الرد على اتهام احمد بن حنبل أنه يجيز الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم


أولا بطلان هذه الرواية عن أحمد

الرواية ليست في جواز الحلف أصلا بل في الكفارة في اليمين وانعقادها وهو أمر سنبينه في المحور الثاني

ومع ذلك هذه الرواية منقولة عن أحمد بلا إسناد في زمن متأخر ولم يذكرها أحد من متقدمي الحنابلة وأول من ذكرها رجلين توفيا في أوائل المئة السادسة

تنبيه ثم تبين لنا أنه ذكرها قبلهما أبو يعلى في كتابه التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمة برقم المسألة ١٧١ وهو متقدم عليهما

وهما أبو بكر الشاشي و أبو الخطاب الكلوذاني

قال أبو بكر الشاشي

فإن حلف بالنبي ﷺ، وحنث، لم تجب عليه الكفارة، وبه قال أبو حنيفة.

وقال أحمد: تنعقد به يمين توجب الكفارة

حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء - ط الرسالة الحديثة ٧/‏٢٥٢ — الشاشي، أبو بكر (ت ٥٠٧).

وقال أبو الخطاب الكلوذاني

وإنْ حَلَفَ بِصفَاتِ الفعلِ مِثلُ قَولِهِ: وَخَلقِ اللهِ ورِّزقِ اللهِ ومَعلومِ اللهِ لا فَعلتُ فَليسَ بِيَمينٍ، فَإنْ قَالَ: وَحَقِّ رَسولِ اللهِ لا فَعلتُ وَحَنثَ فَقالَ في رِّوايةِ أبي طَالبٍ عَلَيهِ كفَّارةٌ

الهداية على مذهب الإمام أحمد ١/‏٥٥٨ — أبو الخطاب الكلوذاني (ت ٥١٠)

وبطلان هذا الكلام عن أحمد عليه دلائل عدة من منصوص أحمد وأصوله و ما روى من أحاديث في المسند

وسنبين أسباب أخرى لضعفها تاليا

رواية أحمد نفسه لأحاديث النهي عن الحلف بغير الله

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ، رَجُلًا يَقُولُ: وَالْكَعْبَةِ فَقَالَ: لَا تَحْلِفْ بِغَيْرِ اللهِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " ‌مَنْ ‌حَلَفَ ‌بِغَيْرِ ‌اللهِ فَقَدْ كَفَرَ وَأَشْرَكَ

[مسند أحمد (10/ 249 ط الرسالة)]

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ، فَقُمْتُ وَتَرَكْتُ رَجُلًا عِنْدَهُ مِنْ كِنْدَةَ، فَأَتَيْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: فَجَاءَ الْكِنْدِيُّ فَزِعًا فَقَالَ: جَاءَ ابْنَ عُمَرَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَحْلِفُ بِالْكَعْبَةِ، فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِ احْلِفْ بِرَبِّ الْكَعْبَةِ، فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تَحْلِفْ بِأَبِيكَ، فَإِنَّهُ مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ "

[مسند أحمد (9/ 422 ط الرسالة)]

حَدَّثَنَا عَتَّابٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ‌مَنْ ‌حَلَفَ ‌بِغَيْرِ ‌اللهِ " فَقَالَ فِيهِ قَوْلًا شَدِيدًا

[مسند أحمد (9/ 249 ط الرسالة)]

حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ: جَلَسْتُ أَنَا وَمُحَمَّدٌ الْكِنْدِيُّ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، ثُمَّ قُمْتُ مِنْ عِنْدِهِ، فَجَلَسْتُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: فَجَاءَ صَاحِبِي وَقَدِ اصْفَرَّ وَجْهُهُ وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ، فَقَالَ: قُمْ إِلَيَّ، قُلْتُ: أَلَمْ أَكُنْ جَالِسًا مَعَكَ السَّاعَةَ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: قُمْ إِلَى صَاحِبِكَ، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ. فَقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ؟ قُلْتُ: وَمَا قَالَ؟ قَالَ: أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَعَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ أَحْلِفَ بِالْكَعْبَةِ؟ قَالَ: وَلِمَ تَحْلِفُ بِالْكَعْبَةِ؟ إِذَا حَلَفْتَ بِالْكَعْبَةِ فَاحْلِفْ بِرَبِّ الْكَعْبَةِ، فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ إِذَا حَلَفَ قَالَ: كَلَّا وَأَبِي فَحَلَفَ بِهَا يَوْمًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تَحْلِفْ بِأَبِيكَ، وَلَا بِغَيْرِ اللهِ فَإِنَّهُ مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ أَشْرَكَ "

[مسند أحمد (9/ 275 ط الرسالة)]

قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، قَالَ: ثنا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي حَلْقَةٍ، فَسَمِعَ رَجُلًا فِي حَلْقَةٍ أُخْرَى وَهُوَ يَقُولُ: لَا وَأَبِي فَرَمَى ابْنُ عُمَرَ بِالْحَصَى، وَقَالَ: " إِنَّهَا كَانَتْ ‌يَمِينَ عُمَرَ، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا، وَقَالَ: «إِنَّهَا شِرْكٌ»

[السنة لأبي بكر بن الخلال (4/ 156)]

فتاوى أحمد الصريحة بعدم الحلف بغير الله

قال إسحاق بن منصور: قُلْتُ: تكره أن يَحلف الرجلُ بعتقٍ أو طلاقٍ أو مشي؟

قال: سبحان اللَّه تعالى مَن لا يكره ذَلِكَ، لا يَحلفُ إلا باللَّهِ .

قال إسحاق: كما قال.

«مسائل الكوسج» (١٧٧٧)

احتجاج أحمد على الجهمية بجواز الحلف بالقرآن أنه غير مخلوق وأن اليمين لا تنعقد بمخلوق

وقلنا للجهمية: لو أن رجلًا حلف بالله الذي لا إله إلا هو كاذبًا كان لا يحنث، لأنه حلف بشيء مخلوق، ولم يحلف بالخالق، ففضحه الله في هذه.

وقلنا له: أليس النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء من بعدهم، والحكام والقضاة، إنما كانوا يحلفون الناس بالله الذي لا إله إلا هو؟ فكانوا في مذهبهم مخطئين، إنما كان ينبغي للنبي ﵇ ولمن بعده في مذهبكم أن يحلفوا بالذي اسمه الله، وإذا أرادوا أن يقولوا: لا إله إلا الله. يقولون: لا إله إلا الذي خلق الله، وإلا لم يصح توحيدهم، ففضحه الله بما ادعى من الكذب على الله.

الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد ت صبري ١/‏١١٤ — أحمد بن حنبل (ت ٢٤١)

قال الإمام أحمد في رسالته إلى الأنطاكي

وجبوا على من حلف بالقرآن كل آية يمين.

حدثونا عن هشيم قال: ثنا أبو بشر، وعون، عن الحسن قال: قالّ رسول الله ﷺ: «من حلف بسورة من القرآن بكل آية يمين»

وحدثونا عن هشيم قال: أنبأ مغيرة، عن إبراهيم أنه كان يقول: من حلف بسورة من القرآن بكل آية يمين

وقد روي عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن مرة، عن أبي كنف، عن عبد اللَّه بن مسعود أنه سمع رجلا يحلف بسورة البقرة، فقال: أما إن عليه بكل آية يمينا.

فهذا خلاف ما قاله هؤلاء الجهمية الشكاك، هؤلاء إذا قالوا: إنه مخلوق، وهؤلاء إذا شكوا فيه،

السنة لأبي بكر بن الخلال ٦/‏٨٧ — أبو بكر الخلال (ت ٣١١)

عدم ذكر متقدمي الحنابلة لهذا القول عن أحمد ونقل جميع من سبق الكلوذاني والشاشي الإجماع على حرمة الحلف بغير الله

قال الخرقي في مختصره

واليمين المكفرة أن يحلف بالله أو باسم من أسمائه أو بآية من القرآن أو بصدقة ملكه أو بالحج أو بالعهد أو بالخروج عن الإسلام أو بتحريم مملوكه أو بشيء من ماله أو بنحر ولده أو يقول اقسم بالله أو اشهد بالله أو أعزم بالله أو بأمانة الله.

لو حلف بهذه الأيمان كلها على شيء واحد فحنث لزمته كفارة واحدة ولو حلف على شيء واحد بيمينين مختلفي الكفارة لزمه في كل واحدة اليمينين كفارتها.

ولو حلف بحق القرآن لزمته بكل آية كفارة يمين وقد روي عن أبي عبد الله فيمن حلف بنحر ولده روايتان أحدهما كفارة يمين والأخرى يذبح كبشا ومن حلف بتحريم زوجته لزمه ما يلزم المظاهر نوى الطلاق أو لم ينوه ومن حلف بعتق ما يملك فحنث عتق عليه كل ما يملك من عبيده وإمائه ومدبريه وأمهات أولاده ومكاتبيه وشقص يملكه من مملوكه ومن حلف فهو مخير في الكفارة قبل الحنث أو بعده سواء كانت الكفارة صوما أو غيره إلا في الظهار أو الحرام فعليه الكفارة قبل الحنث.

مختصر الخرقى ١/‏١٤٩ — الخرقي (ت ٣٣٤)

فلم يذكر شيئا عن الحلف بالنبي ﷺ لا بالجزم ولا بالتمريض

قال ابن عبد البر في التمهيد

أجمعَ العُلماءُ على أنَّ اليمينَ بغيرِ اللّه مَكْرُوهةٌ، مَنْهيٌّ عنها، لا يجُوزُ الحَلِفُ بها لأحدٍ.

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ٩/‏٢٥٦ — ابن عبد البر (ت ٤٦٣)

قال ابن حزم في مراتب الإجماع

وَاتَّفَقُوا أَن من حلف مِمَّن ذكرنَا بِحَق زيد أَو عَمْرو أَو بِحَق أَبِيه أَنه آثم وَلَا كَفَّارَة عَلَيْهِ

وَاخْتلفُوا ان حلف بِشَيْء من غير أَسمَاء الله أَو بنحر وَلَده أَو هَدْيه أَو نحر أَجْنَبِي أَو هَدْيه أَو بالمصحف أَو بِالْقُرْآنِ أَو بِنذر أخرجه مخرج الْيَمين أَو بِأَنَّهُ مُخَالف لدين الإسلام أَو بِطَلَاق أَو بظهار أَو بِتَحْرِيم شَيْء من مَاله أَو مِمَّا أحل الله أَو قَالَ على يَمِين أَو قَالَ علم الله أَو قَالَ لَا يحل لي أَو قَالَ عَليّ لعنة الله أَو أخزاني الله أَو أهلكني الله أَو قطع الله يَدي أَو يقطع صلبه أَو باي شَيْء من فعل الله تَعَالَى أخرجه مخرج الْيَمين أيكفر أم لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ وان خَالف مَا حلف عَنهُ

مراتب الإجماع ١/‏١٥٨ — ابن حزم (ت ٤٥٦)

فلم يذكر شيئا عن خلاف في الحلف بالنبي ﷺ

تضعيف ابن تيمية لهذه الرواية

وَإِنَّمَا نَعْرِفُ النِّزَاعَ فِي الْحَلِفِ بِالْأَنْبِيَاءِ فَعَنْ أَحْمَدَ فِي الْحَلِفِ بِالنَّبِيِّ ﷺ رِوَايَتَانِ. إحْدَاهُمَا لَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ. وَالثَّانِيَةُ يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ وَاخْتَارَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كَالْقَاضِي وَأَتْبَاعِهِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَافَقَ هَؤُلَاءِ. وَقَصَرَ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ النِّزَاعَ فِي ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً وَعَدَّى ابْنُ عَقِيلٍ هَذَا الْحُكْمَ إلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ. وَإِيجَابُ الْكَفَّارَةِ بِالْحَلِفِ بِمَخْلُوقِ وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا قَوْلٌ ضَعِيفٌ فِي الْغَايَةِ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ وَالنُّصُوصِ

مجموع الفتاوى ١/‏٢٠٤ — ابن تيمية (ت ٧٢٨)

فابن تيمية يرى أن هذه الرواية مخالفة لأصول أحمد وللمنصوص عنه

وقال أيضا

وأصل القول بانعقاد اليمين بالنبي ضعيف شاذ، ولم يقل به أحد من العلماء فيما نعلم، والذي عليه الجمهور كمالك والشافعي وأبي حنيفة أنه لا ينعقد اليمين به، كإحدى الروايتين عن أحمد، وهذا هو الصحيح

قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ١/‏٢٩٦ — ابن تيمية (ت ٧٢٨)

ثانيا على فرض صحة الرواية فليس فيها أن أحمد يرى الجواز

وذلك أنه قد يرى العالم حرمة يمين معين لكنه يرى وجوب الكفارة لمن حنث بعدها أو يراها منعقدة

وقد نقل ابن عبد البر الخلاف في ذلك بعدما نقل الإجماع على حرمة الحلف بغير الله وهذا وجه نورده تنزلا لأننا كما أسلفنا فأصول أحمد ومنصوصه على أن الحلف بغير الله لا يجوز والحلف بمخلوق لا ينعقد

قال أبو عُمر: أجمعَ العُلماءُ على أنَّ اليمينَ بغيرِ اللّه مَكْرُوهةٌ، مَنْهيٌّ عنها، لا يجُوزُ الحَلِفُ بها لأحدٍ.

واختَلَفُوا في الكفّارة، هل تجِبُ على من حلَفَ بغيرِ اللّه فحَنِثَ؟ فأوْجَبها بعضُهُم، في أشياءَ يطُولُ ذِكرُها، وأبَى بعضُهُم من إيجابِ الكفّارةِ على من حنِثَ في يَمينِهِ بغيرِ اللّه، وهُو الصَّوابُ عندَنا، والحمدُ للّه.

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ٩/‏٢٥٦ — ابن عبد البر (ت ٤٦٣)

ومن أمثلة ذلك عن أحمد أنه لا يجيز الحلف بالعتاق والطلاق

قال إسحاق بن منصور: قُلْتُ: تكره أن يَحلف الرجلُ بعتقٍ أو طلاقٍ أو مشي؟

قال: سبحان اللَّه تعالى مَن لا يكره ذَلِكَ، لا يَحلفُ إلا باللَّهِ ﷿.

قال إسحاق: كما قال.

«مسائل الكوسج» (١٧٧٧)

ومع ذلك فهو يرى أن هذا يقع وأن من حلف بطلاق فحنث لزمه الطلاق

قال صالح بن أحمد بن حنبل سَأَلت أبي عَن رجل حلف بِالطَّلَاق مَا فعل كَذَا وَكَذَا وَمَا فِي نِيَّته كَذَا وَكَذَا وَهُوَ يرى أَنه على مَا حلف وَنسي وَكَانَ على خلاف مَا حلف أيلزمه الطَّلَاق قَالَ أبي لَو كَانَ هَذَا الْحَالِف حلف بِمَا يكفر كنت أَرْجُو أَن لَا تلْزمهُ الْكَفَّارَة فَأَما الطَّلَاق وَالْعتاق فَإِنَّهُمَا لَا يكفران وأخاف أَن يكون هَذَا حانثا فِيمَا حلف عَلَيْهِ

مسائل الإمام أحمد رواية ابنه أبي الفضل صالح ١/‏٢٨٥

قال ابن بطة: حدثني أبو بكر محمد بن أيوب قال: سمعت إبراهيم الحربي يقول: سئل أحمد بن حنبل عن رجل حلف بالطلاق أنه لا بد أن يطأ امرأته الليلة، فوجدها حائضًا؟

فقال: تطلق منه امرأته ولا يطؤها؛ اللَّه أباح الطلاق وحرم وطء الحائض.

«إبطال الحيل» ص ١٣٣

وسئل في رواية أبي طالب في رجل نذر أن يطلق امرأته؟

فقال: لا يطلق ويكفر.

قيل له: هو معصية؟

قال: وأي شيء من المعصية أكثر من الطلاق إذا طلقها فقد أهلكها.

«الروايتين والوجهين» ٢/ ١٤٤

قال: وإذا قال: امرأته كذا وكذا -يسمي الطلاق- فحنث في يمينه، فإن ذلك يلزمه الطلاق والعتاق؛ لأن الطلاق والعتاق لا كفارة فيهما.

«مسائل صالح» (٣٣٥)

ومن أمثلة ذلك أيضا من يحلف بقوله أنا بريئ من الإسلام لو كان كذا وكذا فحنث وهذا يمين منهي عنه بحديث عن النبي ﷺ رواه أحمد وأحمد يحرمه ومع ذلك يرى الكفارى لمن حنث في هذا اليمين

قال أحمد في المسند حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ مِنْ كِتَابِهِ، حَدَّثَنِي حُسَيْنٌ، حَدَّثَنِي ابْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:» مَنْ حَلَفَ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا

مسند أحمد - ط الرسالة ٣٨/‏١١٧ — أحمد بن حنبل (ت ٢٤١)

ولكن أحمد وعدد من الصحابة والتابعين يرون هذه يمينا منعقدة

قال إسحاق بن منصور: قُلْتُ: الرجلُ يقولُ: كَفَر باللَّه أو أشرك باللَّه تعالى ثم يحنثُ؟

قال: كلما أراد به اليمين فكفارة يمين على حديث أبي رافع.

قال إسحاق: كما قال، وعلى الإمامِ أن يؤدِّبَه كما فعلَ عمر بن عبد العزيز .

«مسائل الكوسج» (١٧٦٣).

قال ابن هانئ: وسئل عن الرجل يقول: أنا يهودي، أنا نصراني، إن عملت كذا وكذا؟

قال: يستغفر اللَّه ، وعليه كفارة يمين.

«مسائل ابن هانئ» (١٥٠٢).

نقل حنبل عن مالك: أنه يقول في الرجل يقول: أكفر باللَّه أو أشرك باللَّه ثم يحنث: عليه كفارة ويستغفر اللَّه.

قال أحمد: أحب إليَّ أن يكفر ويستغفر اللَّه.

«الروايتين والوجهين» ٣/ ٤٣، «المغني» ١٣/ ٤٦٤.

أقول بل وقال ابن قدامة في المغني وأبو عمر في الشرح الكبير بعد ردهما للقول بأن اليمين تنعفد بالنبي ﷺ أن الكفارة في هذا اليمين محمولة على الاستحباب لا الوجوب وفي ذلك شك بانعقاد هذا اليمين كذلك

قال ابن قدامة

وقال أصحابُنا: الحَلِفُ برسولِ اللَّه ﷺ يَمِينٌ مُوجِبَة للكَفَّارَةِ. ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: إذا حَلَفَ بحَقِّ رسولِ اللَّه ﷺ، فحَنِثَ، فعليه الكَفَّارَةُ. قال أصحابُنا: لأنَّه أحدُ شَرْطَى الشَّهادَةِ، فالحَلِفُ به مُوجِبٌ للكَفَّارَةِ، كالحَلِفِ باسْمِ اللَّه تعالى. وَوَجْه الأَوّلِ، قَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ: «مَنْ كَانَ حَالِفًا، فلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ، أو ليَصْمُتْ» . ولأنَّه حلِفٌ بغيرِ اللَّهِ، فلم يُوجِب الكفَّارَةَ، كسائرِ الأَنبياءِ، ولأنَّه مخلوقٌ، فلم تجِب الكَفَّارَةُ بالحَلِفِ به، كإبراهيمَ ، ولأَنَّه ليس بمَنْصُوصٍ عليه، ولا فى مَعْنَى المَنْصُوصِ، ولا يصِحُّ قياسُ اسمِ غيرِ اللَّهِ على اسْمِه؛ لعَدَمِ الشَّبَهِ، وانْتِفاءِ المُماثَلَةِ. وكلامُ أحمد فى هذا يُحْمَلُ على الاسْتِحْبابِ دونَ الإِيجابِ.

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي ٢٧/‏٤٦٧ — ابن أبي عمر (ت ٦٨٢)

المغني لابن قدامة - ت التركي ١٣/‏٤٧٢ — ابن قدامة (ت ٦٢٠)

ثالثا صيغة الحلف وتعلقها بأفعال الله عز وجل دون ذات النبي ﷺ

إن صيغة اليمين الواردة في هذه الرواية هي الحلف بحق النبي ﷺ وهذا له تعلق بأفعال الله عز وجل التي يجوز الحلف بها وينعقد اليمين وسأنقل هنا مقال أبي جعفر الخليفي في هذا الأمر كاملا

يقول أبو جعفر

هل صح عن الإمام أحمد أنه أجاز الحلف بالنبي ﷺ أو حكم بانعقاده؟

هذا خطأ مشهور وقد وقع فيه عدد من الأصحاب المتأخرين والأمر هنا يثير التعجب

إذ لو كان الإمام أحمد يجيز الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم أو يرى ذلك يمينا منعقدة تجب بها الكفارة لبطل استدلال مشهور جدا في كتب المتقدمين حنابلة وغيرهم على أن القرآن غير مخلوق

وهو استدلالهم بالأثر المروي عن ابن مسعود : من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين .

قالوا : ولو كان القرآن مخلوقا لما انعقد به اليمين لأن اليمين لا تنعقد بمخلوق

وممن استدل بهذا الاستدلال ابن بطة الحنبلي في الإبانة حيث قال : أوليس قد أوجب عبد الله بن مسعود رحمه الله على من حلف بالقرآن بكل آية كفارة؟ فهل يجب على من حلف بمخلوق كفارة؟

وبهذا الاستدلال استدل ابن تيمية في التسعينية واستدل بذلك اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة وهو حافظ كبير مطلع ، علما أن الشيخ تقي الدين قرر في عدة مواطن وجود الخلاف وذلك عندي محمول على المجاراة

فَلَو كان فَقِيه جليل كالإمام أحمد رأى انعقاد اليمين بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو مخلوق لما استقام الاستدلال لأنه في وقتها يقول الجهمي قد أجاز أحد كبار علمائكم انعقاد اليمين بمخلوق

وإذا نظرنا في روايات أحمد المشهورة في باب الحلف بغير الله لوجدناه يكره ( كراهية تحريمية ) الحلف بغير الله بشكل واضح

قال إسحاق بن منصور: قلت: تكره أن يحلف الرجل بعتق أو طلاق أو مشي؟

قال: سبحان الله تعالى من لا يكره ذلك، لا يحلف إلا بالله عز وجل.

قال إسحاق: كما قال.

"مسائل الكوسج" (1777)

لاحظ قوله ( من لا يكره هذا ) ثم علل بأنه لا يحلف بغير الله فكأنه ينقل الاتفاق على عدم جواز الحلف بغير الله فقوله (لا يحلف إلا بالله ) قام مقام التعليل لقوله : ( من لا يكره هذا )

ولما تكلم الترمذي عن مسألة الحلف بغير الله ما نقل خلافا في شأن النبي صلى الله عليه وسلم وقد خرج أحمد والترمذي حديث من حلف بغير الله فقد أشرك وما رأوْا نكارة في متنه ولو كان يدخل في مضامينه الحكم بشركية مباح لاعتبرت نكارته وقد استنكر الإمام حديث ( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ) بما ذكر من دية القتل الخطأ

وقال الحجاوي في الإقناع : ويحرم الحلف بغير الله وصفاته ولو بنبي لأنه شرك في تعظيم الله فإن فعله - استغفر وتاب ولا كفارة في اليمين به ولو كان الحلف برسول الله صلى الله عليه وسلم: سواء أضافه إلى الله كقوله: ومعلوم الله وخلقه ورزقه وبيته أو لم يضفه مثل والكعبة والنبي وأبى وغير ذلك ويكره بطلاق وعتاق.

فما قصة الحلف برسول الله إذن ومن أين دخل الاشتباه ؟

نقل عنه أبو طالب فيمن حلف بحق رسول الله وجبت عليه الكفارة.

"المبدع" 9/ 364

فالأمر في الحلف ( بحق رسول الله ) فهل هي رواية أخرى شذت عن كلام الجمهور وبقية كلام الإمام أم لها تخريج ؟.

الأمر كما تلاحظ حلف ب( حق رسول الله ) وليس ( رسول الله )

وقد ذكر شيخ الإسلام في قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة أن هذا التركيب قد يعنى به فعل الله غير المخلوق

قال الشيخ في قاعدة جليلة : أما قول القائل: أسألك بحق السائلين عليك، فإنه قد روي في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه ابن ماجه، لكن لا يقوم بإسناده حجة، وإن صح هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم كان معناه: أن حق السائلين على الله أن يجيبهم، وحق العابدين له أن يثيبهم، وهو كتب ذلك على نفسه، كما قال: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة:186]، فهذا سؤال الله بما أوجبه على نفسه كقول القائلين: {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك} [آل عمران:194]، وكدعاء الثلاثة الذين أووا إلى الغار لما سألوه بأعمالهم الصالحة التي وعدهم أن يثيبهم عليها.

وأحسب أنه بهذا يجمع فيقال حق رسول الله المقصود الذي قيل بانعقاد اليمين به هو ما وعده الله به من الإجابة أو ما خصه به من الإكرام فيكون حلفا بصفة من صفات الله عز وجل على الحقيقة وبهذا يتسق الكلام ويزول الإشكال خصوصا وأنك لو نظرت في استدلالات الأصحاب في عدم انعقاد اليمين بالحلف بغير الله ستجدها متضمنة للنبي صلى الله عليه وسلم وإخراجه من الأدلة محض تحكم لا بينة فيه ولهذا ما اختاره شيخ الإسلام وابن منجا هو الحق الذي لا مناص عنه وقال ابن قدامة في المغني : فصل: ولا يجوز الحلف بغير الله تعالى، وصفاته، نحو أن يحلف بأبيه، أو الكعبة، أو صحابي، أو إمام قال الشافعي: أخشى أن يكون معصية. قال ابن عبد البر: وهذا أصل مجمع عليه.

وقال في أمر الحلف بالنبي : فلم يوجب الكفارة، كسائر الأنبياء، ولأنه مخلوق، فلم تجب الكفارة بالحلف به، كإبراهيم - عليه السلام - ولأنه ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص، ولا يصح قياس اسم غير الله على اسمه؛ لعدم الشبه، وانتفاء المماثلة. وكلام أحمد في هذا يحمل على الاستحباب دون الإيجاب.

انتهى كلام أبي جعفر

أقول وقد يقوي هذا التوجيه للرواية أن أبا الخطاب الكلوذاني ذكرها صمن صيغ الحلف بصفات الفعل لله

هذا وبالله التوفيق




*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم