وَالِدَا النَّبِيِّ ﷺ وَأَهْلُ الفَتْرَةِ.. وَتَخَبُّطُ العَاطِفَةِ ضِدَّ البَرَاهِينِ النَّبَوِيَّةِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مُنْذُ ظَهَرَ الفِيدْيُو الَّذِي قَالَ فِيهِ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ حَسَن عَبْدُ الغَفَّارِ -فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ- فِي أَوَاخِرِ شَعْبَانَ لِسَنَةِ 1447هـ: "إِنَّهُ يُبْغِضُ وَالِدَيِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلِبُغْضِ اللهِ إِيَّاهُمَا، وَلِبُغْضِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمَا"، وَمَا تَبِعَهَا مِنْ تَحْرِيضٍ أَمْنِيٍّ مِنَ المُتَصَوِّفَةِ الَّذِينَ لَمْ نَرَ مِنْهُمْ نِصْفَ هَذِهِ الحَمَاسَةِ فِي الدِّفَاعِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طَعْنِ النَّصَارَى وَالمَلَاحِدَةِ فِي بَلَدِهِمْ، بَلْ وَلَا مِنْ طُعُونَاتِ مَشَايِخِهِمُ الَّذِينَ سَمَّوْهُ بِـ"المُطَلْسَمِ وَالمُطَمْطَمِ"، وَلَا مَشَايِخِهِمُ الَّذِينَ قَالُوا فِي الرَّبِّ جَلَّ وَعَزَّ: "أَنَّ الرَّبَّ عَبْدٌ وَالعَبْدَ رَبٌّ"؛ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الصُّوفِيَّةَ أَصْحَابُ الحِقْدِ القَدِيمِ المُتَجَدِّدِ لَا نَعْجَبُ مِنْهُمْ.

لَكِنَّا -وَلِلْأَسَفِ- صُدِمْنَا بِبَعْضِ المُنْتَسِبِينَ لِلسَّلَفِيَّةِ زُورًا شَارَكُوا فِي هَذِهِ الحَمْلَةِ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ المِسْكِينِ، وَصَارُوا يُبَدِّعُونَهُ، وَهُمُ الَّذِينَ صَرَّحُوا مِنْ قَبْلُ أَنَّهُمْ لَا يُبَدِّعُونَ حَتَّى القَاذِفِينَ لِأُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَالقَائِلِينَ بِتَحْرِيفِ القُرْآنِ، وَالقَائِلِينَ بِوِحْدَةِ الوُجُودِ وَالحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ، إِلَّا أَنْ سَبَقَهُمْ عَالِمٌ بِتَعْيِينِ هَذَا الشَّخْصِ. وَبَعْدَمَا كَثُرَتِ الفِيدْيُوهَاتُ وَالرُّدُودُ وَالِاتِّهَامَاتُ؛ أَحْبَبْتُ أَنْ أَجْمَعَ فِي هَذَا المَقَالِ مَا اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ مِنِ اسْتِدْلَالَاتِ القَوْمِ حَتَّى يَكُونَ جَامِعًا لِهَذَا السِّجَالِ إِنْ شَاءَ اللهُ.


مِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالنَّبِيَّ ﷺ يُبْغِضَانِهِمَا؟
هَذَا أَوَّلُ مَا قِيلَ، وَظَاهِرُ هَذَا الكَلَامِ أَنَّهُ مِنْ قَوْمٍ لَا يَعْتَرِضُونَ عَلَى كَوْنِهِمَا فِي النَّارِ، لَكِنْ يَعْتَرِضُونَ عَلَى إِطْلَاقِ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُبْغِضُهُمَا وَرَسُولَهُ.


قُلْتُ: قَائِلُ هَذَا الكَلَامِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ أَشْعَرِيًّا أَوْ سُنِّيًّا:

فَإِنْ كَانَ أَشْعَرِيًّا؛ فَقَدْ خَبَطَ دِينُهُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وَجَعَلَ نَفْسَهُ أُضْحُوكَةَ الدَّهْرِ! كَيْفَ يُصَدِّقُ أَنَّ اللهَ يُعَذِّبُهُمَا ثُمَّ يَجْحَدُ أَنَّهُ يُبْغِضُهُمَا؟ وَكَأَنَّهُمَا شَيْئَانِ مُنْفَصِلَانِ! وَلَا يَعْلَمُ هَذَا التَّعِيسُ أَنَّ التَّعْذِيبَ وَالغَضَبَ وَالبُغْضَ فِي دِينِهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ؛ فَصِفَاتُ الغَضَبِ وَالكُرْهِ وَالمَحَبَّةِ وَالرِّضَا وَالفَرَحِ عِنْدَ الأَشْعَرِيَّةِ كُلِّهَا رَاجِعَةٌ لِصِفَةِ "الْإِرَادَةِ"، وَهِيَ عِنْدَهُمْ إِمَّا إِرَادَةُ الفِعْلِ مِنَ اللهِ أَوْ الفِعْلُ نَفْسُهُ
. فَيَقُولُ لَكَ: غَضَبُ اللهِ عَلَى عَبْدِهِ هُوَ إِرَادَتُهُ تَعْذِيبَهُ وَإِنْزَالَ العُقُوبَةِ بِهِ، أَوْ يَقُولُونَ: غَضَبُهُ عَلَى عِبَادِهِ هُوَ عُقُوبَتُهُ لَهُمْ
. وَفِي هَذَا يَقُولُ إِمَامُهُمُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مُسْلِمٍ (17/68): "قَالَ الْعُلَمَاءُ: غَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى وَرِضَاهُ يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنَى الْإِرَادَةِ؛ فَإِرَادَتُهُ الْإِثَابَةَ لِلْمُطِيعِ وَمَنْفَعَةَ الْعَبْدِ تُسَمَّى رِضًا وَرَحْمَةً، وَإِرَادَتُهُ عِقَابَ الْعَاصِي وَخِذْلَانَهُ تُسَمَّى غَضَبًا".

وَلِلْعِلْمِ؛ النَّوَوِيُّ نَفْسُهُ يَقُولُ بِأَنَّ أَبَوَيِ النَّبِيِّ ﷺ فِي النَّارِ. فَيَتَبَيَّنُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ أَبَوَيِ النَّبِيِّ ﷺ فِي النَّارِ مِنَ الأَشْعَرِيَّةِ يَرَوْنَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبْغِضُ أَبَوَيِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَضْبَانُ عَلَيْهِمَا وَغَيْرُ ذَلِكَ.


أَمَّا إِنْ كَانَ سُنِّيًّا، فَنَقُولُ لَهُ: دُونَكَ الأدِلَّةَ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ.


قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَؤُا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: 4].


وَقَالَ: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: 22].


وَقَالَ نَبِيُّهُ ﷺ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ يَصِفُ حَالَ النَّاسِ قَبْلَ بَعْثِهِ: "إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ".


وَوَالِدَاهُ دَاخِلُونَ فِي هَؤُلَاءِ العَرَبِ، فَهُمْ لَيْسُوا مِنْ بَقَايَا أَهْلِ الكِتَابِ وَلَا مِنْ أَصْحَابِ الحَنِيفِيَّةِ مِثْلِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ.


فَإِنْ قِيلَ: "النَّبِيُّ ﷺ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الِاسْتِغْفَارِ لِأُمِّهِ، فَهَلْ يَجْتَمِعُ هَذَا مَعَ البُغْضِ؟" فَنَقُولُ: بَلَى، أَلَيْسَ نَبِيُّ اللهِ إِبْرَاهِيمُ قَدْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ؟ فَهَذَا مَا 
نُنَبِّهُ عَلَيْهِ دَوْمًا: أَنَّ الحُبَّ الطَّبْعِيَّ لَا يُنَافِي البُغْضَ الدِّينِيَّ.

وَالِدَاهُ مِنْ أَهْلِ الفَتْرَةِ
وَهَذَا الِاحْتِجَاجُ الثَّانِي؛ إِذْ يَرُدُّونَ الأَحَادِيثَ فِي كَوْنِ وَالِدَيْهِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ بِكَوْنِهِمَا مِنْ أَهْلِ الفَتْرَةِ، وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]. وَيَقُولُ: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: 134].


ثُمَّ يَنْفُونَ أَنَّ أَهْلَ الجَاهِلِيَّةِ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ مِنْ بَقَايَا الحَنِيفِيَّةِ، وَيَسْتَدِلُّونَ بِقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: 6]
. وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: 46]
. وَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۚ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: 3]
. وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا ۖ وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ﴾ [سبأ: 44].


وَقَبْلَ أَنْ نَشْرَعَ فِي البَيَانِ، فَنُنَبِّهُ أَيْضًا أَنَّ المُحْتَجِّينَ بِهَذَا يَنْقَسِمُونَ لِصِنْفَيْنِ: صِنْفٌ يَقُولُونَ بِنَجَاةِ جَمِيعِ أَهْلِ الفَتْرَةِ، وَهَذَا قَوْلُ ضَلَالٍ، لَا يَقُولُهُ الرَّجُلُ إِلَّا بَعْدَمَا يَضَعُ عَشَرَاتِ الأَحَادِيثِ الَّتِي تُخْبِرُ عَنْ عَذَابِهِمْ خَلْفَ ظَهْرِهِ كَمَا سَنُبَيِّنُ تَالِيًا.


وَصِنْفٌ يَقُولُونَ لَا نَجْزِمُ فِيهِمْ بِشَيْءٍ وَأَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ وَهُمْ يُمْتَحَنُونَ فِي الآخِرَةِ. وَهَؤُلَاءِ لَا أَدْرِي حَقِيقَةً مَا وَجْهُ إِنْكَارِ أَنْ يَكُونَ أَبَوَا النَّبِيِّ ﷺ فِي النَّارِ! أَفَلَيْسَ جَائِزًا عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ اللهُ قَدْ أَطْلَعَ نَبِيَّهُ عَلَى حَالِ أَبَوَيْهِ فِي الآخِرَةِ خُصُوصًا، كَمَا أَطْلَعَهُ عَلَى حَالِ مَنْ أَطْلَعَهُ أَنَّهُمْ فِي الجَنَّةِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، مِثْلِ العَشَرَةِ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ وَبِلَالِ بْنِ رَبَاحٍ، بَلْ وَأَهْلِ بَدْرٍ وَالشَّجَرَةِ كَذَلِكَ؟ فَنَعْلَمُ وَقْتَئِذٍ أَنَّ نَفْيَهُمْ كَوْنَ وَالِدَيْهِ لَيْسَ إِلَّا مُكَابَرَةً عَاطِفِيَّةً لَيْسَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى مُقَدِّمَاتٍ عِلْمِيَّةٍ
. فَإِذَا كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَلَا يَقْطَعُونَ لَهُمْ بِالنَّجَاةِ، وَجَائِزٌ عِنْدَهُمْ أَنْ يُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِحَالِ بَعْضِ النَّاسِ فِي الآخِرَةِ؛ ثُمَّ لَوْ أُضِيفَ لِذَلِكَ مَجْمُوعُ الأَحَادِيثِ الَّتِي تُخْبِرُ عَنْهُمَا بِخُصُوصٍ أَنَّهُمَا فِي النَّارِ -وَهِيَ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ لَا يَدْفَعُهَا وَيُعَارِضُهَا إِلَّا أَحَادِيثُ ضَعِيفَةٌ مَوْضُوعَةٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ- عَلِمْنَا ضَعْفَ حُجَّةِ هَؤُلَاءِ القَوْمِ.



أَمَّا الَّذِينَ قَبْلَهُمْ مِمَّنْ يَرَوْنَ نَجَاةَ جَمِيعِ أَهْلِ الفَتْرَةِ، فَنَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا بِالنَّقْلِ قَبْلَ العَقْلِ:

فَنَقُولُ: ثَبَتَ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ عَنْ قَوْمٍ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ، وَهُمْ مِمَّنْ مَاتَ فِي الجَاهِلِيَّةِ.

فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا نَخْلًا لِبَنِي النَّجَّارِ، فَسَمِعَ أَصْوَاتَ رِجَالٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ مَاتُوا فِي الجَاهِلِيَّةِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَزِعًا مِنَ القَبْرِ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ القَبْرِ». 


وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِنَ الجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتْنَ». 


وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُهُ، حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُ أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الجَنَّةِ، حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ، وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ». 


وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ المِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: لَا يَنْفَعُهُ؛ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ». 


وَطَبْعًا الحَدِيثُ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّ أَبِي كَانَ يَكْفُلُ الأَيْتَامَ، وَيَصِلُ الأَرْحَامَ، وَيَفْعَلُ كَذَا، فَأَيْنَ مَدْخَلُهُ؟ قَالَ: «هَلَكَ أَبُوكَ فِي الجَاهِلِيَّةِ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَمَدْخَلُهُ النَّارُ». قَالَ: فَغَضِبَ الأَعْرَابِيُّ، وَقَالَ: فَأَيْنَ مَدْخَلُ أَبِيكَ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «حَيْثُ مَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ كَافِرٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ». فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: «لَقَدْ كَلَّفَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ تَعَبًا، مَا مَرَرْتُ بِقَبْرِ كَافِرٍ إِلَّا بَشَّرْتُهُ بِالنَّارِ». 


وَحَدِيثُ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ». 


فَأَيْنَ المَفَرُّ مِنْ كُلِّ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الَّتِي تُخْبِرُ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعَذِّبُ نَاسًا مَاتُوا فِي الجَاهِلِيَّةِ عَلَى الشِّرْكِ؟ وَهَلْ يَرُدُّهَا إِلَّا صَاحِبُ هَوًى لَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَوْ فِي قَلْبِهِ مَا فِيهِ؟ 


ثُمَّ نُحَاجِجُهُمْ بِالعَقْلِ وَالقُرْآنِ، فَنَقُولُ لَهُمْ:

أَلَيْسَ اللهُ قَدْ قَالَ عَنْ نَبِيِّهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. وَقَالَ: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ﴾ [القصص: 86]. وَقَالَ: ﴿وَلَٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: 46]. وَقَالَ: ﴿وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 103]. 


فَهَلْ تُؤْمِنُونَ أَنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ نَبِيَّهُ ﷺ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَأَنَّهُ أَنْقَذَ بِهِ أَقْوَامًا مِنَ النَّارِ بَعْدَمَا كَانُوا عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ؟ فَإِنْ قَالُوا: "لَا"؛ كَذَّبُوا القُرْآنَ. وَإِنْ قَالُوا: "نَعَمْ"؛ فَنَقُولُ لَهُمْ: تَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِكُمْ إِنَّهُ رَحْمَةٌ وَمُنْقِذٌ، وَلِسَانُ حَالِكُمْ يَقُولُ إِنَّهُ بُعِثَ نِقْمَةً وَعَذَابًا! فَأَيْنَ الرَّحْمَةُ فِي أَنْ يُرْسِلَهُ اللهُ إِلَى قَوْمٍ نَاجِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ بِبِعْثَتِهِ يَصِيرُ أَكْثَرُهُمْ هَالِكًا مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَلَا يَتَّبِعُهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنَ العَالَمِينَ، ثُمَّ هَؤُلَاءِ القَلِيلُ مِنْهُمْ مَنْ سَيُعَذَّبُ فِي النَّارِ بِذُنُوبِهِ حَتَّى يُطَهَّرَ مِنْهَا ثُمَّ يَخْرُجَ بِالشَّفَاعَةِ؟ 


هَذَا غَيْرُ مَا جُرَّ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ القَتْلِ وَالسَّبْيِ سَوَاءً مَنْ آمَنَ بِهِ أَوْ مَنْ كَفَرَ، وَصَارَ أَصْحَابُهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَحْبِسُهُمْ آبَاؤُهُمْ وَتُعَذِّبُهُمْ عَشَائِرُهُمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ، حَتَّى يُقَوِّيَ اللهُ شَوْكَةَ المُسْلِمِينَ وَيَقُومَ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ بَدْرٍ بِقَتْلِ آبَائِهِمْ وَأَعْمَامِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ فَأَيْنَ الرَّحْمَةُ الَّتِي تَزْعُمُونَ وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّهُ لَوْلَا بِعْثَةُ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ كُلُّ هَؤُلَاءِ دَاخِلِينَ الجَنَّةَ؟ 


كَيْفَ نَجْمَعُ؟

لَقَدْ نَهَانَا اللهُ وَنَبِيُّهُ ﷺ عَنْ ضَرْبِ القُرْآنِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، بَلْ إِنَّهُ نَزَلَ مُصَدِّقًا بَعْضُهُ بَعْضًا. فَلَوْ احْتَجَّ عَلَيْكَ شَخْصٌ بِآيَةٍ، لَا تَحْتَجَّ عَلَيْهِ بِآيَةٍ أُخْرَى لِخِلَافِ قَوْلٍ، إِلَّا وَتُبَيِّنَ وَجْهَ مَا احْتَجَّ بِهِ هُوَ حَتَّى لَا تَكُونَ مِمَّنْ يَضْرِبُ كِتَابَ اللهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ.

فَنَقُولُ: وَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ أَنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُ قَبْلَ إِرْسَالِ الرُّسُلِ وَأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ، وَبَيْنَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ كَانُوا عَلَى شَفَا النَّارِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ دَخَلَهَا حَتَّى أَنْقَذَهُمُ اللهُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، هُوَ تِبْيَانُ أَمْرَيْنِ: 


الأَوَّلُ: أَنَّ العَذَابَ المَذْكُورَ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ أَنْ يُرَادَ بِهِ عَذَابُ الآخِرَةِ، بَلْ قَدْ يُرَادَ بِهِ عَذَابُ الدُّنْيَا الَّذِي يَسْتَأْصِلُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ الأُمَمَ الظَّالِمَةَ فَلَا يُبْقِي لَهُمْ وَلَا مِنْهُمْ إِلَّا ذِكْرًا. أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16]؛ فَتَكَلَّمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ إِهْلَاكِ القُرَى. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يُبَيِّنُ ذَلِكَ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ۚ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَىٰ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: 59]. 


أَمَّا مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّ المُرَادَ بِالآيَةِ هُوَ عَذَابُ الآخِرَةِ، فَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ الرُّسُلَ هُمْ مَنْ يُرْسِلُهُمُ اللهُ لِهَؤُلَاءِ حَتَّى يُمْتَحَنُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَنْجُو وَمِنْهُمْ مَنْ يَهْلِكُ. فَإِنْ قَالُوا بِذَلِكَ رَجَعُوا لِمَذْهَبِ الأَوَّلِينَ، فَنَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِمَا احْتَجَجْنَا عَلَى أُولَئِكَ. 


ثُمَّ نُبَيِّنُ المُقَدِّمَةَ الثَّانِيَةَ:
فَنَقُولُ: عَدَمُ بَعْثِ النَّذِيرِ وَالرَّسُولِ الخَاصِّ لِلْعَرَبِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُمْ بَعْضُ بَقَايَا دَعْوَةِ الأَنْبِيَاءِ، سَوَاءً مِنْ بَقَايَا دَعْوَةِ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ أَوْ مِمَّنْ حَوْلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ . لِذَلِكَ نَجِدُ فِي قُرَيْشٍ قَبْلَ البِعْثَةِ مَنْ تَبِعَ الحَقَّ وَتَرَكَ وَثَنِيَّةَ العَرَبِ مِنْ أَمْثَالِ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ؛ لِعِلْمِهِمْ أَنَّ العَرَبَ قَدْ بَدَّلُوا دِينَ إِبْرَاهِيمَ .

وَالعَجِيبُ أَنَّ مِنَ الآيَاتِ الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِهَا مَا لَوْ رَاعَوْا سِيَاقَهُ سَيَجِدُونَهُ يُبَيِّنُ ذَلِكَ؛ فَهُمْ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ اللهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: 134] .

وَلَوْ أَنَّهُمْ قَرَأُوا الآيَةَ قَبْلَهَا لَوَجَدُوا فِيهَا خِلَافَ أَصْلِهِمْ؛ فَاللهُ يَقُولُ فِيهَا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [طه: 133] .

فَقَدْ بَيَّنَ اللهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ قَدْ جَاءَتْهُمْ بَيِّنَاتٌ مِنَ الصُّحُفِ الأُولَى، قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ.

ومسألة أخرى فنقول مثل هذا مثل ما في الفقه من التفريق بين العلم بالحرمة والعلم بالعقوبة ففي الحدود لا يقام الحد على من لم يعرف بحرمة الفعل لكن من عرف حرمة الفعل وجهل العقوبة فليس جهله بالعقوبة بعذر له فلو زنا رجل محصن وهو يعلم أن الزنا حرام لكنه لا يعلم أن يرجم لذلك فإن جهله بالحد ليس بعذر له ومثل ذلك الخمر والسرقة وغيره من الحدود
فمن ذلك نقول إن أهل الجاهلية لم يأتهم نذير يخبرهم عاقبة فعلهم من البعث بعد الموت ودخول جهنم لكنهم كانوا يعلمون أن الله هو خالقهم ورازقهم ومدبر أمرهم وأن هذه الأصنام لا تضرهم ولا تنفعهم وأنها ليست من دين إبراهيم في شيء فلذلك كانوا مستحقين للعقوبة ولو لم يأتهم نذير
وَنَخْتِمُ بِالقَوْلِ: إِنَّ تَمَنُّنَ اللهِ عَلَى هَؤُلَاءِ وَاحْتِجَاجَهُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ أَرْسَلَ لَهُمْ رُسُلًا، لَا يَعْنِي أَنَّهُمْ وَسَائِرُ الأُمَمِ قَبْلَهُمْ لَهُمْ حَقٌّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْعَثْ لَهُمْ رُسُلًا لَكَانَ ذَلِكَ ظُلْمًا لَهُمْ. فَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَقْرَأُوا قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: 172-173] .

فَقَدْ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ أَقَامَ الحُجَّةَ عَلَى خَلْقِهِ وَهُمْ فِي صُلْبِ أَبِيهِمْ آدَمَ، وَبَعْثُهُ الرُّسُلَ لَيْسَ حَقًّا عَلَيْهِ، بَلْ تَفَضُّلًا مِنْهُ جَلَّ وَعَزَّ .

شُبْهَةُ: "إِنَّ عَمِّي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ"
وَهَذِهِ مِنْ أَتْفَهِ حُجَجِ القَوْمِ، وَهِيَ لِلْقَرْمَطَةِ أَقْرَبُ مِنْهَا لِلْعِلْمِ. يَقُولُونَ: إِنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ لِلرَّجُلِ: «إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ» يُرِيدُ بِهَا عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ وَلَيْسَ أَبَاهُ عَبْدَ اللهِ! وَيَحْتَجُّونَ أَنَّ العَرَبَ قَدْ تَقُولُ لِلْعَمِّ "أَبًا". وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُرِيدُ أَبَاهُ عَبْدَ المُطَّلِبِ؛ لِأَنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِلْجَدِّ "أَبًا" .

وَكَالْعَادَةِ هُمَا فَرِيقَانِ:

فَرِيقٌ يَقُولُ هَذَا فَقَطْ فِي حَقِّ أَبِيهِ، لِذَلِكَ لَا مُشْكِلَةَ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ الكَلَامُ عَائِدًا عَلَى عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَلَا مُشْكِلَةَ كَذَلِكَ فِي كَوْنِ آزَرَ -أَبِي نَبِيِّ اللهِ إِبْرَاهِيمَ- فِي النَّارِ؛ فَتَحْرِيفُهُمْ هَذَا مُخْتَصٌّ بِوَالِدَيِ النَّبِيِّ ﷺ المُبَاشِرَيْنِ فَقَطْ .

وَصِنْفٌ آخَرُ هُمْ مِنَ المُتَأَثِّرِينَ بِالرَّافِضَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ كُلَّ آبَاءِ النَّبِيِّ ﷺ -مِنْ عَبْدِ اللهِ إِلَى آدَمَ، وَمِنْ آمِنَةَ إِلَى حَوَّاءَ- كُلُّهُمْ مُوَحِّدُونَ نَاجُونَ؛ لِذَلِكَ فَحَتَّى مَا جَاءَ فِي أَبِي إِبْرَاهِيمَ يَحْمِلُونَهُ عَلَى أَنَّهُ عَمُّهُ .

وَكِلَا الفَرِيقَيْنِ اشْتَرَكَا فِي اتِّهَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ بِالتَّدْلِيسِ عَلَى المُؤْمِنِينَ. وَهَذَا يُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ تَأْوِيلَ المُحَرِّفِينَ لَيْسَ كَمَا يَصِفُونَهُ بِأَنَّهُ "صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنًى رَاجِحٍ لِمَعْنًى مَرْجُوحٍ لِأَجْلِ السِّيَاقِ"؛ بَلْ هُوَ عِنْدَهُمْ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ الظَّاهِرِ لِأَجْلِ مُقَدِّمَاتٍ نَفْسِيَّةٍ أَوْ كَلَامِيَّةٍ مِنْ خَارِجِ النَّصِّ هَذَا وَمِنْ خَارِجِ غَيْرِهِ مِنَ النُّصُوصِ، وَلَا تَدْعَمُهُ أَيُّ قَرِينَةٍ إِلَّا مَا فِي نُفُوسِهِمِ المَرِيضَةِ .

فَتَخَيَّلْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لِرَجُلٍ: "إِنَّ أَبَاكَ فِي النَّارِ" -وَيَفْهَمُ مَنْهَا القَائِلُ وَالسَّامِعُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَبَاهُ الَّذِي أَنْجَبَهُ لَا غَيْرُ- ثُمَّ يُدَلِّسُ عَلَى الرَّجُلِ وَيُوهِمُهُ الِاشْتِرَاكَ فِي المُصِيبَةِ فَيَقُولُ لَهُ: "إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ"، وَهُوَ يُكِنُّ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ يَقْصِدُ عَمَّهُ! فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ بِهَذَا العَزَاءِ الخَادِعِ وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ مُشْتَرِكٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي مُصَابِهِ، وَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: "مَنْ أَنَا حَتَّى أَجْزَعَ مِمَّا رَضِيَ بِهِ أَكْرَمُ الخَلْقِ عَلَى اللهِ؟"، لَكِنْ لَا يَدْرِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُضْمِرُ فِي نَفْسِهِ عَمَّهُ (سَوَاءً أَبُو طَالِبٍ أَوْ أَبُو لَهَبٍ أَوْ أَيُّ وَاحِدٍ مِنْ أَعْمَامِهِ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الجَاهِلِيَّةِ أَوْ كَفَرُوا بِهِ بَعْدَ بِعْثَتِهِ). وَلَيْتَ شِعْرِي، هَلِ المُصَابُ بِالعَمِّ كَالمُصَابِ بِالأَبِ؟! .

ثُمَّ فَضْلًا عَنْ أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ لَا يَلِيقُ بِالنَّبِيِّ ﷺ، بَلْ هُوَ سُبَّةٌ لَهُ وَفِيهِ مِنِ انْتِقَاصِهِ مَا فِيهِ؛ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ لُغَةً كَذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالمَعْنَى الشَّائِعِ فِي كَلَامِ العَرَبِ. لِذَلِكَ لَا نَجِدُ عَرَبِيًّا يَقُولُ: "أَنَا ابْنُ فُلَانٍ" وَيَقْصِدُ عَمَّهُ، خِلَافًا لِقَوْلِ هَذَا فِي الأَبِ أَوِ الجَدِّ كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ»، أَوْ لَمَّا سَأَلَهُ الأَعْرَابِيُّ قَالَ: "مُحَمَّدٌ؟" فَأَجَابَهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «نَعَمْ»، فَقَالَ: "ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟" فَقَالَ: «نَعَمْ»؛ فَهَذَا اسْتِعْمَالٌ شَائِعٌ فِي كَلَامِ العَرَبِ غَنِيٌّ عَنِ الجَمْعِ وَالقَرَائِنِ .

أَمَّا العَمُّ، فَكُلُّ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ أَمْثِلَةٍ تُبَيِّنُ أَصْلًا أَنَّهُ لَا يُقَالُ "أَبُوكَ" بِمَعْنَى "عَمُّكَ"؛ فَإِمَّا أَنْ يَأْتِيَ بِعِبَارَةِ جَمْعٍ فَيُقَالُ "آبَائِي" فَيَذْكُرُ جَدَّهُ وَأَبَاهُ وَأَعْمَامَهُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا يَصِحُّ جَمْعًا وَتَثْنِيَةً يَصِحُّ إِفْرَادًا. كَمَا فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ ابْنِ أُخْتِي: «إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلَالِ ثُمَّ الهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَارٌ». فَقُلْتُ: يَا خَالَةُ مَا كَانَ يُعَيِّشُكُمْ؟ قَالَتْ: «الأَسْوَدَانِ (المَاءُ وَالتَّمْرُ)» .

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ: "قَوْلُهَا: الأَسْوَدَانِ، وَإِنَّمَا السَّوَادُ لِلتَّمْرِ خَاصَّةً دُونَ المَاءِ فَنَعَتَتْهُمَا جَمِيعًا بِنَعْتِ أَحَدِهِمَا، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ العَرَبُ فِي الشَّيْئَيْنِ يَكُونُ أَحَدُهُمَا مَضْمُومًا مَعَ الآخَرِ -كَالرَّجُلَيْنِ يَكُونَانِ صَدِيقَيْنِ لَا يَفْتَرِقَانِ أَوْ أَخَوَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَشْيَاءِ- فَإِنَّهُمْ يُسَمُّونَهُمَا جَمِيعًا بِاسْمِ الأَشْهَرِ مِنْهُمَا. وَلِهَذَا قَالَ النَّاسُ: سُنَّةُ العُمَرَيْنِ، وَإِنَّمَا هُمَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ" .

فَهَلْ يُقَالُ لِلْمَاءِ "الأَسْوَدُ" لَوْ كَانَ مُفْرَدًا؟ أَوْ يُقَالُ لِأَبِي بَكْرٍ "عُمَرُ" حِينَ يُذْكَرُ وَحْدَهُ؟ .

وَكَذَلِكَ قَدْ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «رُدُّوا عَلَيَّ أَبِي، رُدُّوا عَلَيَّ أَبِي، فَإِنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ».

فَنَقُولُ: كَذَلِكَ احْتِيَاجُ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُبَيِّنَ هَذَا هُنَا دَلِيلٌ أَنَّ العَرَبَ لَمَّا تَسْمَعُ الرَّجُلَ يَقُولُ "أَبِي" لَا تَفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُرِيدُ عَمَّهُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانٍ خَاصٍّ حَتَّى يَسْتَقِيمَ الفَهْمُ .

عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ فِي رِوَايَاتٍ أُخْرَى أَنَّهُ قَالَ: «العَبَّاسُ بَقِيَّةُ آبَائِي، إِنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ» .

وَهَذَا يُعِيدُنَا لِلْمَسْأَلَةِ الأُولَى، وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ كَوْنُ جَوَازِ تَسْمِيَةِ العَمِّ بِالأَبِ فِي مَوَاضِعَ دَلِيلٌ أَنَّهُ حَيْثُمَا وُجِدَتْ كَلِمَةُ "أَبٍ" فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَسْتَبْدِلَهَا بِـ"عَمٍّ"، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ السِّيَاقِ وَطَرِيقَةِ الذِّكْرِ حَتَّى يَسْتَقِيمَ المَعْنَى؛ وَلَيْسَ اسْتِقَامَتُهُ لُغَةً يَلْزَمُ مِنْهَا بِالضَّرُورَةِ اسْتِقَامَتُهُ مَعْنًى، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مِنِ اتِّهَامِ المُتَكَلِّمِ بِمَا لَا يَلِيقُ .

ثُمَّ إِنَّ اسْتِعْمَالَ عِبَارَةِ التَّوْكِيدِ "إِنَّ" دَلِيلٌ عَلَى إِرَادَةِ الحَقِيقَةِ .

الخَاتِمَةُ
نُلَاحِظُ مِنِ اسْتِعْرَاضِنَا حُجَجَ القَوْمِ فِيمَا سَبَقَ أُمُورًا:

تَقْدِيمُ الظَّنِّ عَلَى النَّصِّ: فَنُلَاحِظُ أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ دَلِيلًا وَلَا نَصًّا يَرُدُّونَ بِهِ مَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ، وَلَيْسَ لَهُمْ إِلَّا إِثَارَةُ الشُّبُهَاتِ عَلَى الأَدِلَّةِ، وَهَذِهِ عَلَامَةُ أَهْلِ الهَوَى .

الخِلَافُ: فَكُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ يَنْقَسِمُ لِفَرِيقَيْنِ، وَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ فِرَقٌ عِدَّةٌ. فَتَذَكَّرْ قَوْلَ الإِمَامِ أَحْمَدَ -رَحِمَهُ اللهُ-: "فَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي الْكِتَابِ، مُخَالِفُونَ لِلْكِتَابِ، مُجْمِعُونَ عَلَى مُفَارَقَةِ الْكِتَابِ، يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ وَفِي اللَّهِ وَفِي كِتَابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، يَتَكَلَّمُونَ بِالْمُتَشَابِهِ مِنَ الْكَلَامِ، وَيَخْدَعُونَ جُهَّالَ النَّاسِ بِمَا يُشَبِّهُونَ عَلَيْهِمْ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتَنِ الضَّالِّينَ" .

ثم تجدهم يلجؤون لحيلة ظاهرية فيقولون من من السلف قال بمثل قول هذا أن الله يبغض أبوي النبي ﷺ أو أن النبي ﷺ يبغضهما يدعي بذلك أنه المتبع للسلف الذي لا يقول حرفا إلا إن قالوه وأنه الذي لا يحك رأسه إلا بأثر وهو الذي خالف السلف جميعا لما نفى أن يكون أبوي النبي ﷺ في النار ولما رد حديث رسول الله ﷺ بغير برهان وقد قدمنا من الأدلى ما فيه غنى لكن نزيد فنقول ومتى كان الناس في زمن السلف يلعنون من يقول أن أبوي النبي ﷺ في النار وقد ثبت أن السلف كانوا يظهرون عبارات وأقوالا إذا أظهر أهل البدع شيئا حتى يمتاز السني من البدعي كقولهم بائن من خلقه وبحد لما أظهر الجهمية أنهم لا ينكرون أن الله فوق العرش فكان السلف يمتحنونهم بهذه العبارات

ثم نقول للقوم إن لم يكن عندك دليل على رد المعنى الذي قاله الرجل فغاية أمركم أن تعترضوا على ألفاظه وطريقته وليس هذا بمسوغ لكم ما تفعلونه معه لكنكم ظلمة فجرة بين جهمي صوفي محترق وسروري حركي منافق وأصحاب ضغائن وعداوات شخصية مع الرجل والله الكافي من كل ظالم

التَّأَثُّرُ فِي كَلَامِهِمْ بِفِرَقٍ ضَالَّةٍ: فَتَأَثَّرَ السَّلَفِيُّ بِطَرِيقَةِ الأَشْعَرِيَّةِ وَالجَهْمِيَّةِ فِي التَّأْوِيلِ، وَتَأَثَّرَ الأَشْعَرِيُّ بِأُصُولِ الرَّافِضَةِ فِي القَوْلِ بِنَجَاةِ جَمِيعِ آبَاءِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهَلُمَّ جَرًّا. كُلُّ فِرْقَةٍ تَسْتَعِيرُ ضَلَالَ فِرْقَةٍ أُخْرَى لِتَنْصُرَ هَوَاهَا .

وَاللهُ المُسْتَعَانُ، وَهُوَ المَسْؤُولُ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِتَرْكِ الهَوَى وَاتِّبَاعِ كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ ..

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم