دين العواتق وبراءة ابن هرمز كيف حذر مالك من علم الكلام

ذكر ابن أبي زيد -رحمه الله- قولًا لمالك في مدح قلة الكلام وهو: «وكان ابن هرمز قليل الكلام، قليل الفتيا، وكان ممن أحب أن أقتدي به، وكان بصيرًا بالكلام وكان يرد على أهل الأهواء، وكان أعلم الناس بما اختلف الناس فيه من ذلك». أهـ


وكلام مالك واضح في أنه في حُسن الكلام وإتقان العربية وما إلى ذلك، إلا أن الأشعرية ما فتئوا كلما رأوا لفظة "الكلام" إلا ونسبوها إلى علم الكلام ومدحِ مالك له؛ فقد ذكر ابن عساكر هذه الرواية محتجًا بها على جواز تعلم الكلام، وقال البيهقي: «وقد كان من السلف من يشرع في علم الكلام ويرد به على أهل الأهواء»، ثم ذكر هذه الرواية.


وهذا واللهِ فيه من التكلف ومن سوء البصيرة ما فيه، ونرد عليهم بخمس نقاط على استعجال:


 أولًا: ذم السلف لعلم الكلام الخالي من التجهم


قال اللالكائي: قال أبو محمد -يعني ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية-: وسمعت أبي وأبا زرعة يأمران بهجران أهل الزيغ والبدع، ويغلظان في ذلك أشد التغليظ، وينكران وضع الكتب برأي في غير آثار، وينهيان عن مجالسة أهل الكلام والنظر في كتب المتكلمين، ويقولان: «لا يفلح صاحب كلام أبدًا». قال أبو محمد: «وبه أقول أنا». وقال أبو علي بن حبيش المقرئ: «وبه أقول». وقال شيخنا ابن المظفر: «وبه أقول». وقال شيخنا -يعني المصنف-: «وبه أقول». وقال الطريثيثي: «وبه أقول». وقال شيخنا السلفي: «وبه نقول».


قال ابن بطة: قال -يعني الإمام أحمد-: «صاحب كلام لا يفلح، مَن تعاطى الكلام لم يخلُ من أن يتجهم»، وقال: «ما كان الله ليدعه حتى يبين أمره» -وهو يقصد سليمان التيمي حين تُكُلِّم فيه-.

وقال: «ليس قوم عندي خيرًا من أهل الحديث؛ لا يعرفون الكلام».

وقال ابن بطة: وأُخبِرتُ عن أبي عمران الأصبهاني قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: «لا تجالس صاحب كلام وإن ذبَّ عن السنة؛ فإنه لا يؤول أمره إلى خير».


قال ابن عبد البر والحافظ أبو الفضل الرازي: وذكر الساجي عن أبي ثور قال: قلت للشافعي -رحمه الله-: ضع في الكلام شيئًا، فقال: «مَن تردى في الكلام لم يفلح»، ورواه الهروي بإسناد صحيح كما عند ابن المبرد.


ثانيًا: ذم مالك الكلام في الدين بغير القرآن والسنة


قال اللالكائي: قال مصعب: «رأيت أهل بلدنا -يعني أهل المدينة- ينهون عن الكلام في الدين».

قال مصعب: وبلغني عن مالك بن أنس أنه كان يقول: «الكلام في الدين كله أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه؛ القدر، ورأي جهم، وكل ما أشبهه. ولا أحب الكلام إلا فيما كان تحته عمل، فأما الكلام في الله فالسكوت عنه؛ لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا ما كان تحته عمل».


قال الأبهري: قال مالك: «الإيمان: القول والعمل»، إنما قال: «إن الإيمان يزيد»؛ لأن الله تعالى قد ذكر زيادته في غير موضع، فقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وقال: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١].

فأما نقصانه؛ فقد كره مالك الكلام فيه؛ لأنه لم يرَ له ذكر نقصان في كتاب الله عز وجل، ولا سنة رسوله ﷺ.

**قلتُ:** لكن مالك صرح بالنقصان في مواضع عتى لا تنتحله المرجئة فقد سكت ورعا وتكلم ورعا حين اقتضت الحاجة كما روى عبد الله بن نافع -رحمه الله-، ومرادنا من ذكر هذا أن مالكًا لم يُجوِّز لنفسه الكلام بشيء لم يَرِد بالقرآن أو السنة.


ثالثًا: ذم مالك للجدل والمراء في الدين لا سيما الاعتقاد


قال اللالكائي: أخبرنا الحسن، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن سعيد الجمال، قال: سمعت محمد بن حاتم بن بزيغ، قال: سمعت ابن الطباع يقول: جاء رجل إلى مالك بن أنس فسأله فقال: قال رسول الله ﷺ كذا، فقال: «أرأيت لو كان كذا؟» فقال مالك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. قال: فقال مالك: «أوكلما جاء رجل أجدل من الآخر، رُدَّ ما أنزل جبريل على محمد ﷺ؟».


أخبرنا الحسن بن عثمان، أخبرنا محمد بن أحمد بن الحسن الشرقي، قال: حدثنا جعفر بن محمد، قال: حدثنا الحسن بن علي الحلواني، قال: سمعت إسحاق بن عيسى يقول: قال مالك بن أنس: «كلما جاءنا رجل أجدل من رجل، تركنا ما نزل به جبريل على محمد ﷺ لجدله».


قال الآجري في الشريعة: وحدثنا الفريابي أيضًا قال: حدثني إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال: حدثنا معن بن عيسى، قال: انصرف مالك بن أنس يومًا من المسجد وهو متكئ على يدي، فلحقه رجل يقال له: أبو الجويرية -وكان يُتهم بالإرجاء-، فقال: يا أبا عبد الله، اسمع مني شيئًا أكلمك به وأحاجك وأخبرك برأيي، قال: «فإن غلبتني؟» قال: إن غلبتك اتبعتني، قال: «فإن جاء رجل آخر فكلمنا فغلبنا؟» قال: نتبعه، قال مالك -رحمه الله-: «يا عبد الله، بعث الله عز وجل محمدًا ﷺ بدين واحد، وأراك تنتقل من دين إلى دين». وقال عمر بن عبد العزيز: «مَن جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل».


قال ابن بطة في الإبانة الكبرى: حدثنا القافلائي، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: أخبرني أصبغ بن الفرج، قال: أخبرني ابن وهب، قال: سمعت مالكًا يقول: «كان ذلك الرجل إذا جاءه بعض هؤلاء أصحاب الأهواء قال: أما أنا فعلى بينة من ربي، وأما أنت فشاكٌّ، فاذهب إلى شاكٍّ مثلك فخاصمه». قال مالك: وقال ذلك الرجل: «يلبسون على أنفسهم، ثم يطلبون مَنْ يعرِّفهم».


وقال: حدثني أبو صالح، قال: حدثنا أبو الأحوص، قال: حدثنا سليمان بن داود، قال: حدثنا ابن وهب، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: «المراء في العلم يقسي القلب، ويورث الضغن».


 رابعًا: نهي مالك والمالكية عن علم الكلام


قال الهروي في ذم الكلام: أخبرني طيب بن أحمد، أخبرنا محمد بن الحسين، حدثنا محمد بن جعفر بن مطر، سمعت شَكَرَ يقول: سمعت أبا سعيد البصري يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: دخلت على مالك وعنده رجل يسأله عن القرآن، فقال: «لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد؟ لعن الله عمرًا؛ فإنه ابتدع هذه البدع من الكلام، ولو كان الكلام علمًا لتكلم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام والشرائع، ولكنه باطل يدل على باطل».


قال ابن بطة: حدثنا القافلائي، قال: حدثنا الصاغاني، قال: أخبرني أصبغ بن الفرج، قال: أخبرني ابن وهب، قال: سمعت مالكًا يقول: قال رجل: «لقد دخلت في هذه الأديان كلها، فلم أرَ شيئًا مستقيمًا»، فقال رجل من المدينة من المتكلمين: «فأنا أخبرك لِمَ ذلك؛ لأنك لا تتقي الله، فلو كنت تتقي الله لجعل لك من أمرك مخرجًا».


قال الأبهري: وكان مالك يكره الخوض في الكلام والجدال في الدين، وقال: «الجدال في الدين يقسي القلب».


قال ابن خويز منداد البصري: قال مالك: «لا تجوز الإجارة في شيء من كتب أهل الأهواء والبدع والتنجيم» وذكر كتبًا ثم قال: «وكتب أهل الأهواء والبدع عند أصحابنا هي كتب أصحاب الكلام من المعتزلة وغيرهم، وتفسخ الإجارة في ذلك، وكذلك كتب القضاء بالنجوم وعزائم الجن وما أشبه ذلك».

وقال في كتاب الشهادات في تأويل قول مالك (لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء): «أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام؛ فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع، أشعريًا كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام، ويهجر ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها».


قال ابن عبد البر: «أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يُعَدُّون عند الجميع في طبقات الفقهاء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم».


وفي قصة أبي عمر بن سعدي القرطبي ومجالس الكلام في بغداد، وذم ابن أبي زيد لهذه المجالس وأنكرها كما روى نصر بن إبراهيم في الحجة، وقد ذم ابن أبي زيد أهل الكلام غير مرة في كتبه، وأنهم يردون الآثار.


وأبو الحسن القابسي ذكر في كتابه: أن الاعتماد على السمع، وأن الكلام والجدال مذموم.


خامسًا: أن ابن هرمز نفسه لم يكن عارفًا بالكلام وكان يدعو لما عليه العامة


*(خلاف ما يدعو إليه جميع أهل الكلام، ويرون أن ما عليه العامة من دون النظر "جهل وتقليد")*


قال الآجري في الشريعة: أخبرنا الفريابي، قال: نا إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: نا أنس بن عياض، قال: أرسل إلي عبد الله بن يزيد بن هرمز فقال: «لقد أدركتُ وما بالمدينة أحد يُتهم بالقدر إلا رجل من جهينة يقال له معبد الجهني، فعليكم بدين العواتق اللائي لا يعرفن إلا الله تعالى».


فكما ترى، هو يدعو لما عليه عوام المسلمين، وهذا مما يستحيل أن يقوله صاحب كلام.


منقول من قناة عبد الرحمن بن صقر العنزي

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم