ذكر الروايات التي وردت في أن من الصحابة من استحل الخمر وبيان حالها
عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَ أَبُوهُ شَهِدَ بَدْرًا إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، اسْتَعْمَلَ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ عَلَى الْبَحْرَيْنِ وَهُوَ خَالُ حَفْصَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَدِمَ الْجَارُودُ سَيِّدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى عُمَرَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ قُدَامَةَ شَرِبَ فَسَكِرَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ حَدًّا مِنْ حِدُودِ اللَّهِ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَرْفَعَهُ إِلَيْكَ فَقَالَ عُمَرُ: «مَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ» قَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ: فَدَعَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ: بِمَ أَشْهَدُ؟ قَالَ: لَمْ أَرَهُ يَشْرَبُ وَلَكِنِّي رَأَيْتُهُ سَكْرَانَ فَقَالَ عُمَرُ: " لَقَدْ تَنَطَّعْتَ فِي الشَّهَادَةِ قَالَ: ثُمَّ كَتَبَ إِلَى قُدَامَةَ أَنْ يَقْدِمَ إِلَيْهِ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فَقَالَ الْجَارُودُ لِعُمَرَ: أَقِمْ عَلَى هَذَا كِتَابَ اللَّهِ فَقَالَ عُمَرُ: «أَخَصْمٌ أَنْتَ أَمْ شَهِيدٌ» قَالَ: بَلْ شَهِيدٌ قَالَ: «فَقَدْ أَدَّيْتَ شَهَادَتَكَ» قَالَ: فَقَدْ صَمَتَ الْجَارُودُ حَتَّى غَدَا عَلَى عُمَرَ فَقَالَ: أَقِمْ عَلَى هَذَا حَدَّ اللَّهِ فَقَالَ عُمَرُ: «مَا أَرَاكَ إِلَّا خَصْمًا، وَمَا شَهِدَ مَعَكَ إِلَّا رَجُلٌ» فَقَالَ الْجَارُودُ: إِنِّي أُنْشِدُكَ اللَّهَ، فَقَالَ عُمَرُ: «لَتُمْسِكَنَّ لِسَانَكَ أَوْ لَأسُوءَنَّكَ» فَقَالَ الْجَارُودُ: أَمَّا وَاللَّهِ مَا ذَاكَ بِالْحَقِّ أَنْ شَرِبَ ابْنُ عَمِّكَ وَتَسُوءُنِي، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنْ كُنْتَ تَشُكَّ فِي شَهَادَتِنَا فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنَةِ الْوَلِيدِ فَسَلْهَا، وَهِيَ امْرَأَةُ قُدَامَةَ فَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى هِنْدَ ابْنَةِ الْوَلِيدِ يَنْشُدُهَا فَأَقَامَتِ الشَّهَادَةَ عَلَى زَوْجِهَا فَقَالَ عُمَرُ لِقُدَامَةَ: «إِنِّي حَادُّكَ» فَقَالَ: لَوْ شَرِبْتَ كَمَا يَقُولُونَ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تَجْلُدُونِي، فَقَالَ عُمَرُ: «لِمَ؟» قَالَ قُدَامَةُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الْآيَةُ فَقَالَ عُمَرُ: «أَخْطَأْتَ التَّأْوِيلَ إِنَّكَ إِذَا اتَّقَيْتَ اجْتَنَبْتَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ» قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «مَاذَا تَرَوْنَ فِي جَلْدِ قُدَامَةَ» قَالُوا: لَا نَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ مَا كَانَ مَرِيضًا، فَسَكَتَ عَنْ ذَلِكَ أَيَّامًا وَأَصْبَحَ يَوْمًا وَقَدْ عَزَمَ عَلَى جَلْدِهِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «مَاذَا تَرَوْنَ فِي جَلْدِ قُدَامَةَ» قَالُوا: لَا نَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ مَا كَانَ ضَعِيفًا فَقَالَ عُمَرُ: «لَأَنْ يَلْقَى اللَّهَ تَحْتَ السِّيَاطِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ، وَهُوَ فِي عُنُقِي ائْتُونِي بِسَوْطٍ تَامٍّ» فَأَمَرَ بِقُدَامَةَ فَجُلِدَ فَغَاضَبَ عُمَرُ قُدَامَةَ وَهَجَرَهُ فَحَجَّ وَقُدَامَةُ مَعَهُ مُغَاضِبًا لَهُ، فَلَمَّا قَفَلَا مِنْ حَجِّهِمَا، وَنَزَلَ عُمَرُ بِالسُّقْيَا نَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ قَالَ: «عَجِّلُوا عَلَيَّ بِقُدَامَةَ فَائْتُونِي بِهِ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى آتٍ أَتَانِي» فَقَالَ: سَالِمْ قُدَامَةَ فَإِنَّهُ أَخُوكَ فَعَجِّلُوا إِلَيَّ بِهِ فَلَمَّا أَتَوْهُ أَبَى أَنْ يَأْتِيَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ إِنْ أَبَى إِنْ يَجُرُّوهُ إِلَيْهِ فَكَلَّمَهُ عُمَرُ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ صُلْحِهِمَا
المصنف - عبد الرزاق - ت الأعظمي ٩/٢٤٠ وهذا إسناد صحيح وهو أصح خبر في الباب
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أُخْبِرْتُ إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بِالشَّامِ وَجَدَ أَبَا جَنْدَلَ بْنَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرِو وَضِرَارَ بْنَ الْخَطَّابِ الْمُحَارِبِيَّ، وَأَبَا الْأَزْوَرِ وَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ شَرِبُوا، فَقَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩٣] الْآيَةَ فَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى عُمَرَ إِنَّ أَبَا جَنْدَلٍ خَصَمَنِي بِهَذِهِ الْآيَةِ فَكَتَبَ عُمَرُ: إِنَّ الَّذِي زَيَّنَ لِأَبِي جَنْدَلٍ الْخَطِيئَةَ زَيَّنَ لَهُ الْخُصُومَةَ فَاحْدُدْهُمْ فَقَالَ: أَبُو الْأَزْوَرِ أَتَحُدُّونَا فَقَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ: «نَعَمْ» قَالَ: فَدَعُونَا نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا فَإِنْ قُتِلْنَا فَذَاكَ، وَإِنْ رَجَعْنَا إِلَيْكُمْ فَحُدُّونَا قَالَ: فَلَقِي أَبُو جَنْدَلٍ وَضِرَارٌ وَأَبُو الْأَزْوَرِ الْعَدُوَّ فَاسْتُشْهِدَ أَبُو الْأَزْوَرِ وَحُدَّ الْآخَرَانِ قَالَ: فَقَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: هَلَكْتُ فَكَتَبَ بِذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى عُمَرَ فَكَتَبَ إِلَى أَبِي جَنْدَلٍ وَتَرَكَ أَبَا عُبَيْدَةَ، «إِنَّ الَّذِي زَيَّنَ لَكَ الْخَطِيئَةَ حَظَرَ عَلَيْكَ التَّوْبَةَ ﴿حم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر: ٢]» الْآيَةَ
المصنف - عبد الرزاق - ت الأعظمي ٩/٢٤٤ وهذا خبر ضعيف ابن جريج لم يدرك عمر وأبا عبيدة وهو مدلس ومراسيله واهية جدا
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ فُلَيْحِ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ الدِّيلِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ، شَرِبَ الْخَمْرَ بِالْبَحْرَيْنِ فَشَهِدَ عَلَيْهِ ثُمَّ سُئِلَ فَأَقَرَّ أَنَّهُ شَرِبَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: لَأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ، فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩٣]، وَأَنَا مِنْهُمْ أَيْ مِنَ الْمُهَاجِرِينِ الْأَوَّلِينَ، وَمِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَأَهْلِ أُحُدٍ، فَقَالَ: لِلْقَوْمِ أَجِيبُوا الرَّجُلَ فَسَكَتُوا، فَقَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَجِبْهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنْزَلَهَا عُذْرًا لِمَنْ شَرِبَهَا مِنَ الْمَاضِينَ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ وَأَنْزَلَ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ [المائدة: ٩٠] مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، حُجَّةٌ عَلَى الْبَاقِينَ ثُمَّ سَأَلَ مَنْ عِنْدَهُ عَنِ الْحَدِّ فِيهَا، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إِنَّهُ إِذَا شَرِبَ هَذِيَ، وَإِذَا هَذِيَ افْتَرَى فَاجْلِدُوهُ ثَمَانِينَ
السنن الكبرى - النسائي - ط الرسالة ٥/١٣٨ وهذه الرواية ضعيفة كذلك لأجل يحيى بن فليح بن سليمان مجهول لا يعرف والرواية رواها الحاكم في المستدرك وقال الذهبي في تعليقه عليه صحيح لكن تصحيح الذهبي كان لأصل القصة وليس للرواية بذاتها بدليل أنه لما روى هذه الرواية في كتابه المهذب في اختصار السنن الكبير قال لا اعرف ابن فليح
قال الطبري كَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ يقول: حَدَّثَنَا شعيب، عن سيف، عن الربيع وأبي المجالد وأبي عثمان وأبي حارثة، قالوا: وكتب أبو عبيدة إلى عمر: إن نفرا من المسلمين أصابوا الشراب، منهم ضرار، وأبو جندل، فسألناهم فتأولوا، وقالوا: خيرنا فاخترنا، قال: «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» ! ولم يعزم علينا.
فكتب إليه عمر: فذلك بيننا وبينهم، «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ»، يعني فانتهوا وجمع الناس، فاجتمعوا على أن يضربوا فيها ثمانين جلده، ويضمنوا الفسق من تأول عليها بمثل هذا، فإن أبى قتل.
فكتب عمر إلى أبي عبيدة أن ادعهم، فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم، وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين فبعث إليهم فسألهم على رءوس الناس، فقالوا: حرام، فجلدهم ثمانين ثمانين، وحد القوم، وندموا على لجاجتهم،
وكَتَبَ إِلَيَّ السَّرِيُّ، عَنْ شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ كِتَابُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي ضِرَارٍ وَأَبِي جَنْدَلٍ، كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فِي ذَلِكَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ فَيَسْأَلَهُمْ: أَحَرَامٌ الْخَمْرُ أَمْ حَلالٌ؟ فَإِنْ قَالُوا: حرام، فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً، وَاسْتَتِبْهُمْ، وَإِنْ قَالُوا: حَلالٌ، فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ فَدَعَا بِهِمْ فَسَأَلَهُمْ، فَقَالُوا: بَلْ حَرَامٌ، فَجَلَدَهُمْ، فَاسْتَحْيُوا فَلَزِمُوا الْبُيُوتَ وَوَسْوَسَ أَبُو جَنْدَلٍ، فَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى عُمَرَ: إِنَّ أَبَا جَنْدَلٍ قَدْ وَسْوَسَ، إِلا أَنْ يَأْتِيَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْكَ بِفَرَجٍ، فَاكْتُبْ إِلَيْهِ وَذَكِّرْهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ وَذَكَّرَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: مِنْ عُمَرَ إِلَى أَبِي جَنْدَلٍ «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ*»، فَتُبْ وَارْفَعْ رَأْسَكَ، وَابْرُزْ وَلا تَقْنَطْ، فَإِنَّ اللَّهَ، يَقُولُ: «يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» فَلَمَّا قَرَأَهُ عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَةَ تَطَلَّقَ وَأُسْفِرَ عَنْهُ وَكَتَبَ إِلَى الآخَرِينَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَبَرَزُوا، وَكَتَبَ إِلَى النَّاسِ: عَلَيْكُمْ أَنْفُسُكَمْ، وَمَنِ اسْتَوْجَبَ التغيير فغيروا عليه، ولا تعيروا أحدا فيفشوا فِيكُمُ الْبَلاءُ.
تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري ٤/٩٧ وهذا ضعيف فيه شعيب بن إبراهيم الكوفي قال ابن عدي في أخباره نكرة وتحامل على السلف وفيه سيف بن عمر التميمي متهم بالزندقة
روى أبو عروبة قال حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْهَيْثَمِ الْبَصْرِيُّ، ثنا أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ، ثنا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عِيسَى بْنَ عَاصِمٍ، «يُحَدِّثُ أَنَّ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ شَرِبُوا الْخَمْرَ بِالشَّامِ عَبْدُ بْنُ الْأَزْوَرِ الْأَسَدِيُّ، أَحَدُ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَأَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، وَضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي فِهْرٍ، وَنَسِيَ جَرِيرٌ الرَّابِعَ، فَأَرَادَ أَبُوعُبَيْدَةَ أَنْ يَحُدَّهُمْ، فَقَالُوا: مَا تَصْنَعُ بِأَنْ تَحُدَّنَا، نَحْنُ نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا، فَإِنْ قُتِلْنَا وَإِلَّا فَنَحْنُ فِي يَدِكَ، قَالَ: فَتَرَكَهُمْ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا»
المنتقى من كتاب الطبقات لأبي عروبة الحراني ١/٤٧ وهذه مخالفة للرواية التي قبلها فليس فيها أنهم استحلوا الخمر ولكنها ضعيفة كذلك لأن عيسى بن عاصم لم يدرك أبا عبيدة والواقعة كذلك غير أنه أقرب للوقعة من ابن جريج
مناقشة الروايات وتبرئة الصحابة
وكما ظهر معنا فجميع هذه الروايات التي فيها نسبة الصحابة إلى استحلال الخمر لم يصح منها شيء إلا رواية عبد الرزاق وهذه الرواية ليس فيها أن قدامة استحل الخمر صراحة وأنه تأول في الحرمة كما فهم كثير من الناس بل فيها أنه تأول في الحد فهو كان يرى أن الآية ﴿لَیۡسَ عَلَى ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحࣱ فِیمَا طَعِمُوۤا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّأَحۡسَنُوا۟ۚ وَٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [المائدة ٩٣] أي أنهم لا يقام عليهم الحد بذلك لا أنهم أرادوا أن الخمر لهم حلال لذلك قال قدامة في رواية عبد الرزاق «لَوْ شَرِبْتَ كَمَا يَقُولُونَ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تَجْلُدُونِي» فهو لم يصرح بالشرب ابتداء بل وارى به ولو كان يرى ذلك له حلالا لصرح بأنها له حلال ثم استشهد بالآية على إسقاط الحد وليس على حل الخمر
ومن الأدلة على أن هذا هو الفهم الصحيح للرواية أمور عدة منها
١- أن قدامة رضي الله عنه لو أنه استحل الخمر لوجب على عمر أن يستتيبه وليس فقط أن يقيم عليه الحد وليس في الروايات الصحيحة ولا الضعيفة التي ذكرت قصة قدامة أنه استتابه
٢- أن قدامة لو استحل الخمر لعامله عمر رضي الله عنه كما عامل من استحل الخمر قبله من أهل الشام روى ابن أبي شيبة قال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: شَرِبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ الْخَمْرَ وَعَلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَقَالُوا: هِيَ لَنَا حَلَالٌ، وَتَأَوَّلُوا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، قَالَ: وَكَتَبَ فِيهِمْ إِلَى عُمَرَ فَكَتَبَ أَنِ ابْعَثْ بِهِمْ إِلَيَّ قَبْلَ أَنْ يُفْسِدُوا مَنْ قِبَلِكَ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ اسْتَشَارَ فِيهِمِ النَّاسَ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، نَرَى أَنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وَشَرَعُوا فِي دِينِهِمْ، مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ فَاضْرِبْ رِقَابَهُمْ، وَعَلِيٌّ سَاكِتٌ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْحَسَنِ فِيهِمْ؟، قَالَ: «أَرَى أَنْ تَسْتَتِيبَهُمْ، فَإِنْ تَابُوا جَلَدْتُهُمْ ثَمَانِينَ لِشُرْبِ الْخَمْرِ، وَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا ضَرَبْتُ رِقَابَهُمْ، قَدْ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وَشَرَعُوا فِي دِينِهِمْ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، فَاسْتَتَابَهُمْ فَتَابُوا، فَضَرَبَهُمْ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ» المصنف - ابن أبي شيبة - ت الحوت ٥/٥٠٣
فهؤلاء قوم استحلوا الخمر حقيقة ورأينا شدة تعامل عمر والصحابة معهم ورميهم بالزندقة وتبديل الدين بل أن بعض الصحابة رأى أن يقتلوا بغير استتابة بينما تعامل عمر مع قدامة كان غير ذلك سألنا بعض من يخالفنا في أمر قدامة عن ذلك زعم أن هذا كان لأجل أن قصة قدامة كانت قبل قصة أهل الشام فلما انتشرت قصة قدامة لم يعد لمن تأول نفس تأويله أن يعذر وهذا التفسير على غرابته إذ فيه زعم أن قصة قدامة قد بلغت الآفاق وعلو بها أهل الشام جميعا وهذا مما لا سبيل للقطع به غير أننا لما راجعنا التواريخ وجدنا الأمر عكس ذلك تماما ففي قصة أهل الشام نرى أن أمير الشام كان وقتها يزيد بن أبي سفيان ويزيد رحمه الله توفي في طاعون عمواس سنة ١٨ه ولو فرضنا أن القصة حصلت سنة وفاته على أقصى حد فلن تكون بعد هذه السنة ١٨ه بينما قصة جلد قدامة رحمه الله فغالب أهل التاريخ يرجحون أنها وقعت سنة ٢٠ه قال ابن كثير في البداية والنهاية وَفِيهَا عَزَلَ عُمَرُ قَدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ عَنِ الْبَحْرَيْنِ وَحَدَّهُ فِي الشَّرَابِ، وَوَلَّى عَلَى الْبَحْرَيْنِ وَالْيَمَامَةِ أَبَا هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيَّ،
البداية والنهاية ت التركي ١٠/٩٨ وهذا قول غيره من المؤرخين وليس اعتمادنا في ذلك فقط على ما نقله ابن كثير عن الواقدي الضعيف بل لأن ترتيب ولاة البحرين لا يحتمل إلا هذا الوقت أو بعده وليراجع من يريد الاستزادة كتاب الولاية في عهد الخلفاء الراشدين، د. عبد العزيز بن إبراهيم العمري، طبعة دار إشبيلية، الطبعة الأولى، صـ 98
٣- أن الأصل في فعل الخلفاء الراشدين وكما تقرر في قواعد الفقهاء أن من كان جاهلا في الحرمة لا يقام عليه الحد بينما من كان جاهلا بالحد عالما بالحرمة فلا يعذره جهله بالعقوبة ويقام عليه الحد فلما رأينا من قصة قدامة أنه أقيم عليه الحد علمنا أن تأوله كان في الحد وليس في الحرمة فإن قيل التأويل غير الجهل قلنا بل التأويل نوع جهل ولذلك عذر عمر المرأة المتأولة في الزنا ولم يقم عليها الحد روى عبد الرزاق في المصنف قال:
عَن مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: تَسَرَّتِ امْرَأَةٌ غُلَامًا لَهَا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَسَأَلَهَا: مَا حَمَلَكِ عَلَى هَذَا؟ فَقَالَتْ: كُنْتُ أَرَى أَنَّهُ يَحِلُّ لِي مَا يَحِلُّ لِلرِّجَالِ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ، فَاسْتَشَارَ عُمَرُ فِيهَا أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالُوا: تَأَوَّلَتْ كِتَابَ اللهِ تَعَالَى عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا جَرَمَ، وَاللَّهِ لَا أُحِلُّكِ لِحُرٍّ بَعْدَهُ أَبَدًا، كَأَنَّهُ عَاقَبَهَا بِذَلِكَ، وَدَرَأَ الْحَدَّ عَنْهَا، وَأَمَرَ الْعَبْدَ أَلَّا يَقْرَبَهَا.
المصنف - عبد الرزاق - ط التأصيل الثانية ٧/١٦٣
فإن قيل فلما أقام الحد على أهل الشام وقد كانوا متأولين في الحرمة كذلك قلنا هم لم يكونوا متأولين بل محرفين مبدلين وعمر لم يعذرهم بذلك التأويل بل استتابهم منه وأقام عليهم الحد
ذكر من فهم هذه الرواية بنحو فهمنا
ولسنا نسوق أقوال هؤلاء مقلدين لهم في ذلك بل فهمنا هو لما قدمناه من أدلة
بل نسوقه لألا يقال أننا أتينا بفهم لهذه الرواية لم يسبقنا إليه أحد من العالمين بل كثير قبلنا فهموا من حال قدامة ما فهمنا
ثم نضيف إلى أن كثير ممن رموا الصحابة وبالأخص قدامة من أصحاب كتب الفقه فكثير منهم دخلت عليهم الروايات ببعضا فتجدهم يروون قصة أبي جندل على أنها قصة قدامة ومن أمثلة ذلك
ما وقع لابن تيمية رحمه الله لما قال في الصارم المنكي ألا ترى أن قدامة بن مظعون وكان بدريا تأول في خلافة عمر ما تأول في استحلال الخمر من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية حتى أجمع رأي عمر وأهل الشورى أن يستتاب هو أصحابه فإن أقروا بالتحريم جلدوا وإن لم يقروا به كفروا ثم إنه تاب وكاد ييأس لعظم ذنبه في نفسه حتى أرسل إليه عمر بأول سورة غافر فعلم أن المضمون للبدريين أن خاتمتهم حسنة وأنهم مغفور لهم وإن جاز أن يصدر عنهم قبل ذلك ما عسى أن يصدر فإن التوبة تجب ما قبلها.الصارم المسلول على شاتم الرسول ١/٥٣٠
وهو رحمه الله معذور في ذلك فكتابه هذا صنفه في السجن من حفظة وبدون كتبه فلا لوم عليه في مثل هذه الأوهام لكن اللوم على من عنده الكتب ويقدر أن يراجع ثم يأخذ بكلام ابن تيمية هذا أو بكلام من سبقه من الفقهاء الذين يجمعون الأحاديث والروايات بغير تمييز للصحيح من السقيم
فعلى كل ممن فهم أن قدامة رحمه الله كان متأولا في الحد وليس في الحرمة
القاضي إسماعيل بن إسحاق (ت282ه.)قال: " وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ تُكَفِّرُ مَا كَانَ مِنْ شُرْبِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ اتَّقَى وَآمَنَ وَعَمِلَ الصَّالِحَاتِ وَأَخْطَأَ فِي التَّأْوِيلِ بِخِلَافِ مَنْ اسْتَحَلَّهَا" الفروق 1/303
قال ابن العربي الأشعري: " وَبَسْطُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَاتَّقَى اللَّهَ فِي غَيْرِهِ لَا يُحَدُّ عَلَى الْخَمْرِ مَا حُدَّ أَحَدٌ، فَكَانَ هَذَا مِنْ أَفْسَدِ تَأْوِيلٍ، وَقَدْ خَفِيَ عَلَى قُدَامَةَ، وَعَرَفَهُ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لَهُ كَعُمَرَ وَابْنِ عَبَّاس" أحكام القرآن 2/169
قال الجصاص الحنفي: " وَرُوِيَ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ قَوْمًا شَرِبُوا بِالشَّامِّ وَقَالُوا هِيَ لَنَا حَلَالٌ وَتَأَوَّلُوا هَذِهِ الْآيَةَ فَأَجْمَعْ عُمَرُ وَعَلِيٌّ عَلَى أَنْ يُسْتَتَابُوا فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ بْنُ رَبِيعَةَ أَنَّ الْجَارُودَ سَيِّدَ بَنِي عَبْدِ الْقِيسِ وَأَبَا هُرَيْرَةَ شَهِدَا عَلَى قَدَّامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ وَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَجْلِدَهُ فَقَالَ قَدَّامَةُ لَيْسَ لَك ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ الْآيَةُ فَقَالَ عُمَرُ إنَّك قَدْ أَخْطَأْت التَّأْوِيلَ يَا قَدَّامَةُ إذَا اتَّقَيْت اجْتَنَبْت مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْك فَلَمْ يَحْكُمُوا عَلَى قَدَّامَةَ بحكمهم عَلَى الَّذِينَ شَرِبُوهَا بِالشَّامِّ وَلَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ حُكْمَهُمْ لِأَنَّ أُولَئِكَ شَرِبُوهَا مُسْتَحِلِّينَ لَهَا وَمُسْتَحِلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ كَافِرٌ فَلِذَلِكَ اسْتَتَابُوهُمْ
وَأَمَّا قَدَّامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ فَلَمْ يَشْرَبْهَا مُسْتَحِلًّا لِشُرْبِهَا وَإِنَّمَا تَأَوَّلَ الْآيَةَ عَلَى أَنَّ الْحَالَ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا وَوُجُودُ الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ فِيهِ مُكَفِّرَةٌ لِذُنُوبِهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ فَكَانَ عِنْدَهُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ عَلَى شُرْبِهَا مَعَ اعْتِقَادِهِ لِتَحْرِيمِهَا وَلِتَكْفِيرِ إحْسَانِهِ إسَاءَتَهُ" أحكام القرآن 4/128-129
