويقول ابن بطة شارحا مذهب اللفظية
وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّ صِنْفًا مِنَ الْجَهْمِيَّةِ اعْتَقَدُوا بِمَكْرِ قُلُوبِهِمْ، وَخُبْثِ آرَائِهِمْ، وَقَبِيحِ أَهْوَائِهِمْ، أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، فَكَنَّوْا عَنْ ذَلِكَ بِبِدْعَةٍ اخْتَرَعُوهَا، تَمْوِيهًا وَبَهْرَجَةً عَلَى الْعَامَّةِ، لِيَخْفَى كُفْرُهُمْ، وَيُسْتَغْمَضَ إِلْحَادُهُمْ عَلَى مَنْ قَلَّ عِلْمُهُ، وَضَعُفَتْ نَحِيزَتُهُ، فَقَالُوا: إِنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ وَقَالَهُ، فَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَهَذَا الَّذِي نَتْلُوهُ وَنَقْرَؤهُ بِأَلْسِنَتِنَا، وَنَكْتُبُهُ فِي مَصَاحِفِنَا لَيْسَ هُوَ الْقُرْآنُ الَّذِي هُوَ كَلَامُ اللَّهِ، هَذَا حِكَايَةٌ لِذَلِكَ، فَمَا نَقْرَؤُهُ نَحْنُ حِكَايَةٌ لِذَلِكَ
واعلم أن كلام ابن بطة وقوام السنة ليس إطلاقا بغير تعيين ولا تأصيلا بغير تطبيق بل هم نصوا على ابن كلاب باسمه وذكروه وحذروا منه فيقول ابن بطة في الإبانة الصغرى بعد ذكر فرق البدعة وتسميتها وأقوالها:
ومن خبثائهم ومن يظهر في كلامه الذب عن السنة والنصرة لها وقوله أخبث القول
ابن كلاب وحسين النجار وأبو بكر الأصم وابن علية
أعاذنا الله وإياك من مقالتهم وعافانا وإياك من شرور مذاهبهم وأحيانا وإياك على الإسلام والسنة
وقال قوام السنة في الحجة في بيان المحجة يبين أن ابن كلاب إنما كان امتدادا للمعتزلة وإنما يقول بكلامهم لكن يتستر:
ظَهرت الْمُعْتَزلَة فقدحت فِي كتاب الله، وَقَالَت: بِخلق الْقُرْآن، وقدحت فِي أَحَادِيث رَسُول الله ﷺ َ -، وَقَالَت: لَا تصح، وَسموا أَصْحَاب الحَدِيث حشوية، وَقَالُوا: الْخَبَر يدْخلهُ الصدْق وَالْكذب وكل مَا تردد بَين الصدْق وَالْكذب فَهُوَ شكّ، وتأولت أَسمَاء الله تَعَالَى وَصِفَاته، وَقَالَت: إِن الله لَا يَشَاء الْمعاصِي وَلَا يقدرها عَلَى العَبْد، ونفت حَدِيث النُّزُول، وَحَدِيث الْقدَم، والأصبع أَرَادوا نقض أصُول الدّين فَلَمَّا لم يتم لَهُم مَا قصدوه تَبِعَهُمْ الْكلابِي فَوضع كلَاما ظَاهره مُوَافق، وباطنه موبق، وَقَالَ: لَا أَقُول الْقُرْآن مَخْلُوق، وَلَكِن أَقُول إِن الَّذِي فِي مَصَاحِفنَا لَيْسَ كَلَام الله، وَلكنه عبارَة عَن كَلَامه، وَكَلَامه قديم قَائِم بِذَاتِهِ، وَلَا أنفي الاسْتوَاء، وَلَكِن لَا أَقُول: اسْتَوَى بِذَاتِهِ وَلَا أنفي الْيَد، وَالْوَجْه، وَلَكِن أتأولها، فتأولهما تَأْوِيلا ذهب عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة والتابعون.
ثم يأتي اللالكائي رحمة الله على الجميع فيخبرنا بكفر القائل بهذه البدعة الشنيعة في كتابه شرح السنة فيقول: سِيَاقُ مَا دَلَّ مِنَ الْآيَاتِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَحَدَّى بِهِ، وَأَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ الْقُرْآنُ عَلَى الْحَقِيقَةِ. مَتْلُوٌّ فِي الْمَحَارِيبِ، مَكْتُوبٌ فِي الْمَصَاحِفِ، مَحْفُوظٌ فِي صُدُورِ الرِّجَالِ، لَيْسَ بِحِكَايَةٍ وَلَا عِبَارَةٍ عَنْ قُرْآنٍ، وَهُوَ قُرْآنٌ وَاحِدٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَغَيْرُ مَجْعُولٍ وَمَرْبُوبٍ، بَلْ هُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، لَمْ يَزَلْ بِهِ مُتَكَلِّمًا، وَمَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا فَهُوَ كَافِرٌ ضَالٌّ مُضِلٌّ مُبْتَدِعٌ مُخَالِفٌ لِمَذَاهِبِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
ولهذا فابن القيم رحمه الله رأى أن الأشعرية هم إخوة المعتزلة في قولهم في كلام الله لذلك تجده يقول في الصواعق المرسلة كما نقله صاحب مختصر الصواعق: وَبَعْضُ المُتَأَخِّرِينَ صَرَّحَ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ تِلْكَ الْمَعَانِيَ فِي قَلْبِ الرَّسُولِ، وَخَلَقَ الْعِبَارَةَ الدَّالَّةَ عَلَيْهَا فِي لِسَانِهِ، فَعَادَ الْقُرْآنُ إِلَى عِبَارَةٍ مَخْلُوقَةٍ دَالَّةٍ عَلَى مَعْنًى مَخْلُوقٍ فِي قَلْبِ الرَّسُولِ.
وَيَعْجَبُ هَذَا الْقَائِلُ مِنْ نَصْبِ الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَالَ: مَا نُثْبِتُهُ نَحْنُ مِنَ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ، وَالْمُعْتَزِلَةُ لَا تُنَازِعُنَا فِي ذَلِكَ، غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّا نَحْنُ نُسَمِّيهِ كَلَامًا وَهُمْ يُسَمُّونَهُ عِلْمًا وَإِرَادَةً، وَأَمَّا هَذَا النَّظْمُ الْعَرَبِيُّ الَّذِي هُوَ حُرُوفٌ وَكَلِمَاتٌ، وَسُوَرٌ وَآيَاتٌ، فَنَحْنُ وَهَمَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، لَكِنْ هُمْ يُسَمُّونَهُ قُرْآنًا، وَنَحْنُ نَقُولُ هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْقُرْآنِ أَوْ حِكَايَةٌ عَنْهُ.
فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْأُخُوَّةَ الَّتِي بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلَى تَكْفِيرِهِمْ
وهذا التصريح من ابن القيم ليس بافتراء بل تجد الأشاعرة مصرحين بذلك على الحقيقة
فمثلا تجد الجويني يقول في الارشاد: «فإنّ معنى قولهم [أي المعتزلة]: هذه العبارات كلام الله: أنها خَلْقُه، ونحن لا نمنع أنها خلق الله، ولكن نمتنع من تسمية خالق الكلام متكلمًا به، فقد أطبقنا على المعنى وتنازعنا بعد الاتفاق في تسميته»
ويقول الآمدي في غاية المرام: «فإنّا [أي: الأشاعرة والمعتزلة] مجمعون على أنّ القرآن الحقيقي ليس بمعجزة الرسول، وإنما الاختلاف في أمر وراءه، وهو أن ذلك القرآن الحقيقي ماذا هو؟
فنحن نقول: إنه المعنى القائم بالنفس ... على أن لا تنازع في أن ما جاء به الرسول من الحروف المنتظمة والأصوات المقطعة معجزة له، وأنه يسمى قرآنا وكلامًا، وأن ذلك ليس بقديم، وإنما النزاع في مدلول تلك العبارات هل هو صفة قديمة أزلية أم لا»
وأمثال هذا من الاعترافات كثيرة جدا يبين أن الأشاعرة هم معتزلة جهمية والخلاف بينهم وبين المعتزلة في القرآن مجرد خلاف لفظي لا يكاد يذكر وأن المعتزلة جهمية أجمع السلف على كفرهم ولم يختلفوا كما يدعي بعض الجهال
ثم نحب أن نذكر مثالا يوضح طريق تعامل السلف مع من يتلبس بهذه الطريقة وكيف أنهم كانوا يجهمونه حتى لو لم يقل بخلق القرآن أو إنكار العلو بل حتى لو كان ممن يكفر القائلين بخلق القرآن وهو الحارث المحاسبي والحارث المحاسبي بلغ به تكفيره لمن قال بخلق القرآن أن كفر أباه لأنه كان واقفيا فقد روى ابن الصلاح في كتاب طبقات الفقهاء الشافعية
قَالَ الْجُنَيْد: مَاتَ أَبُو حَارِث المحاسبي يَوْم مَاتَ، وَإِن الْحَارِث لمحتاج إِلَى دانق فضَّة، وَخلف مَالا كثيرا، وَمَا أَخذ مِنْهُ حَبَّة وَاحِدَة، وَقَالَ: «أهل ملتين لَا يتوارثان»، وَكَانَ أَبوهُ واقفيًا.
وذكر أيضا بعدها
وَقَالَ الْخَطِيب بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي عَليّ ابْن خيران الْفَقِيه قَالَ: رَأَيْت أَبَا عبد الله الْحَارِث بن أَسد بِبَاب الطاق فِي وسط الطَّرِيق مُتَعَلقا بِأَبِيهِ، وَالنَّاس قد اجْتَمعُوا عَلَيْهِ، يَقُول: طلق أُمِّي، فَإنَّك على دين، وَهِي على دين غَيره.
ومع ذلك فإن أحمد بن حنبل قد جهمه لسلوكه طريقة ابن كلاب في أفعال الله يقول ابن تيمية في كتاب النبوات
وكان ابن خزيمة وغيره على القول المعروف للمسلمين وأهل السنّة: أنّ الله يتكلّم بمشيئته وقدرته، وكان قد بلغه عن الإمام أحمد أنّه كان يذمّ الكلابيّة، وأنّه أمر بهجر الحارث المحاسبي لما بلغه أنه على قول ابن كلاب. وكان يقول: حذروا عن حارث الفقير؛ فإنّه جهميّ. واشتهر هذا عن أحمد
وهذا كله في قول الأشعرية الأوائل ثم أما المتأخرون فقد تابعوهم على هذه الضلالة وجمعوا إليها إنكار العلو والصفات الخبرية وكثير من الصفات التي أنكروها يكفي إنكار الواحدة منها في الحكم على شخص بأنه من الجهمية فكيف وقد أنكروها جميعا وحسبك بإنكار العلو من طامة وقد قال يزيد بن هارون: «مَنْ زعم: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] خِلَافَ مَا فِي يقر قُلُوبِ الْعِامة فَهُوَ جَهْمِيٌّ».
وسئل الإمام أحمد عمن قال أن الله ليس على العرش فقال: كلامهم كله يدور على الكفر
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: «الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ نَزَلَ بِهِ جَبْرَائِيلُ، مَا يُجَادِلُونَ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ»
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ: «الْجَهْمِيَّةُ أَشَرُّ قَوْلًا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، قَدِ اجْتَمَعَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَأَهْلُ الْأَدْيَانِ أَنَّ اللَّهَ ﵎ عَلَى الْعَرْشِ، وَقَالُوا هُمْ: لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ شَيْءٌ»
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: «لَا نَقُولُ كَمَا قَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ إِنَّهُ فِي الْأَرْضِ هَهُنَا، بَلْ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى»، وَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ تَعْرِفُ رَبَّنَا؟ قَالَ: «فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ»
وقال علي بن عاصم: «وَأَنَا كَلَّمْتُ أُسْتَاذَهُمْ جَهْمًا فَلَمْ يُثْبِتْ لِي أَنَّ فِي السَّمَاءِ إِلَهًا»
ومثل هذا من الآثار كثير فاعلم رحمك الله أنه ليس يجادل في أن هؤلاء القوم جهمية إلا أحمق جاهل أو منافق مكابر يريد أن يجادل عنهم بهوى ولا يرجو الله ولا اليوم الآخر وعند الله تجتمع الخصوم فاتق الله يا عبد الله ولا تكن للخائنين خصيما
وحسبنا فيكم قول الله عز وجل ﴿هَـٰۤأَنتُمۡ هَـٰۤؤُلَاۤءِ جَـٰدَلۡتُمۡ عَنۡهُمۡ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا فَمَن یُجَـٰدِلُ ٱللَّهَ عَنۡهُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ أَم مَّن یَكُونُ عَلَیۡهِمۡ وَكِیلࣰا﴾ [النساء ١٠٩]
