علاقة الصوارف الفقهية بالموانع في الحكم على المعين.. وعبث المميعة
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، أما بعد:
فكم مرة سمعنا هذه العبارة وهذا النقل عن ابن تيمية: وَلَكِنْ قَدْ يُنْقَلُ عَنْ أَحَدِهِمْ أَنَّهُ كَفَّرَ مَنْ قَالَ بَعْضَ الْأَقْوَالِ، وَيَكُونُ مَقْصُودُهُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ كُفْرٌ لِيُحَذِّرَ، وَلَا يَلْزَمُ إِذَا كَانَ الْقَوْلُ كُفْرًا أَنْ يَكَفِّرَ كُلَّ مَنْ قَالَهُ مَعَ الْجَهْلِ وَالتَّأْوِيلِ ; فَإِنَّ ثُبُوتَ الْكُفْرِ فِي حَقِّ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ، كَثُبُوتِ الْوَعِيدِ فِي الْآخِرَةِ فِي حَقِّهِ، وَذَلِكَ لَهُ شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ، كَمَا بَسَطْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ.
وهذا النقل أيضا: وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُكَفِّرَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ أَخْطَأَ وَغَلِطَ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَتُبَيَّنَ لَهُ الْمَحَجَّةُ وَمَنْ ثَبَتَ إسْلَامُهُ بِيَقِينِ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالشَّكِّ؛ بَلْ لَا يَزُولُ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ.
فهذا الكلام عن ابن تيمية يا كثرة ما ستجده منقولا أمامك كلما حدثت شخصا عن كفر الجهمية حتى لو كنت تتكلم عن بعض فروعها من الأشعرية بغير تعرض للأعيان مما يوحي لك أن هذا الناقل يتترس بالتفريق بين النوع والعين والقول والقائل وباطنه في الحقيقة أنه لا يرى في القول والنوع إلا أنه اجتهاد خاطئ لبعض العلماء فلا يراه حتى بدعة مغلظة فضلا عن أن يراه كفرا
وبما أن الخصوم يدعون أنهم أهل التنقيح وتحقيق المناط فدعونا نغوص مجددا في مبحث أصولي وفقهي يكون تتمة لمقالنا السابق في قياس الشبه وتمهيدا لمقالنا القادم - إن شاء الله - في التخريج على أقوال العلماء نبين كيف تنضبط الشروط والموانع وكيف يكون التعامل الفقهي السليم معها وشبهها في باب صوارف الألفاظ وكيف أن المميعة في باب الأحكام على الأعيان شابهوا الزنادقة في تعاملهم مع الأحكام التكليفية
تمهيد:
اعلموا بارك الله فيكم أن الأحكام الشرعية تنقسم إلى نوعين
١-حكم تكليفي وهو خطاب اللَّه تعالى المتعلق بفعل المكلف اقتضاء أو تخييرًا، ويشمل الأحكام الخمسة، وهي الإيجاب والندب والإباحة والكراهة والتحريم
وهذا الاب هو ما يدخل فيه صوارف الألفاظ وهي أدلة أو قرائن صحيحة تُستخدم لنقل اللفظ الشرعي من معناه الأصلي الظاهر إلى معنى آخر مرجوح
مثال ذلك أن الأمر يفيد الوجوب لكنه ينصرف إلى الإباحة لقرائن كأن يكون الأمر بعد حظر كقول النبي ﷺ كنت نهيتكم زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكر بالآخرة
وكقول الله عز وجل ﴿أُحِلَّ لَكُمۡ لَیۡلَةَ ٱلصِّیَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَاۤىِٕكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسࣱ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسࣱ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَیۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٔـٰنَ بَـٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ حَتَّىٰ یَتَبَیَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَیۡطُ ٱلۡأَبۡیَضُ مِنَ ٱلۡخَیۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّیَامَ إِلَى ٱلَّیۡلِۚ وَلَا تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَـٰكِفُونَ فِی ٱلۡمَسَـٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَ ٰلِكَ یُبَیِّنُ ٱللَّهُ ءَایَـٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ یَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٧] فقوله سبحانه باشروهن وقوله كلوا واشربوا للإباحة وليس للوجوب
ومن الصوارف مثلا فعل النبي ﷺ لما نهى عنه ليدل أنه للكراهة وليس للتحريم كشربه الماء واقفا
٢-حكم وضعي وهو خطاب اللَّه تعالى الذي اقتضى جعل أمر علامة لحكم تكليفي وجعله مرتبطًا به بكونه سببًا له،
مثل قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، فالدلوك سبب لإيجاب الصلاة،
أو شرطًا له مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فرؤية الهلال شرط للصيام،
أو مانعًا له كقوله - ﷺ -: «ليس للقاتل ميراث»، فالقتل يمنع الإرث، والأبوة تمنع القصاص مع الابن أو صحة أو فسادًا أو عزيمة أو رخصة.
وفي هذا الباب تندرج الشعارات التي يدندن حولها المميعون يريدون بالتترس بها إلغاء الحكم بالكلية والتي ستكون محور مقالنا وهي:
السبب وهو الوصف الظاهر المنضبط الذي دل الدليل السمعي على كونه معرفًا لحكم شرعي
وهذا هو ما يندرج تحته باب أوصاف الأعيان والأحكام الشرعية لكن لنشرحه أولا بيسر يمكننا القول أن السبب هو المعنى الظاهر المعلوم المحدد الذي ثبت بالكتاب والسنة أنه علامة على وجود الحكم، أو هو ما ارتبط به غيره وجودًا وعدمًا.
كزوال الشمس سببا لوجوب صلاة الظهر فإذا زالت الشمس وجبت الصلاة وإن لم تزل لم تجب الصلاة وكالزنا سبب لحد الجلد أو الرجم للثيب وكقول الشخص الإيمان لا يزيد ولا ينقص لتبديعه أو إنكاره العلو أو القول بخلق القرآن لتكفيره
الشرط وهو هو ما يتوقف وجود الحكم وجودًا شرعيًّا على وجوده، ويكون خارجًا عن حقيقته وماهيته، ويلزم من عدمه عدم الحكم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم
مثال ذلك الطهارة شرط لصحة الصلاة وهي ليست من ماهيتها خلافا للركن الذي تتوقف عليه صحة الصلاة وهو داخل في ماهيتها ويلزم من عدم الطهارة عدم صحة الصلاة لكن لا يلزم من وجودها صحة الصلاة لجواز تخلف شروط أخرى
وهنا نعرف الفرق بين الشرط والسبب فالسبب يمكننا القول أنه الشرط الوحيد فغروب الشمس وحده يلزم منه وجوب صلاة المغرب وعدم غروبها بلزم منه عدم وجوب الصلاة أما الشرط فوجود لا يلزم منه الصحة وحده
لهذا تجد أن دخول الوقت يتحول من سبب في وجوب الصلاة إلى شرط في صحتها لأنه وحده كاف في وجوبها إذا دخل الوقت وجبت الصلاة لكنه وحده غير كاف في صحتها بل تدخل معه شروط أخرى مثل الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة وخلو البدن والثوب وموضع الصلاة من النجاسات
المانع هو وصف ظاهر منضبط يستلزم وجوده عدم الحكم أو عدم السبب ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم
مثاله القصاص من الأب فقد وجد السبب الذي هو القتل وتحقق الشرط الذي هو العمد لكن لما وجدنا القاتل أبا المقتول كان ذلك مانعا من القصاص ومثل ذلك ميراث القاتل من مال المقتول فقد تحقق السبب ووجدت الشروط ككون الميت من الأقارب الذين يرثهم القاتل لكن لما وجد مانع القتل انتفى الحكم الذي هو الميراث
ومما سبق يتبين لنا أمور وأهمها تعريف المانع نفسه بأنه وصف ظاهر منضبط فيتبين لنا بذلك أن أمورا خفية وغير منضبطة لا يجوز جعلها موانع مثل قولك أراد الحق واستفرغ وسعه ولو بلغه الحق لتبعه فهذه كلها أمور غيبية لا سبيل لمعرفتها مبنية على ادعاء علم السرائر وعلى افتراضات الغيب
وهذا الافتراض هو أولا كذب لأنه لا يعلم قلوب العباد إلا الله سبحانه ثم هو في أقصى أحواله ظني وقد قال رسول الله ﷺ "قولوا نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحد"
وهذا فيمن ظاهره الصلاح والسنة فما بالك بمن ظاهره البدعة والضلال
ويتبين لنا وجه التشابه بين الصوارف في باب الأحكام التكليفية والموانع في باب الأحكام الوضعية وسنزيد بيان ذلك فيما يلي
أولاً: وحدة الماهية بين "الصارف الفقهي" و"المانع العقدي"
يحاول المميعة صناعة هالة أسطورية حول "المانع" في باب الأحكام على الأعيان، وكأنه كائن مطاطي لا يخضع لقواعد الاستدلال!
والتحرير الأصولي يقضي بأن الصارف في باب النصوص والمسائل هو عين المانع في باب الأعيان والذوات:
اتحاد العلة والجوهر: الصارف الفقهي يُخرج النص عن ظاهره المتبادر (كالنقل من الوجوب إلى الندب)، والمانع الشرعي يمنع من إجراء الحكم الشديد على عين المكلف. وكلاهما في الحقيقة "دليل طارئ أجنبي معتبر" يرفع مقتضى السبب الأول كالأمر للوجوب والنهي للتحريم تنصرف بقرائن إلى الندب أو الكراهة أو الإباحة ومثل ذلك التبديع والتكفير المطلق الذي استوفى الشروط كالعقل والتكليف والتمييز يصرفه المانع إلى حكم أخف سواء كان العذر بالكلية مع حفظ العدالة كعذر جاهل بنصوص تحريم أو صفة خبرية أو كنقل الكفر إلى البدعة كما فعل الرازيان مع الواقفي الجاهل.
الفرق في المحل لا في الماهية: الصارف يتعلق بـ "المسألة والحكم المجرد"، والمانع يتعلق بـ "المعين والمكلف".
ومن عجيب عبث المميعة أنهم في "الصوارف الفقهية" يشددون فلا يقبلون الصارف إلا بقرينة راجحة مساوية للظاهر أو أقوى منه، بينما في "الموانع العقدية" يجعلونها من قبيل الحكم على مسلم بالجنة والنار فيمنعون منه ولا يجيزون لأحد الدخول فيه أو يقولون هذا باب لا يدخله إلا قلة من العلماء الراسخين المجتهدين ويحذرون منه أشد من تحذيرهم الناس من الخوض في علم الكلام أو قراءة كتب أهل البدع أو الجلوس إليهم
ثانياً: قلب أصل الدلالة والتلبس بـ "الحكم السلبي"
لم يكتفِ المميعة بتمطيط الموانع، بل مارسوا "زندقة أصولية" تمثلت في قلب عبء الإثبات وجعل الحكم الشرعي وعمومات النصوص وصفاً سلبياً:
والقواعد الشرعية تقول أنها أوصاف إيجابية يثبت حكمها عند وجود سببها والنفي هو الإستثناء الذي يحتاج لدليل
االأصل الشرعي يقول: "الأصل في الأمر أنه يدل على الوجوب والعموم حتى يقوم الصارف أو المخصص"،
وفي الحكم على الأعيان "فالأصل أن من تلبس بكفر أو البدعة الصريحة فهو مبتدع حتى يثبت في حقه انتفاء الشرط أو وجود المانع".
التعطيل والوصف السلبي: فأما المميعة فقد جعلوا الأصل السلبي هو النفي، فقالوا: "من قال بمقالة الجهمية فليس بمبتدع حتى نتيقن استيفاء كل شرط وانتفاء كل مانع متوهم في الذهن!".
وهذا عين مسلك العصاة والمنحرفين في الفقه؛ كحليق اللحية الذي يأتيه أمره ﷺ بإعفاء اللحى، فيدفع الوجوب بقوله: "الأمر لا يلزم منه الوجوب دائما"،
فيلغي دلالة النص المطلق بذريعة وجود نصوص أخرى صرفت عن ظاهرها لوجود قرائن معتبرة! فعندهم أنه لو جاز أن أمرا من الأوامر لم يلزم منه الوجوب فإذا يجوز الاحتجاج لكل مسألة خالفت هواهه أن النصوص التي جاءت فيها من أمر أو نهي جائز صرفها لندب أو استحباب بغير قرينة معتبرة وبغير تقديم دليل
بل إن من بلغ الغاية في هذه الزندقة هم الرافضة حين أسقطوا وجوب صلاة الجمعة عن المكلفين احتجاجاً بقوله تعالى: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل: 2]؛ فقالوا: "طالما أن الأمر للنبي ﷺ أمر لأمته والأمة ليس واجبا عليها قيام الليل، فالأمر بالسعي للجمعة لا يفيد الوجوب!".
فما الفرق بين مسلك الرافضة في إبطال التكاليف، وبين مسلك المميعة في إبطال الأحكام العامة على الجهمية أو المبتدعة؟! كلا الفريقين جحد "أصل الدلالة" وجعل الأحكام أوصافاً سلبية تتوقف على نفي احتمالات عقيلة لا تتناهى!
وكلا الفريقين اجتمعوا في مغالطة الكلكلة فلما تقول لهذا النبي ﷺ أمر بإعفاء اللحى وتقول الله أمر بالسعي للجمعة يقول لك وهل كل أمر يفيد الوجوب فإن قلت لا يقول لك فإذا إعفاء اللحية وصلاة الجمعة ليست واجبة ولو قلت للآخر فلان مبتدع أو كافر لأن حرف الصفات وقال بقول الجهمية فيقول لك وهل كل من أول صفة يكون كافرا فإن قلت لا قال لك فإذا هذا الذي أنكر العلو واليد والوجه وقال أن القرآن الذي بأيدينا كلام الله مجازا هو مسلم عدل لا يجوز الطعن فيه وينقل عليك عبئ إثبات أنه تحققت فيه جميع الشروط وانتفت عنه جميع الموانع بما في ذلك موانعه التي ما أنزل الله بها من سلطان من الاطلاع على قلبه ومعرفة هل فعل ذلك جهلا أم جحودا وهل أراد الحق واستفرغ وسعه أم لا
ثالثاً: الخلط بين "العقوبة والمعاملة الدنيوية" و"الحكم الشرعي الظاهر" و"الحكم الأخروي الذي لا يعلمه إلا الله"
إن مما يجب علمه بارك الله فينا وفيكم أن معاملة المخطئ في الإسلام والحكم عليه تنقسم لثلاثة أنواع
١- العقوبة الدنيوية والكفارات وهذه لا تستلزم الإثم والفسق كما لا تستلزم الحكم بالنار في الآخرة مثل ذلك الحدود والقصاص والكفارة في القتل الخطأ والجلد في شرب النبيذ فكل هذه عقوبات تلزم بثبوت الفعل ولا تستلزم الفسق والإثم من فاعله إما لأنه فعل ذلك خطأ أو تأويلا أو أنه فعله آثما فاسقا لكنه تاب في نفسه قبل إقامة الحد ومعلوم أن الحدود كفارات لا ترفع بالتوبة
ومن أبرز الأمثلة على ذلك قصة الرجل الذي جلد في الخمر فلما ذهب لعنه أحد الصحابة فقال له رسول الله ﷺ إنه يحب الله ورسوله ونهى عن لعنه فإذا العقوبات والمعاملة الشرعية قد تقام على الفاسق والآثم والمتأول والتائب والمخطئ ولذلك جتى ابن تيمية الذي يكثرون من نقل كلامه والتمسح به أنه محرر مذهب السلف نص أن داعية البدعة يقتل وإن كان في نفسه متأولا مغفورا له ونص كذلك أن أقل ما في معاملة المبتدع هجره والتحذير منه
٢- الأحكام الدينية الدنيوية مثل الفسق والبدعة والتكفير بالظاهر فهذه كذلك لها شروطها وموانعها المخصوصة ولا تستلزم عقوبة دنيوية أو أخروية -حاشا الكفر- مثال ذلك ما ذكرناه سابقا أنه لا قصاص من أب أو قاتل العمد الذي عفى عنه أولياء المقتول أو المنافق الذي لم يصرح بكفره فمثل هؤلاء هم مستحقون للوعيد وهم آثمون فسقة كفرة لكنهم لا يعاقبون في الدنيا والمبتدع غير الكافر أو الفاسق هم في الآخرة تحت مشيئة الله عز وجل فقد تكون لهم حسنات ماحية أو ينجيهم الله بشفاعة الصالحين أو يغفر لهم بمنه وكرمه ومع ذلك فنحن نحكم على كل هؤلاء بالفسق والضلال ونحذرهم ونحذر منهم ونهجرهم متى علمنا حالهم
٣- الحكم الأخروي مثل القول أن فلانا في النار وأنه لا يغفر الله له فهذا من الغيب الذي لا سبيل للعلم به في أحد من أهل الإسلام فلا نحكم لمسلم بجنة ولا نار أما من نعتقد أنه مات على الكفر فنعم نشهد عليه بالنار اتباعا لما أمر به الله ورسوله لما علمنا من ظاهر أمرهم وليس في ذلك دعوى لعلم الغيب
والقصد أن الخصوم خلطوا هذه المعاني الثلاثة فلا يرون عقوبة واقع في بدعة والتحذير منه إلا لو ثبت لك أنه آثم فاسق ثم لا يجيزون لك الحكم عليه أنه آثم فاسق حتى تعرف هل هو في الجنة أو النار ولا يحسبن شخص أني أبالغ فهذه حقيقة قولهم وإلا فما وجه استدلالهم بنصوص لابن تيمية تتعلق بمغفرة الله سبحان لمن علم من أنه طلب الحق واجتهد أو لمن له حسنات ماحية أو يعذب في الدنيا بقدر ذنوبه للدفاع عن شخص من وصفه بالبدعة في أحكام الدنيا واعتبار هذا الكلام المنقول دليلا على أن الكفر لا يكون إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع التي بينا أنها أحكام ظاهرة منضبطة وليست أمورا لا يعلمها إلا الله سبحانه من كل مسلم
أم أين وجه احتجاجهم بحديث نهي النبي ﷺ عن لعن شارب الخمر وقوله لا تعينوا الشيطان على أخيكم على الشروط والموانع في التبديع والتكفير وهل يقدر أعلم أهل الأرض في زماننا بل من لدن زمان الصحابة ليومنا أن يعرف من لعن اللهُ ومن غفر له
رابعاً: طرد قياس الشبه الباطل (المانع وصف أجنبي)
ولنربط هذا المقال بمقالنا السابق في قياس الشبه فأولا لا بد من التأصيل لهذه القاعدة:
المانع لا يكون أبداً هو عين الفعل، بل هو وصفٌ طارئٌ أجنبيٌّ خارجٌ عن ماهيته.
فيأتيك المميع بمغالطة قياس الشبه ويقول: "لماذا تبدعون فلان على إنكاره للصورة أو الوجه وابن خزيمة أول حديث الصورة وهو معذور فوجب عذر هذا المتأخر كما عذر ابن خزيمة".
وهذا القياس في حقيقته يفضح أنهم لا يرون هذه الأفعال بدعة أصلا إذ لو أنهم فعلوا لما جاؤوا بهذا الإلزام لأنه يقتضي أن كل من أنكر الصورة فيقاس على ابن خزيمة فلا يبدع أحد أبدا وحاصل هذا أن القول ليس ببدعة أصلا
والرد الأصولي: أن ابن خزيمة (رحمه الله) لو كان فعله عين فعل هذا الجهمي لكان مبتدعا وجهميا مثله لكن ما فعلوه هو أولا وقياس مع الفارق ثانيا وغباء أصولي ثالثا فأما الكذب فابن خزيمة لم ينكر الصورة أصلا وأما القياس مع الفارق فإنه حتى لو أنكر الصورة فعُذر لأن أصوله الكلية سنية مستقرة يثبت بها الصفات، وإنما وقع له خطأ في دلالة لفظ فرعي، وأما الغباء الأصولي فهي أنهم جعلوا التأويل الذي هو علة التبديع عين المانع من التبديع وهذا لا يكون أبدا بل إنكار الصفة هي سبب البدعة والمانع شيء آخر يمنه من إنزال الحكم على من وقع في السبب وابن خزيمة المانع الذي توفر هو اختلاف القول بالكلية فكان خطؤه في دلالة لفظ وليس في نفي صفة فاختلاف مقالته وأصوله السنية هي "المانع الأجنبي" المعتبر الذي لم يتحقق في الجهمي الذي يقاس عليه.
أما المبتدع المعاصر؛ فتأويله صادرٌ عن "أصل كلامي جهمي" يرى إثبات الصفات تجسيماً؛ فتأويله ليس مانعاً شرعياً، بل هو تأكيد لسبب التبديع والتلبس بالبدعة!
خامساً: توهيم الموانع مع حظر التنقيب
نلزم المميعة بممارستهم الواقعية: إن كنتم تشترطون البحث عن الشروط والموانع قبل الحكم، فلماذا لا تنقبون ولا تبحثون في حال هؤلاء الأعيان؟!
إذا كما بينا أن الشروط والموانع أحكام شرعية وضعية تتوقف عليها صحة الحكم على المتلبس بسبب التبديع أو التكفير ويترتب على ذلك أمور فقهية عظيمة من نكاحهم والصلاة خلفهم وجواز شهادتهم من الأحياء وقراءة كتبهم والترحم عليهم وتوقيرهم أمام عوام الناس وطلبة العلم من الأموات وهذا كله يستلزم التنقيب في حالهم لمعرفة ما هو الشرط المفقود أو المانع الموجود الذي لزم منه عدم تنزيل الحكم عليهم
بل الأدهى أنهم لو قام باحثٌ متجرد ونقب في كتب المعين ليرى هل تحققت الشروط وانتفت الموانع ببحث علمي رصين؛ فنفى الإكراه بثبوت الاختيار، ونفى الجهل بثبوت بلوغ النصوص من كتاب وسنة وآثار سلف بل بثبوت المناظرين أو الناصحين من أهل السنة ، ونفى الخطأ بتكرار المقالة ورجوعه على كتبه دون تصويب، ونفى التأويل السائغ ببيان أصله الجهمي...
لخرجوا عليه وقالوا: "لا نقبل بحثك؛ فهذا الباب محصور بالكبار!".
فلا هم ينقبون، ولا هم يسمحون لغيرهم بالتنقيب! مما يثبت أن مرادهم إيجاد معادلة معطلة: (قولٌ يُقال عنه كفر لكن لا يكفر به أحد وقول يقال له بدعة، لكن لا يُبدّع به أحد، ومتعلقٌ بإثبات شروط ونفي موانع لا ينقب عنها أحد)!
وهذا على التحقيق عين القول بأن هذا القول ليس بكفر ولا ببدعة أصلًا.
سادساً: تفكيك مغالطة "اليقين لا يزول بالشك"
يتمسك المميعة بقاعدة: "من ثبت إسلامه أو سنته بيقين لا يزول إلا بيقين"، ويجعلون التلبس بالكفر أو بالبدعة ظناً والموانع يقيناً! وهذا قلبٌ للحقيقة فقولنا من ثبت إسلامه بيقين لا يكفر بالشك هذا لو كان شخص علمنا أنه مسلم ثم سمعنا منه لفظا مجملا يحتمل الإسلام والكفر أو بلغنا عنه النطق بالكفر البين من طريق كاذب لا يعول على قوله لكنهم يعبثون بالقواعد ويقلبونها وإليك بيان ذلك:
اليقين الظاهر: هو ثبوت صريح الكفر أو البدعة المغلظة في كتب المعين أو بلسانه أو بشهادة العدول (وهو يقين حسي شرعي).
الشك والظن: هو الموانع الذهنية والمحامل الباطنة التي يطرحها المميعة في الهواء بلا دليل!
فيكون القول الأصولي المحكم: (يقين التلبس بالمكفر أو المبدع لا يدفعه شك الموانع الموهومة)!
إذا أن النواقض هي أوصاف تبطل الفعل فمتى ثبت وجودها بطل الفعل ألا ترى أن الرجل المتوضئ بيقين لو أتى بناقض من نواقض الوضوء يقينا حكمنا ببطلان وضوئه فورا ولم نقول شروطا وموانعا وكذلك في الصلاة والصيام وسائر العبادات
فإن التلبس بناقض واضح يحكم عليه فورا ببطلان العمل وإنما يقال اليقين لا يدفع بالشك لمن لم يستيقن من نفسه هل وقع في الناقض أم لا فيعلم من نفسه أنه متوضئ ثم يشك في انتقاض وضوئه إذ كما أن الأصل هو يقين فالناقض كذلك لو ثبت بيقين فيلزم منه نفي الأصل فكما أننا من علمناه كافرا بيقين نصرانيا أو يهوديا فإننا نثبت إسلامه بمجرد قوله لا إله إلا الله محمد رسول الله ولا نقول من ثبت كفره بيقين لم يقبل إسلامه إلا بعد تحقق الشروط وانتفاء الموانع فكذلك المسلم لو سب الله أو جحد معلوما من الإسلام بالضرورة وعلمنا ذلك عنه بدليل ظاهر فهذا كفر يقيني لا يُدفع بالشك أن هناك شروطا وموانعا افتراضية
الخلاصة
فيتبين مما مضى الأصل في النصوص حملها على ظاهرها وعمومها ولا يجوز تخصيص نص أو صرفه عن ظاهره إلا بدليل وقرينة يقدمها من يدعي ذلك كما أن الأصل في إطلاقات السلف أن ما وصفوه بالكفر والبدعة فالواقع فيه كافر أو مبتدع ولا يجوز تعطيل الأحكام الشرعية بهراء الكلكلة والقدقدة ومن ادعى انتفاء شرط أو وجود مانع فهو المكلف بالإتيان بهذه بالشروط والموانع المنضبطة لا أن يعطل الحكم اليقيني بسبب الشك في وجود مانع لأن اليقين لا يدفع بالشك وفعل هؤلاء مع نصوص الأئمة هو عين فعل الزناقة مع سائر نصوص الشريعة إذا يبطلون أحكام الأمر والنهي بدعوى أن ليس كل أمر يلزم منه الوجوب أو كل نهي يلزم منه التحريم فإن النصوص على عمومها وظاهرها ومن يدعي تخصيصا فهو مطالب بالدليل لا أن يبطل النص لأن نصا غيره تم تخصيصه أو صرف عن ظاهره
فكذلك المميعة لا يحل لهم أن يحكموا بسنية الجهمية بدعوى أن غيرهم وقعت منه أخطاء وعذر
هدية ختام
نقلنا لكم أول المقال كلام ابن تيمية عمن ثبت إسلامه بيقين الذي يكثر هؤلاء الناس من نقله لكننا سننقل لكم الآن بقية كلامه الذي قاله بعد بصفحة واحدة الذي يرد على منهج هؤلاء المميعة ويبين أن عدم الحكم بالكفر على الأعيان لا يعني السكوت عن ضلال الفرق المنحرفة ونشر السنة فيقول:
وَبِإِزَاءِ هَؤُلَاءِ الْمُكَفِّرِينَ بِالْبَاطِلِ أَقْوَامٌ لَا يَعْرِفُونَ اعْتِقَادَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ كَمَا يَجِبُ أَوْ يَعْرِفُونَ بَعْضَهُ وَيَجْهَلُونَ بَعْضَهُ وَمَا عَرَفُوهُ مِنْهُ قَدْ لَا يُبَيِّنُونَهُ لِلنَّاسِ بَلْ يَكْتُمُونَهُ وَلَا يَنْهَوْنَ عَنْ الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا يَذُمُّونَ أَهْلَ الْبِدَعِ وَيُعَاقِبُونَهُمْ؛ بَلْ لَعَلَّهُمْ يَذُمُّونَ الْكَلَامَ فِي السُّنَّةِ وَأُصُولِ الدِّينِ ذَمًّا مُطْلَقًا؛ لَا يُفَرِّقُونَ فِيهِ بَيْنَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْبِدْعَةِ وَالْفُرْقَةِ أَوْ يُقِرُّونَ الْجَمِيعَ عَلَى مَذَاهِبِهِمْ الْمُخْتَلِفَةِ كَمَا يُقَرُّ الْعُلَمَاءُ فِي مَوَاضِعِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي يَسُوغُ فِيهَا النِّزَاعُ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ قَدْ تَغْلِبُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمُرْجِئَةِ وَبَعْضِ الْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ والمتفلسفة كَمَا تَغْلِبُ الْأُولَى عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْكَلَامِ وَكِلَا هَاتَيْنِ الطَّرِيقَتَيْنِ مُنْحَرِفَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ بَيَانُ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ وَتَبْلِيغُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنْ اللَّهِ وَالْوَفَاءُ بِمِيثَاقِ اللَّهِ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ فَيَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَيُؤْمِنَ بِهِ وَيُبَلِّغَهُ وَيَدْعُوَ إلَيْهِ
وَيُجَاهِدَ عَلَيْهِ وَيَزِنَ جَمِيعَ مَا خَاضَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَعْمَالٍ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ غَيْرَ مُتَّبِعِينَ لِهَوَى: مِنْ عَادَةٍ أَوْ مَذْهَبٍ أَوْ طَرِيقَةٍ أَوْ رِئَاسَةٍ أَوْ سَلَفٍ؛ وَلَا مُتَّبِعِينَ لِظَنِّ: مِنْ حَدِيثٍ ضَعِيفٍ أَوْ قِيَاسٍ فَاسِدٍ - سَوَاءً كَانَ قِيَاسَ شُمُولٍ أَوْ قِيَاسَ تَمْثِيلٍ - أَوْ تَقْلِيدٍ لِمَنْ لَا يَجِبُ اتِّبَاعُ قَوْلِهِ وَعَمَلِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ ذَمَّ فِي كِتَابِهِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَيَتْرُكُونَ اتِّبَاعَ مَا جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ مِنْ الْهُدَى. اه
فأين هذا من الذين يقولون يدا واحدة أشعرية وسلفية وماتريدية