مسألة في التخريج على قواعد العالم وإن خالفت قوله

 
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد وبعد:
فهذا المقال سيكون إن شاء الله متمما لثلاثية مقالات نشرناها وهي
١- إلزامات أم قياس شبه مشوه
٢- موانع المميعة وصوارف الزنادقة وجهان لعملة واحدة
٢- مسائل في التخريج على أصول العالم بخلاف قوله

فهذه المقالات الثلاثة لو أضفنا لها حلقتنا على اليوتيوب المعنونة "قطع الخيوط الواهية لأكبر شبهة عند عبد العزيز الريس" فمن إطلع عليها ووعاها فسيرى إلزامات المدجنة ودعاوى الإجماع التي يأتون بها مهازل في سوق العلم مع أن هذه المقالات قد تفتقر لكثير من الأمثلة والفائدة ويشوبها النقص أو الضعف في مواضع لكني أحسبها بنيت على أساس متين فكانت نافعة وافية لمقصودها وإنما غرضها فتح أفق طالب العلم للمهازل العلمية التي تقع أمامه والتي قد يقع كثير منها من قبل أشخاص يظن بهم أنهم قامات علمية أو دكاترة أو مشايخ أفنوا أعمارهم في طلب العلم وما هذا إلاﻻحصيلة الهوى والله المستعان


المعنى اللغوي والاصطلاحي

لغة: البروز والظهور وإبراز ما كان خفياً.

اصطلاحاً: بناء الأحكام الفرعية على القواعد الأصولية لبيان وجه استدلال الأئمة ومعرفة أسباب اختلافهم.

والتخريج في أصول الفقه ينقسم لنوعين

١- تخريج الفروع على الأصول: بناء المسائل الفقهية غير المنصوصة على القواعد الأصولية للإمام.

٢- تخريج الأصول من الفروع: استقراء فروع الإمام لاستنباط القواعد الكلية التي بنيت عليها.

وعلى الرغم من أنه قد قيل في كثير من التعريفات أن التخريج على الأصول هو في المسائل غير المنصوصة فهذا إنما يكون في الغالب لكن الحقيقة أن التخريج على الأصول له ثلاث حالات كلها معمول بها عند الفقهاء.


١- التخريج على أصول الإمام في مسألة لا نص له فيها وهذا أكثر أنواع التخريج وأصله أن الإمام ليس له نص أو فتوى في مسألة معينة فيأتي أتباع مذهبه فيستخلصون حكم هذه المسألة من أصوله مثلا أصل عمل أهل المدينة عند مالك أو الاستحسان عند أبي حنيفة أو الاستصحاب عند أحمد أو نفي دلالة الاقتران عند الشافعي فيستخلصون حكم هذه المسألة بناء على هذه الأصول وسواء كانت من الأصول التي اتفقت عليها جميع المذاهب أو ما كان من خصوصية كل مذهب


٢- التخريج على أصول الإمام لترجيح أحد قوليه وهو أن يكون للإمام قولين في المسألة فيعتمد علماء مذهبه على أصوله الكلية لترجيح أحد القولين وهنا ينتبه لأمور وهي أن ما يختلف فيه قول الإمام فالراجح غالبا هو القول المتأخر إن علم وقت القولين لكن هذا لم يمنع كثيرا من الفقهاء من اعتماد التخريج أحيانا وترجيح القول الذي رجع عنه الإمام على قوله الجديد إما لأنهم رأوا القديم أقرب للنصوص والأدلة من الكتاب والسنة 

أو لأنهم وجدوا أن أصول الإمام نفسه وقواعده تقتضي رجحان القول القديم ومثال ذلك ما فعله المزني رحمه الله في مختصره فقد رجح قول الشافعي القديم في مواضع منها


مسألة زكاة الحلي المباح فقد قال المزني بعد نقله كلاما للشافعي في زكاة الحلي:

وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي غَيْرِ كِتَابِ الزَّكَاةِ لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ وَهَذَا أَشْبَهُ بِأَصْلِهِ؛ لِأَنَّ أَصْلُهُ أَنَّ فِي الْمَاشِيَةِ زَكَاةً وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعْمَلِ مِنْهَا زَكَاةٌ فَكَذَلِكَ الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ فِيهِمَا الزَّكَاةُ وَلَيْسَ فِي الْمُسْتَعْمَلِ مِنْهُمَا زَكَاةٌ.اه‍

فنجد هنا أن المزني رحمه الله رجح أحد قولي الشافعي بناء على أصله وإن كان الشافعي في نصه الأخير مال لزكاة الحلي جزما أو بتردد



مسألة طلاق السكران وقال المزني فيها: قال الشافعي وَلَا يَلْزَمُ الْمَغْلُوبَ عَلَى عَقْلِهِ إلَّا مِنْ سُكْرٍ (وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ) فِي ظِهَارِ السَّكْرَانِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا يَلْزَمُهُ. وَالْآخَرُ لَا يَلْزَمُهُ.

(قَالَ الْمُزَنِيّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَلْزَمُهُ أَوْلَى وَأَشْبَهُ بِأَقَاوِيلِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَشْبَهُ بِالْحَقِّ عِنْدِي إذَا كَانَ لَا يُمَيِّزُ.

(قَالَ الْمُزَنِيّ) - رحمه الله - وَعِلَّة جَوَازِ الطَّلَاقِ عِنْدَهُ إرَادَةُ الْمُطَلِّقِ وَلَا طَلَاقَ عِنْدَهُ عَلَى مُكْرَهٍ لِارْتِفَاعِ إرَادَتِهِ وَالسَّكْرَانُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ مَعْنَى مَا يَقُولُ لَا إرَادَةَ لَهُ كَالنَّائِمِ، فَإِنْ قِيلَ: لِأَنَّهُ أَدْخَلَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ قِيلَ: أَوْ لَيْسَ وَإِنْ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ فِي مَعْنَى مَا أَدْخَلَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ ذَهَابِ عَقْلِهِ وَارْتِفَاعِ إرَادَته، وَلَوْ افْتَرَقَ حُكْمُهُمَا فِي الْمَعْنَى الْوَاحِدِ لِاخْتِلَافِ نِسْبَتِهِ مِنْ نَفْسِهِ وَمِنْ غَيْرِهِ لَاخْتَلَفَ حُكْمُ مَنْ جُنَّ بِسَبَبِ نَفْسِهِ وَحُكْمُ مَنْ جُنَّ بِسَبَبٍ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ بِذَلِكَ طَلَاقُ بَعْضِ الْمَجَانِين فَإِنْ قِيلَ: فَفَرْضُ الصَّلَاةِ يَلْزَمُ السَّكْرَانَ وَلَا يَلْزَمُ الْمَجْنُونَ قِيلَ: وَكَذَلِكَ فَرْضُ الصَّلَاةِ يَلْزَمُ النَّائِمَ وَلَا يَلْزَمُ الْمَجْنُونَ فَهَلْ يُجِيزُ طَلَاقَ النَّوْمِ لِوُجُوبِ فَرْضِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ فَإِنْ قِيلَ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْقِلُ قِيلَ: وَكَذَلِكَ طَلَاقُ السَّكْرَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْقِلُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَلَاةٌ حَتَّى يَعْلَمَهَا وَيُرِيدَهَا وَكَذَلِكَ لَا طَلَاقَ لَهُ وَلَا ظِهَارَ حَتَّى يَعْلَمَهُ وَيُرِيدَهُ وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا ارْتَدَّ سَكْرَانُ لَمْ يُسْتَتَبْ فِي سُكْرِهِ وَلَمْ يُقْتَلْ فِيهِ.اه‍

وهذا مبحث بديع فقد خرج المزني على اصول الشافعي ورجح بين قولين وألزمه بأصله في ارتداد السكران عدم وقوع طلاقه ثم بعد ذلك بين المزني أن وقوع الطلاق هو الحق عنده ومثل هذا في كلام المزني كثير في مختصره 


ونحو هذا عمل به كثير من الشافعية فيقول ابن الصلاح مثلا:

كل مسألة فيها قولان، قديم وجديد، فالجديد أصح وعليه الفتوى إلا في نحو عشرين مسألة أو أكثر يفتي فيها على القديم على خلاف في ذلك بين أئمة الأصحاب في أكثرها، وذلك مفرق في مصنفاتهم. ثم قال بعد نقله كلاما للجويني في بعض هذه المسائل فصاروا إلى ذلك في ذلك مع أن القديم لم يبق قولا للشافعي لرجوعه عنه، فيكون اختيارهم إذن للقديم فيها من قبل ما ذكرناه من اختيار أحدهم مذهب غير الشافعي إذا أداه اجتهاده إليه كما سبق، وبل أولى لكون القديم قد كان» قولا له منصوصًا، ويلتحق بذلك ما اختار أحدهم القول المخرج على القول المنصوص، أو اختار من القولين اللذين رجح الشافعي أحدهما غير ما رجحه، وبل أولى من القول القديم، ثم حكم من لم يكن أهلا للتخريج من المتبعين لمذهب الشافعي رضي الله عنه: أن لا يتبعوا شيئًا من اختياراتهم هذه المذكورة، لأنهم مقلدون للشافعي دون من خالفه، والله أعلم.اه‍


فهذا قول ابن الصلاح أن من الشافعية من أفتى بنحو عشرين مسألة رجع عنها الشافعي وظهر لنا من فعل المزني سبب هذا الاعتماد والترجيح فقد يجد العالم أن القول الذي رجع عنه الشافعي هو مقتضى الدليل أو يجد أنه الأليق بأصول الشافعي وقواعده

لكننا نجد الشافعية متشددين في أن هذه الأقوال والتخريجات إنما تنسب لمن قال بها من علماء المذهب ولا تنسب للشافعي بحال وهذا خلافا الحنابلة الذين يتساهلون فيجعل القول المخرج رواية عن أحمد فتجده يقال وعن أحمد روايتان منصوصة ومخرجة

ونجد في رد ابن تيمية على السبكي في مسألة الطلاق سبب هذا الاعتماد على أقوال المجتهدين التي رجعوا عنها فيقول:

ولهذا اختلف الناس في الإمام إذا كان له قولان متقدم ومتأخر، بل كان له قول وصرَّحَ برجوعه عنه، هل يجوز أَنْ يحكى له قولان أو لا يُحكَى عنه إلا القول المتأخر، واختلف في ذلك أصحاب أحمد على قولين؛ منهم من يقول: إنَّ القول القديم لا يجوز أن يجعل مذهبًا له مع رجوعه عنه لا سيما مع تصريحه بالرجوع عنه، ومنهم مَنْ يُفَرِّق بين ما صَرَّح برجوعه عنه وما لم يصرح بذلك، ومنهم من يَحكي له القولين مع تصريحه بالرجوع، ويقول: هو قال ذلك القول باجتهاده وهذا باجتهاده، وقد يكون القول المتقدم هو الصواب الذي يدل عليه الكتاب والسنة.

والعالم ليس كالنبي الذي إذا نسخ قولًا علم قطعًا أن المنسوخ ليس بشرعٍ لله، بل قد يكون القول المتقدم الذي رجع عنه العالم هو دين الله في نفس الأمر.

قالوا: ونحن نذكر أقوال العلماء لنستدل بها على شرع الله ورسوله؛ فإنهم وسائل ووسائط بيننا وبين الرسول - ﷺ -، وإذا جاز أن يكون قوله الأول هو قول الرسول دون الثاني، وجاز أن يكون الثاني هو قول الرسول =لم يمكنا أن نجزم بأن القول الأول باطل في نفس الأمر.

وإذا قال القائل: القول المتقدم ليس هو مذهبه. 

قيل له: إِنْ أردت أنه لم يكن مذهبًا له؛ فهذا غلط، بل كان مذهبًا له في بعض الأوقات، وإن أردت أنه ليس هو مذهبه الذي مات عليه؛ فهذا صحيح، لكن هذا لا يفيدنا أن يكون هو شرع الرسول في نفس الأمر، بل نحن نذكر أنه كان يذهب إلى هذا ثم ذهب إلى نقيضه، فكان هذا قولُه أولًا ثم صار هذا قوله ثانيًا، وإذا رَجَّحَتِ الأدلةُ الشرعيةُ أحدَ القولين رَجَّحْنَا، وإذا كان أشبه بأصوله ونصوصه رَجَّحْنَاه في مذهبه.

ومن لم يكن مقصوده إلا تقليده المحض من غير تصرف لا في مذهبه ولا نظرٍ إلى ما قاله أصحابه وسائر العلماء فإنما يقلده في القول المتأخر، لكن هذا ينبني على جواز تقليد الميت، وفيه للناس قولان؛ والجمهور على جوازه، وليس هذا موضع بسط ذلك.اه‍


وفي هذا الكلام كفاية وهو تأصيل بديع من ابن تيمية كالعادة وخلاصة الكلام أن العام المجتهد ليس معصوما فلا يلزم أن يكون قوله الذي رجع عنه هو الباطل والذي قاله آخر حياته هو الحق فقد يكون قوله الأخير بخلاف الدليل أو لعله يكون بخلاف أصوله فيجوز ترجيح القول الذي رجع عنه في مذهبه من باب التخريج لا من باب نسبة هذا القول له أنه القول الذي مات عليه وإلا فتخطئة المجتهد لاجتهاده السابق بدون دليل واضح من نص قرآني أو سنة أو إجماع لا فرق فيه بين تخطئة مجتهد لمجتهد آخر ونعلم أن قول أحدهما ليس حجة على الآخر فكذلك الاجتهاد الجديد ليس حجة على الاجتهاد القديم


٣- التخريج على أصول الإمام بخلاف قوله وهذا المبحث الأكبر فخلافا للنوع السابق أنت لا ترجح بين أحد قولي العالم نفسه بل أنت تخطئ قوله الذي أفتى به في مسألة ولا يعرف له فتوى تخالفها بناء على أصوله الكلية وهذا النوع من التخريج هو في الحقيقة إلزام لطيف من التابع لإمامه بالتناقض أحيانا وأحيانا أخرى قد يدعي التابع أن هذا التخريج لو كان الإمام حيا في زمنه لغير قوله إما لظهور أدلة كبيرة أو لتغير الحال الذي كانت من أجله الفتوى فمن أمثلة ذلك مثلا أن الإمام مالك قال ببدعية أمور لعدم علمه بالأحاديث والآثار الآمرة بها مثل صيام الست من شوال ومع ذلك نجد المالكية يقولون بسنيتها واستحبابها ولا أحد فيهم يرى نفسه مخالفا لمالك فعنهم أن مالك إما قال بهذا لعدم بلوغه الحديث ولو بلغه لقال به أو أنه نهى عن الصيام المتصل حتى لا يظنها الناس فريضة أو من رمضان وهم يرون أن هذه العلة انتفت بعد ذلك فلم يبق محذور ومن الأمثلة أيضا عند المالكية

أن أبا بكر بن الجهم خالف مالكا في مسألة السهم لفرس أو فرسين فقال:

أنا بريء من هذا القول، فإني رأيت من انتهى إليّ من الفقهاء وأهل الثغور والمجاهدين، يقولون: يسهم لفرسين، وإن صاحب الفرس الواحد شبه بالرجل؛ لأنّ الفرس الواحد لا تؤمن عليه الحوادث، وهي من الاثنين أبعد. قال أبو بكر: ومالك -رحمه الله - لم يجاهد فيشاهد الأمر، ولعلّه ذهب عنه ذلك.اه‍ 

فخالف مالكا في قوله ثم اعتذر له بجهله بحال الجهاد والغزو


وأما الأحناف فنعلم قول أبي يوسف المشهور لو علم صاحبي ما علمت لرجع كما رجعت 

وهذا كان معتمدا عندهم لذلك وجدنا متأخري الأحناف خالفوا أبا حنيفة في مسألة الأجرة على تعليم القرآن لأنهم وجدوا أن منع ذلك فيه ضرر للدين وضياع للعلم ولذلك يقول ابن عابدين الحنفي:

والحاصل أن ما خالف فيه الاصحاب إمامهم الأعظم لا يخرج عن مذهبه إذا رجحه المشايخ المعتبرون وكذا ما بناه المشايخ على العرف الحادث لتغير الزمان أو للضرورة ونحو ذلك لا يخرج عن مذهبه أيضًا لأن ما رجحوه لترجيح دليله عندهم مأذون به من جهة الإمام وكذا ما بنوه على تغير الزمان والضرورة باعتبار أنه لو كان حيا لقال بما قالوه لأن ما قالوه إنما هو مبنى على قواعده أيضًا فهو مقتضى مذهبه لكن ينبغى أن لا يقال قال أبو حنيفة كذا إلا فيما روى عنه صريحا وإنما يقال فيه مقتضى مذهب أبي حنيفة كذا


أما الشافعية فنعود للمزني رحمة الله عليه حيث تعقب الشافعي رحمه الله وخرج على أصوله خلاف قوله ومن أمثلة ذلك

خيار الرؤية في البيع قَالَ الْمُزَنِيّ: وَقَدْ أَجَازَ فِي الْإِمْلَاءِ وَفِي كِتَابِ الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ وَفِي الصَّدَاقِ وَفِي الصُّلْحِ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ وَهَذَا كُلُّهُ غَيْرُ جَائِزٍ فِي مَعْنَاهُ.

قَالَ الْمُزَنِيّ: وَهَذَا بِنَفْيِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ أَوْلَى بِهِ إذْ أَصْلُ قَوْلِهِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْبَيْعَ بَيْعَانِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا صِفَةٌ مَضْمُونَةٌ وَعَيْنٌ مَعْرُوفَةٌ وَأَنَّهُ يَبْطُلُ بَيْعُ الثَّوْبِ لَمْ يُرَ بَعْضُهُ لِجَهْلِهِ بِهِ فَكَيْفَ يُجِيزُ شِرَاءَ مَا لَمْ يَرَ شَيْئًا مِنْهُ قَطُّ، وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ ثَوْبٌ أَمْ لَا حَتَّى يَجْعَلَ لَهُ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ.


مسألة دية المقتول بزيادة الضرب في الحد

قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِذَا ضَرَبَ الْإِمَامُ فِي خَمْرٍ أَوْ مَا يُسْكِرُ مِنْ شَرَابٍ بِنَعْلَيْنِ أَوْ طَرَفِ ثَوْبٍ أَوْ رِدَاءٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ ضَرْبًا يُحِيطُ الْعِلْمُ أَنَّهُ لَمْ يُجَاوِزْ أَرْبَعِينَ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَالْحَقُّ قَتَلَهُ، وَإِنْ ضَرَبَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ بِالنِّعَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَمَاتَ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ دُونَ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إلَى امْرَأَةٍ فَفَزِعَتْ فَأَجْهَضَتْ ذَا بَطْنَهَا فَاسْتَشَارَ عَلِيًّا فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَدِيَهُ فَأَمَرَ عُمَرُ عَلِيًّا فَقَالَ عُمَرُ؛ عَزَمْت عَلَيْك لَتَقْسِمَنَّهَا عَلَى قَوْمِك.

قَالَ الْمُزَنِيّ - رحمه الله - هَذَا غَلَطٌ فِي قَوْلِهِ: إذَا ضَرَبَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ فَمَاتَ فَلَمْ يَمُتْ مِنْ الزِّيَادَةِ وَحْدَهَا وَإِنَّمَا مَاتَ مِنْ الْأَرْبَعِينَ وَغَيْرِهَا فَكَيْفَ تَكُونُ الدِّيَةُ عَلَى الْإِمَامِ كُلُّهَا وَإِنَّمَا مَاتَ الْمَضْرُوبُ مِنْ مُبَاحٍ وَغَيْرِ مُبَاحٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: لَوْ ضَرَبَ الْإِمَامُ رَجُلًا فِي الْقَذْفِ إحْدَى وَثَمَانِينَ فَمَاتَ إنَّ فِيهَا قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ الدِّيَةِ. وَالْآخَرُ: أَنَّ عَلَيْهِ جُزْءًا مِنْ أَحَدٍ وَثَمَانِينَ جُزْءًا مِنْ الدِّيَةِ.

قَالَ الْمُزَنِيّ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ: لَوْ جَرَحَ رَجُلًا جُرْحًا فَخَاطَهُ الْمَجْرُوحُ فَمَاتَ فَإِنْ كَانَ خَاطَهُ فِي لَحْمٍ حَيٍّ فَعَلَى الْجَارِحِ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جُرْحِهِ وَالْجُرْحِ الَّذِي أَحْدَثَهُ فِي نَفْسِهِ - فَكُلُّ هَذَا يَدُلُّك إذَا مَاتَ الْمَضْرُوبُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ فَمَاتَ أَنَّهُ بِهِمَا مَاتَ فَلَا تَكُونُ الدِّيَةُ كُلُّهَا عَلَى الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ بِالزِّيَادَةِ وَحْدَهَا حَتَّى كَانَ مَعَهَا مُبَاحٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ فِيمَنْ جَرَحَ مُرْتَدًّا ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا آخَرَ فَمَاتَ أَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ مُبَاحٍ وَغَيْرِ مُبَاحٍ.

قَالَ الْمُزَنِيّ - رحمه الله - وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ الْمَضْرُوبُ بِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ مِنْ مُبَاحٍ وَغَيْرِ مُبَاحٍ.


ففي هذين المثالين يتعقب المزني الشافعي رحمهما الله بأقواله الأخرى وأصوله ويبني على ذلك تخطئته في قوله هذا 


ونختم كالعادة بتأصيل جميل لابن تيمية في رده على السبكي فيقول:

قوله-أي السبكي-: (وهو الوجه الذي نازعناه في إرادة العموم منه، وأن النصوص الخاصة عن أحمد مقدمة عليه).

فيقال له: هو لم يَدَّعِ أَنَّ أحمد أراد بلفظه أن الطلاق يكفر، بل هو صرح بأنه لا يكفر، وإنما ذكر أَنَّ مقتضى نَصٍّ آخر وتعليلٍ آخر واستدلالٍ آخر؛ وذلك النصُّ والاستدلالُ والتعليلُ لا يمكن تخصيصه ونقضه، بل ذلك يفسده فلا بُدَّ فيه من أحد وجهين: إما أَنْ يقال بموجبه فيلزم تكفير الحلف بالطلاق، وإما أَنْ يكون باطلًا؛ فأمَّا مع القول بصحته فيلزمه القول بتكفير الحلف بالطلاق، وهذا هو التخريج والاستنباط من النصوص والأصول.

فإنْ قلتَ: فلازم المذهب هل هو مذهب.

قيل: لازم المذهب إذا عَرَفَ به صاحب المذهب ولم يلتزمه كان تناقضًا، ولمَّا كان الإنسان يجوز عليه التناقض، وكان لو عَرَفَ لازم قوله لرجع عن ذلك القول الملزوم؛ لهذا قيل: لازم المذهب ليس بمذهب.

والكلام إنما هو في لازمِ قولٍ صحيح، ولازم الحقِّ حَقٌّ، أو في لازمِ قولٍ يسوغ فيه الاجتهاد، واللازم لذلك، وفي لازمٍ دَلَّ عليه لفظه وتعليله، وفي اللوازم التي لا تقدح في أصحابها بل تجملهم.

ومن قال: لازم المذهب ليس بمذهب؛ أرادَ بِهِ دفع الشناعات والتكفيرات عن أصحاب المذاهب الأصولية التي يلزم أحدهم لوازم فيها من مخالفة الكتاب والسنة والإجماع والمعقول ما يوجب ضلال من التزمها، فيريد خصومهم أن يشنعوا عليهم بتلك اللوازم فيقال لهم: لازم المذهب ليس بمذهب.

فكل مَنْ قال قولًا له لوازم لم تخطر على قلبه = فيجب أن يلتزمها إذا خطرت بقلبه وعَلِمَ ما فيها من الفساد، لكن إذا لم يلتزمها مع لزومها دَلَّتْ على فساد الملزوم، وأما مع القول بصحة الملزوم فلا بُدَّ مِنَ القول بصحة اللازم، فإنَّ صحة الملزوم توجب صحة اللازم قطعًا؛ إذ يمتنع تحقيقه بدون تحقيق اللازم.اه‍

فهنا يحتج السبكي بأن فتوى أحمد في مسألة معينة مقدم على كلامه العام أو أصوله فيرد ابن تيمية على هذه الدعوى ويبرهن أنه لو احتج عليك شخص في مسألة بقواعد إمام أو بأصوله فلا يجوز لك أن ترد هذا الاحتجاج بقولك لكنه قال في هذه المسألة بخلاف قولك بل يلزمك أن تثبت أن تخريجه على هذه القاعدة وعلى هذا النص العام باطل وتأتي بالبرهان على ذلك أو أن تقول أن هذا النص العام باطل وخطأ وحينها فمن الذي أجاز لك أن تخطئ قاعدة كلية لمجتهد ثم تنكر على غيرك أن خالف هذا المجتهد في المسألة التي توافقه عليها أم هو الهوى ومتى اعترفت أن هذه القاعدة صحيحة فإن ما يتفرع عنها من مسائل وتخريجات فهي صحيحة بالضرورة إذ لازم الحق حق


وبهذا نكون قد فرغنا من ذكر أنواع التخريج ومسائله وأمثلته ثم نشرع في خلاصة هذا البحث وارتباطها بخلافنا مع المميعة فالمميعة لما يأتي القول للكلام في بعض أعيان الأشاعرة أو للكلام في أبي حنيفة تجدهم نافرين من قواعد السلف وآثارهم أشد النفور ويحتجون بالخاص والعام والإطلاق والقول والقائل وأننا لا نفهم كلام السلف لكن الله يفضحهم بهذه الحجج الواهية حين يأتي الكلام على أبي حنيفة فيصيرون لا يرضون الأصول الكلية ولا الكلام المخصوص بل يصيرون كلهم أصحاب تخريج بقياس الشبه ويقولون لك لا تنظر لكلام السلف في أبي حنيفة لكن عليك بأصولهم في الرحمة والتماس العذر وإحسان الظن وغير ذلك من الكلام الإنشائي


لكن حتى عندما نسلم لهم ونحتكم في خلافنا إلى المتأخرين ونقول لهم أن فيهم من يرى أن كل مخالف في مسألة اشتهر الخلاف فيها بين أهل السنة والبدعة مبتدع بدون قيام حجة

ومنهم من يقول لا عذر بالجهل في الشرك الأكبر ومنهم من لا يعذر منكر العلو ويراه معاندا ومنهم من يقول قولي فلان أشعري أي مبتدع وغير ذلك مما لا يرضون به من التأصيلات 

فعنها يهربون إلى قول هؤلاء المشايخ في أعيان بعض الأشعرية فيقول لك لكن كل هؤلاء الذين ذكرت أقوالهم لم يبدعوا النووي أو ابن حجر بل قالوا عنهم أئمة وأثنوا عليهم


فحينها نرد عليهم بما رد به ابن تيمية على إمامهم السبكي أن القول العام والأصول إما تكون حقا فلازمها حق أو تكون باطلة فعليهم الدليل في بطلانها ثم يسألون بأي حق خطأتم هؤلاء في قواعد تندرج تحتها مئات المسائل ولا تجيزن لغيركم تخطئتهم أو مخالفتهم في فروع وآحاد مسائل


هل ينقض الإجماع بالتخريج

وهذه مسألة مهمة غاية إذ الخصوم يقولون على خلاف العلماء في كفر الأشعرية من عدمه والعذر بالجهل وتحرير مذهب بعض الأعيان لكنهم اتفقوا على وصفهم بالإمامة فيكون هذا إجماعا يجب المصير إليه فيقال لهم 

أولا لا يكون إجماعا لأنه إجماع متأخر لا ينضبط

ثانيا لا يكون إجماعا لأنه سكوتي متعلق بالحكم على فرد وليس مسألة تكليفية

ثالثا لا يكون إجماعا لأنه مبني على أصول متناقضة بل تخريج كثير من أصول قائليها ينقضها

وكل هذا تكلمنا عنه في الفيديو الذي رددنا فيه على الريس فليراجع لكن سنتوسع في المسألة الثالثة

اعلموا يا إخوة بارك الله فيكم أن هناك مسألة اختلف فيها قديما أئمتنا مع إمامهم أبي حنيفة وهي مسألة شهود الزوايا المتباعدة في الزنا

فلو أتى أربع شهود وشهدوا على شخص بالزنا ثم سئلوا عن الزاوية التي وجدوه فيها يزني فأشار اثنان لزاوية وأشار الآخران لزاوية أخرى بعيدة فهل يقام عليه الحد

قال الجمهور أنه لا حد عليه لأن الشهادات متناقضة في ذلك فتصير كشهادة اثنين أنهم وجدوه يزني في الصباح وشهادة اثنين أنهم وجدوه يزني في المساء

إلا أبا حنيفة فقد قال أن المشهود عليه يقام عليه الحد استحسانا وإن كان القياس يقتضي عدم قيام الحد


فبهذا المثال نسأل حين يكون لدينا شخص مثل ربيع المدخلي يقول النووي لم ينكر العلو ولو أنكره لكان كافرا فيرد عليه مشهور ويقول النووي أنكر العلو لكنه لا يكفر لأنه معذور ويأتي محمد بن هادي المدخلي ويقول النووي أشعري جلد فيرد عليه هشام البيلي ويقول النووي ليس أشعريا ولو كان أشعريا للزم إما تبديعه أو تكفيره وينكر على من يقول من أهل السنة فيما وافق فيه السنة 

وعندما يكون لدينا أشخاص يقولون بكفر الأشعرية مقلدهم وداعيتهم  وغيرهم يقولون نكفر الداعية ونفسق المقلد لكن بعضهم يقول هذا أشعري ولا نكفره بل معذور والآخرون يقولون لو كان أشعريا لبدعناه أو كفرناه وحين يكون فيصل قزار يقول لا عذر في الشرك الأكبر ولكن السبكي والهيتمي وابن حجر لم يقعوا بالشرك فلا نكفرهم بينما يخالفه الريس ويقول بل هم وقعوا بالشرك لكنهم يعذرون

فهل بعد هذه الأصول المتناقضة المتعارضة يقال أنهم مجمعون على عدم تبديع فلان أو عدم تكفيره فمن هو المصيب في تحريره لحال النووي ومن هو المصيب في تأصيله في مسائل العذر وحكم الأشعرية أجيبوا بعلم إن كنتم صادقين

فلو جاز أن نترك كل خلافهم ونقول لا يهم طالما جميعهم يقولون النووي ليس مبتدعا

فما يمنعنا من أن نقيم الحد على من اختلف فيه الشهود ونقول لا يهم لو قال هذا رأيته يزني صباحا في هذا المكان ولو قال الآخر رأيته يزني مساء في هذا المكان طالما جميع الشهود اتفقوا أنه زان فلا يهم اختلافهم في الزمان أو المكان أو الموضع أو مع من يزني فهل يقول بهذا عاقل


ثم كما قد يأتي شخص ويتبع محمد بن هادي أو حماد الأنصاري في الحكم على النووي بالأشعرية ثم يتبع ابن باز في عدم العذر بالجهل لمنكر العلو أو الواقع بالشرك الأكبر ويتبع مشهور في قوله النووي أنكر العلو

فمن يقدر أن يخطئ مثل هذا ويقول له خرقت الإجماع وهم كاذبون فليس قول قاله إلا وله فيه سلف من العلماء


فإن قالوا لا يجوز أن يأخذ من كل عالم قولا قلنا لهم كذبتم بل أجاز الفقهاء ذلك وذكرنا هذا في ردنا على الريس إذ تقليدك لعالم واحد فقط في كل أقواله يعني أنك تدعي فيه العصمة ولهذا 

في العدة لأبي يعلى يقول: وإن قالت طائفة من الصحابة في مسألتين قولين متفقين مخالفين لقول الطائفة الأخرى، فهل يجوز لأحد أن يقول في إحدى المسألتين بقول طائفة وفي الأخرى بقول الطائفة الأخرى؟

ينظر فيه:

فإن لم يصرحوا بالتسوية بين المسألتين جاز.

وإن صرحوا بالتسوية بينهما لم يجز على قول أكثرهم.

وعلى قول بعضهم يجوز؛ لأن التسوية بينهما في حكمين مختلفين، فلم يحصل في واحد منهما إجماع.

فبين أنه يجوز لك اتباع طائفة على قول وطائفة أخرى على قول طالما المخرج مختلف والمقصود باختلاف المخرج اختلاف الدليل فمثلا لو كان هناك حديث فيه تحريم أمرين صححه البعض فحرموهما وضعفه البعض فأجازوهما فحينها لا يجوز لك أن تقول أتبع الفريق الأول في تحريم أحدهما والآخر في جواز أحدهما 

أما لو كان المخرج مختلفا مثل قول الشافعية بعدم الوضوء من لحم الإبل لكنهم يرون الوضوء من مجرد مس المرأة وقول الحنابلة بالوضوء من لحوم الإبل وعدم الوضوء من مجرد مس المرأة بغير شهوة فهتان مسألتان مخارجها مختلفة أحدها على آية والأخرى على حديث فلو جاء شخص وقال أنا أتبع الشافعية في عدم الوضوء من لحم الإبل وأتبع الحنابلة في عدم الوضوء من مجرد مس المرأة أو قال أنا أرى الوضوء من كليهما فلا يقال لهذا أنه أحدث قولا ثالثا


وهذا ما فعله ابن القيم مع كل من الشافعي وأبي حنيفة فقال:

وأكثر هذه الحيل لا تمشي على أصول الأئمة، بل تُناقضها أعظمَ مناقضة.

وبيانه أن الشافعي - ﵁ - يحرِّم مسألة مُدّ عجوة ودرهم بمدٍّ ودرهم، ويبالغ في تحريمها بكل طريق خوفًا أن تُتّخذ حيلة على نوع ما من ربا الفضل، فتحريمه للحيل الصريحة التي يتوصَّل بها إلى ربا النَّساء أولى من تحريم مُدِّ عجوة بكثير؛ فإن التحيل بمدّ ودرهم من الطرفين على ربا الفضل أخفُّ من التحيل بالعِينة على ربا النَّساء، وأين مفسدة هذه من مفسدة تلك؟ وأين حقيقة الربا في هذه من حقيقته في تلك؟ وأبو حنيفة يحرِّم مسألة العِينة، وتحريمه لها يوجب تحريمه للحيلة في مسألة مُدِّ عجوة بأن يبيعه خمسة عشر درهمًا بعشرة في خرقة؛ فالشافعي يبالغ في تحريم مسألة مدّ عجوة ويبيح العِينة، وأبو حنيفة يبالغ في تحريم العينة ويبيح مسائل مُدّ عجوة، ويتوسع فيها، وأصلُ كلٍّ من الإمامين - ﵄ - في أحد البابين يستلزم إبطالَ الحيلة في الباب الآخر، وهذا من أقوى التخريج على أصولهم ونصوصهم، وكثير من الأقوال المخرَّجة دون هذا.اه‍


فها هو ابن القيم يخرج على أصول الشافعي وأبي حنيفة فيوافق أحدهما في قول ويوافق الثاني في قول آخر ثم يزعم أن هذا الذي قاله هو مقتضى أصولهم فهل ترونه كان ملفقا


ونختم بقول ابن تيمية في الرد على السبكي كالعادة لما زعم السبكي أن الإجماع ينقض بالنص الصريح وليس بالتخريج والقياس فأجابه ابن تيمية:

الرابع: قوله: (ومصادمة نقل الإجماع لا يكون بالاستدلال والقياس، وإنما يكون بالنقل الصريح) عنه جوابان:

أحدهما: أَنَّ هذه الدعوى ممنوعة؛ بل نقل حديث الرسول - ﷺ - الذي هو أبلغُ مِنْ نقلِ الإجماع مما قد يستدل على بطلانه بالأدلة الدالة على ذلك؛ فكيف لا يجوز أن يستدل على خطأ ناقل الإجماع بالأدلة الدالة على خطئه في نقله؟!

ومعلوم أَنَّ نقلَ الحديث المعين المسموع من الرسول - ﷺ -، ثم من الصاحب، ثم من التابع أصحُّ من نقل الإجماع؛ فإنَّ هذا نقلٌ لما علمه بالسماع، وهو نقلٌ متصلٌ لا منقطعٌ، وأما ناقل الإجماع فهو ينقل عن خَلْقٍ كثيرٍ لا يمكنه الإحاطة بأقوالهم، وإذا أمكنه ذلك فهو لم ينقل ألفاظهم، وإنما نَقَلَ ما يظنه اعتقادهم، فقد يغلط في فهم مرادهم، وإذا قُدِّرَأنه لم يغلط؛ فهو لم ينقل عنهم، ولا معه نقل مسند عن كُلِّ واحدٍ واحدٍ، بل غايته أنه نَقْلٌ مرسل.

وأيضًا؛ فإنه نَقْلٌ اجتهادي يُعرف بالاستقراء والتتبع مثل: ما يستقرئه النحوي من قوانين كلام العرب، فينفي أَنَّ في كلامهم عطف على الضمير المجرور بدون إعادة حرف الجار، وقد يكون في كلامهم ما لم يبلغه كقولهم: ما فيها غيره وفرسه.

وكذلك نقل المحدث لمن روى الحديث من الصحابة، فقد يقول: لم يروه إلا فلان وفلان، ويكون قد رواه غيرهم، وهو لم يبلغه.

ونقل الخلاف في مذاهب الأئمة، كقول القائل: لا يختلف مذهبه في كذا وكذا، وقد يكون فيه خلاف لم يبلغه.

ونقل مذاهب المتكلمين والنحاة والأطباء، فكثيرًا ما يقول القائل: اتفق المتكلمون أو النحاة أو الأطباء على كذا، ويكون فيه نزاع لم يبلغه.

وإذا كان كذلك؛ فخطأُ الناقل لها هو أبلغ من نقل الإجماع الذي يُعلم بالاستدلال، فكيف لا يعلم خطؤه في نقل الإجماع بالاستدلال؟ لا سيما وعمدته في نقله ظَنُّهُ عدمَ النزاع، بل نفس العلم بالإجماع مما ينظر بالاستدلال: هل يمكن أم لا يمكن؟

فإذا كان الكلام في جنس الإجماع، وإمكانه، وإمكان العلم به

بالاستدلال، فَلِمَ لا يجوز الكلام في إجماع معين وإمكانه وإمكان العلم به، ووقوع ذلك بالاستدلال؟

والناس قد تكلموا في إجماع الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ على جواز  القياس: هل فيه إجماع أم لا؟ وكلٌّ من الطائفتين تكلمت في ذلك بالاستدلال؛ فطائفة أثبتت إجماعهم عليه بالاستدلال، وطائفة نازعت في ذلك.

ولما ادعى قومٌ الإجماع السكوتي، فقال: إِنَّ بعضهم إذا قال قولًا فانتشر في الناس ولم ينكروه صار إجماعًا، نازعهم آخرون في دعوى هذا الإجماع بالاستدلال، وقالوا: لا ينسب إلى ساكت قول، وقالوا: قد يكون سكوتهم لكذا وكذا.

وما زال الناس يَدَّعِي أحدهم إجماعًا، ويقيم الآخر الدليل على بطلانه؛ فإنَّ الناس تنازعوا في إجماعات متعددة هل هي إجماعات يجب اتباعها؛ كإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة، وكإجماعهم إذا لم ينقرض العصر حتى تنازعوا، وكإجماع التابعين دون الصحابة، وكإجماع الجمهور، وكإجماع العلماء دون العامة، أو دون العالم بالأصول والحديث، وكالإجماع المنقول بخبر الواحد ونحو ذلك.

فإذا قُدِّرَ أَنَّ ناقلًا نقل إجماعًا ومستنده اعتقادُهُ بعضَ هذه الإجماعات أنها

حجة، فلم لا يجوز لمن ينازعه في اعتقاده أَنْ يستدل على بطلان هذا الإجماع؟

وأيضًا؛ فالاستدلال تارة يكون على عدم علم الناقل للإجماع، وتارة يكون على ثبوت النزاع؛ وكلاهما يقدح في العلم بثبوت الإجماع.

فإذا كان الناقل ليس عالمًا بما ينقله، فَمَنْ تَلَقَّى ذلك عن نَقْلِهِ أولى ألا يكون عالمًا به، وإذا قام دليل على امتناع الإجماع المعين أو عدمه أو وجود النزاع = دَلَّ ذلك على بطلان نقله.

فإذا عرف أَنَّ الناقل للإجماع مراده ظَنُّ نفي النزاع وعدم العلم به لا الجزم بنفيه، وقد عُرِفَ أَنَّ كُلَّ من نقل إجماعًا في المسألة فقد نقل الإجماع في مسائل كثيرة وفيها نزاع ثابت = كان كثرة ما يقع من الخطأ في نقل ذلك مما يوجب ريبة قوية في نقله؛ كما إذا كثر خطأ المحدث، فإنه يبقى في نقله نوع ريبة، ولهذا لم يكن من عادة الصحابة والتابعين نقل الإجماعات.اه‍


هذه نهاية كلامه رحمه الله وخلاصته أن حجية الإجماع كله إنما عرفت من النصوص الآيات والأحاديث فكيف لا يستدل بما هو دليل على الإجماع نفسه بنقض بعض أفراده المدعاة.

وكذلك إذا كنتم تستدلون على إمامة فلان لمدح هذا أو ذاك له فلماذا لا تقبلون الاستدلال بكلام وقواعدهم هؤلاء على نفي هذا المدح أو نفي دعوة الإجماع هذه فمن قال أن المقلد من الأشعرية يبدع فلا شك أن هذه القاعدة خلاف ثابت لكل دعوى إجماع على سنية أشعري كائنا من كان.


سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك


*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم