قال اللهﷻ ﴿یُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَمَا یَخۡدَعُونَ إِلَّاۤ أَنفُسَهُمۡ وَمَا یَشۡعُرُونَ﴾ [البقرة ٩]
قال ابن جرير الطبري: وهذه الآية من أوضح الدليل على تكذيب الله جلّ ثناؤه الزاعمين: أن الله لا يُعذِّب من عباده إلا من كَفَر به عنادًا، بعد علمه بوحدانيته، وبعد تقرُّر صحة ما عاندَ ربّه تبارك وتعالى عليه مِن تَوْحيده، والإقرار بكتبه ورُسله - عنده. لأن الله جلّ ثناؤه قد أخبرَ عن الذين وَصفهم بما وصفهم به من النفاق، وخِداعهم إياه والمؤمنين - أنهم لا يشعرون أنهم مُبْطلون فيما هم عليه من الباطل مُقِيمون، وأنَّهم بخداعهم - الذي يحسبون أنهم به يُخادعون ربهم وأهلَ الإيمان به - مخدوعون. ثم أخبر تعالى ذكره أنّ لهم عذابًا أليمًا بتكذيبهم بما كانوا يكذِّبون من نبوة نبيّه، واعتقاد الكفر به، وبما كانوا يَكذِبون في زعمهم أنهم مؤمنون، وهم على الكفر مُصِرُّون.
وقال ربنا سبحانه ﴿فَرِیقًا هَدَىٰ وَفَرِیقًا حَقَّ عَلَیۡهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُۚ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلشَّیَـٰطِینَ أَوۡلِیَاۤءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَیَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ﴾ [الأعراف ٣٠]
قال ابن جرير الطبري: يقول تعالى ذكره: إن الفريق الذي حق عليهم الضلالة، إنما ضلوا عن سبيل الله وجارُوا عن قصد المحجة، باتخاذهم الشياطين نُصراء من دون الله، وظُهراء، جهلا منهم بخطأ ما هم عليه من ذلك، بل فعلوا ذلك وهم يظنون أنهم على هدى وحق، وأن الصواب ما أتوه وركبوا.
وهذا من أبين الدلالة على خطأ قول من زعمَ أن الله لا يعذِّب أحدًا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيركبها عنادًا منه لربه فيها. لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضلّ وهو يحسَبُ أنه هادٍ. وفريق الهدى، فَرْقٌ. وقد فرَّق الله بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية.
قال السمعاني: وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن المستبصر بالْكفْر الَّذِي يحْسب أَنه على الْحق مثل المعاند سَوَاء.
وقال جل وعز ﴿قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِینَ أَعۡمَـٰلًا ١٠٣ ٱلَّذِینَ ضَلَّ سَعۡیُهُمۡ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَهُمۡ یَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ یُحۡسِنُونَ صُنۡعًا ١٠٤﴾
قال ابن جرير الطبري: والصواب من القول في ذلك عندنا، أن يقال: إن الله عزّ وجلّ عنى بقوله ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا﴾ كلّ عامل عملا يحسبه فيه مصيبا، وأنه لله بفعله ذلك مطيع مرض، وهو بفعله ذلك لله مسخط، وعن طريق أهل الإيمان به جائر كالرهابنة والشمامسة وأمثالهم من أهل الإجتهاد في ضلالتهم، وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم بالله كفرة، من أهل أيّ دين كانوا.
وقال كذلك ﴿عَامِلَةࣱ نَّاصِبَةࣱ ٣﴾
عن أبي عمران الجَونيّ، قال: مَرَّ عمر بن الخطاب براهبٍ، فوقف، ونودي الراهب، فقيل له: هذا أمير المؤمنين. فاطّلع، فإذا إنسان به مِن الضر والاجتهاد وتَرْك الدنيا، فلمّا رآه عمر بكى، فقيل له: إنه نصراني! فقال عمر: قد علمتُ، ولكني رحِمتُه؛ ذكرتُ قول الله: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾، فرحمتُ نَصَبه واجتهاده، وهو في النار.
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾، قال: يعني: اليهود والنصارى، تخشع ولا ينفعها عملُها
ومن الدليل أن مجرد إرادة الحق ليس بعذر من كلام الصحابة رضي الله عنهم
ما رواه الدارمي في سننه أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَنبَأَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا نَجْلِسُ عَلَى بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَإِذَا خَرَجَ، مَشَيْنَا مَعَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَجَاءَنَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ فَقَالَ: أَخَرَجَ إِلَيْكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ قُلْنَا: لَا، بَعْدُ. فَجَلَسَ مَعَنَا حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ، قُمْنَا إِلَيْهِ جَمِيعًا، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ آنِفًا أَمْرًا أَنْكَرْتُهُ وَلَمْ أَرَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - إِلَّا خَيْرًا. قَالَ: فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: إِنْ عِشْتَ فَسَتَرَاهُ. قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ قَوْمًا حِلَقًا جُلُوسًا يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ فِي كُلِّ حَلْقَةٍ رَجُلٌ، وَفِي أَيْدِيهِمْ حصًا، فَيَقُولُ: كَبِّرُوا مِائَةً، فَيُكَبِّرُونَ مِائَةً، فَيَقُولُ: هَلِّلُوا مِائَةً، فَيُهَلِّلُونَ مِائَةً، وَيَقُولُ: سَبِّحُوا مِائَةً، فَيُسَبِّحُونَ مِائَةً، قَالَ: فَمَاذَا قُلْتَ لَهُمْ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ لَهُمْ شَيْئًا انْتِظَارَ رَأْيِكَ أَوِ انْتظارَ أَمْرِكَ. قَالَ: «أَفَلَا أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ، وَضَمِنْتَ لَهُمْ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ»، ثُمَّ مَضَى وَمَضَيْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَى حَلْقَةً مِنْ تِلْكَ الْحِلَقِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: «مَا هَذَا الَّذِي أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ؟» قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حصًا نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيحَ. قَالَ: «فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ، فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيْءٌ وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ هَؤُلَاءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ مُتَوَافِرُونَ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ، وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أوْ مُفْتَتِحُو بَابِ ضَلَالَةٍ». قَالُوا: وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا أَرَدْنَا إِلَّا الْخَيْرَ. قَالَ: «وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنَا أَنَّ» قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ "، وَايْمُ اللَّهِ مَا أَدْرِي لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُمْ، ثُمَّ تَوَلَّى عَنْهُمْ. فَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ: رَأَيْنَا عَامَّةَ أُولَئِكَ الْحِلَقِ يُطَاعِنُونَا يَوْمَ النَّهْرَوَانِ مَعَ الْخَوَارِجِ
وما روى ابن بطة في الإبانة حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَابْنُ الصَّوَّافِ، قَالَا: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ بَعْدَ السُّنَّةِ فِي ضَلَالَةٍ رَكِبَهَا حَسِبَهَا هُدًى، وَلَا فِي هُدًى تَرَكَهُ حَسِبَهُ ضَلَالَةً، فَقَدْ بُيِّنَتِ الْأُمُورُ، وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ، وَانْقَطَعَ الْعُذْرُ»
قال صَالح حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنَا أَبُو الْأَشْهب هَوْذَة عَن هِشَام بن حسان عَن الْحسن قَالَ مر بِي أنس بن مَالك وَقد بَعثه زِيَاد إِلَى أبي بكرَة يعاتبه فَانْطَلَقت مَعَه فَدَخَلْنَا على الشَّيْخ وَهُوَ مَرِيض فأبلغه عَنهُ فَقَالَ إِنَّه يَقُول ألم أسْتَعْمل عبيد الله على فَارس ألم أسْتَعْمل رَوَّادًا على دَار الرزق ألم أسْتَعْمل عبد الرَّحْمَن على الدِّيوَان وَبَيت المَال فَقَالَ أَبُو بكرَة فَهَل زَاد على أَن أدخلهم النَّار قَالَ فَقَالَ أنس إِنِّي لَا أعلمهُ إِلَّا مُجْتَهدا فَقَالَ أَبُو بكرَة اقعدوني فَقَالَ قلت إِنِّي لَا أعلمهُ إِلَّا مُجْتَهدا وَأهل حروراء قد اجتهدوا أفأصابوا أم أخطأوا قَالَ الْحسن فرجعنا مخصومين
قال الإمام أحمد حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ يَعْنِي ابْنَ صَالِحٍ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ، قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ، فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ حَيْثُمَا انْقِيدَ انْقَادَ»
وفي رواية أخرى قال أبو الدرداء وصدق والله رسول الله ﷺ لقد تركنا على المحجة البيضاء
قال ابن أبي زيد القيرواني: ومن قول أهل السنة: إنه لا يعذر من وداه اجتهاده إلى بدعة؛ لأن الخوارج اجتهدوا في التأويل فلم يُعذروا إذ خرجوا بتأويلهم عن الصحابة، فسماهم مارقين من الدين، وجعل المجتهد في الأحكام مأجورًا وإن أخطأ.
قال ابن منده: ذِكْرُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ المُجْتَهِدَ المُخْطِئَ فِي مَعْرِفَةِ الله ووَحْدَانِيَّتِهِ كَالمُعَانِدِ.
قَالَ الله تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ ضَلَالَتِهِمْ وَمُعَانَدَتِهِمْ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لمَّا سُئِلَ عَنِ الأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا فَقَالَ: كَفَرَةُ أَهْلُ الكِتَابِ كَانَ أَوَائِلُهُمْ عَلَى حَقٍّ، فَأَشْرَكُوا بِرَبِّهِمْ وَابْتَدَعُوا فِي دِينِهِمْ، وَأَحْدَثُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَهُمْ يَجْتَمِعُونَ فِي الضَّلَالَةِ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى هُدًى، وَيَجْتَهِدُونَ فِي البَاطِلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ، ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا.
وَقَالَ عَلِيٌّ مِنْهُمْ أَهْلُ حَرُورَاءَ.
﴿وَلَئن سَأَلۡتَهُمۡ لَیَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَایَـٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ ٦٥ لَا تَعۡتَذِرُوا۟ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِیمَـٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَاۤئفَةࣲ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَاۤئفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُوا۟ مُجۡرِمِینَ ٦٦﴾ [التوبة ٦٥-٦٦]
قال قوام السنة وهو يبين الفرق بين الاجتهاد في الأصول والعقائد وبين الاجتهاد في الفروع
فَأَما قَوْلهم: إِن السّلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لم ينْقل عَنْهُم أَنهم اشتغلوا بِالِاجْتِهَادِ فِي الْفُرُوع.
فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَنه لم ينْقل عَنْهُم النَّهْي عَن ذَلِك، والزجر عَنهُ، بل من تدبر اخْتِلَاف الصَّحَابَة فِي الْمسَائِل واحتجاجهم فِي ذَلِك عرف أَنهم كَانُوا يرَوْنَ الْقيَاس وَالِاجْتِهَاد فِي الْفُرُوع.
وَقد روى أهل الحَدِيث وَالنَّقْل عَنْهُم ذَلِك، واحتجاج بَعضهم عَلَى بعض، وَطلب الْأَشْبَاه، ورد الْفُرُوع إِلَى الْأُصُول.
وَأما من كره ذَلِك فَيحْتَمل أَنه إِنما كره ذَلِك إِذَا كَانَ مَعَ وجود النَّص من الْكتاب وَالسّنة.
وَأما الْكَلَام فِي أَمر الدّين وَمَا يرجع إِلَى الِاعْتِقَاد من طَرِيق الْمَعْقُول فَلم ينْقل عَن أحد مِنْهُم، بل عدوه من الْبدع والمحدثات، وزجروا عَنهُ غَايَة الزّجر ونهوا عَنهُ.
وَجَوَاب آخر: أَن الْحَوَادِث للنَّاس، والفتاوى فِي الْمُعَامَلَات لَيْسَ لَهَا حصر وَنِهَايَة، وبالناس إِلَيْهِ حَاجَة عَامَّة، فَلَو لم يجز الِاجْتِهَاد فِي الْفُرُوع وَطلب الْأَشْبَه بِالنّظرِ وَالِاعْتِبَار، ورد الْمَسْكُوت عَنهُ إِلَى الْمَنْصُوص عَلَيْهِ بالأقيسة، لتعطلت الْأَحْكَام، وفسدت عَلَى النَّاس أُمُورهم، والتبس أَمر الْمُعَامَلَات على النَّاس، ولابد للعامي من مفتي، وإِذَا لم يجد حكم الْحَادِثَة فِي الْكتاب وَالسّنة فَلَا بُد من الرُّجُوع إِلَى المستنبطات مِنْهُمَا، فَوسعَ اللَّه من هَذَا الْأَمر عَلَى الْأمة، وَجوز الِاجْتِهَاد، ورد الْفُرُوع إِلَى الْأُصُول لهَذَا النَّوْع من الضَّرُورَة، وَمثل هَذَا لَا يُوجد فِي المعتقدات؛ لأَنَّهَا محصورة مَعْدُودَة، قد وَردت النُّصُوص فِيهَا من الْكتاب وَالسّنة.
فَإِن اللَّه أَمر فِي كِتَابه وعَلى لِسَان رَسُوله باعتقاد أَشْيَاء مَعْلُومَة لَا مزِيد عَلَيْهَا وَلَا نُقْصَان عَنْهَا، وَقد أكملها بقوله: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ فَإِذَا كَانَ قد أكمله وأتمه، وَهَذَا الْمُسلم قد اعْتقد وَسكن إِلَيْهِ، وَوجد قَرَار الْقلب (عَلَيْهِ)، فبماذا يحْتَاج إِلَى الرُّجُوع إِلَى دَلَائِل الْعُقُول وقضاياها، وَالله أغناه عَنهُ بفضله، وَجعل لَهُ المندوحة عَنهُ لم يدْخل فِي أَمر يدْخل عَلَيْهِ من
الشُّبْهَة والإِشكالات، ويوقعه فِي المهالك بِالرُّجُوعِ إِلَى الخواطر والمعقولات وَاتِّبَاع الآراء فِي قديم الدَّهْر وَحَدِيثه، وَهل نجا من نجا إِلا بِاتِّبَاع سنَن الْمُرْسلين، وَالْأَئِمَّة الهادية من الأسلاف الْمُتَقَدِّمين، وَإِذا كَانَ هَذَا النَّوْع من الْعلم لطلب زِيَادَة فِي الدّين، فَهَل تكون الزِّيَادَة بعد الْكَمَال إِلا نُقْصَانا، مثل زِيَادَة الْأَعْضَاء والأصابع فِي الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ فليتق امْرُؤ ربه، وَلَا يدخلن فِي دينه مَا لَيْسَ مِنْهُ، وليتمسك بآثار السّلف وَالْأَئِمَّة المرضية، وليكونن عَلَى هديهم وطريقهم، وليعض عَلَيْهَا بنواجذه، وَلَا يوقعن نَفسه فِي مهلكة يضل فِيهَا الدّين، وَيشْتَبه عَليّ الْحق، وَالله حسيب أَئِمَّة الضلال الداعين إِلَى النَّار، وَيَوْم الْقِيَامَة لَا ينْصرُونَ».
وقال مثله أبو المظفر السمعاني في الانتصار لأصحاب الحديث ١/٣٣
قال ابن قدامة رحمه الله يرد على ابن عقيل دعواه الاجتهاد في مسائل العقائد والصفات وترك تقليد السلف فبين أولا بطلان قوله من وجوه ثم قال:
ثمَّ إِن اغْترَّ مغتر بقول ابْن عقيل هَذَا وَلم يقنع بِاتِّبَاع سلفه وَلَا رَضِي بِاتِّبَاع أئمته وَلم يجوز تقليدهم فِي مثل السُّكُوت عَن تَأْوِيل الصِّفَات الَّتِي وَقع الْكَلَام فِيهَا فَكيف يصنع فَهَل لَهُ سَبِيل إِلَى معرفَة الصَّحِيح من ذَلِك بِاجْتِهَاد نَفسه وَنظر عقله وَمَتى يَنْتَهِي إِلَى حد يُمكنهُ التَّمْيِيز بَين صَحِيح الدَّلِيل وفاسده فَهَذَا ابْن عقيل الَّذِي زعم أَنه استفرغ وَسعه فِي علم الْكَلَام مَعَ الذكاء والفطنة فِي طول زَمَانه مَا أَفْلح وَلَا وفْق لرشد بل أفْضى أمره إِلَى ارْتِكَاب الْبدع المضلات وَالْخَطَأ الْقَبِيح ومفارقة الصَّوَاب حَتَّى استتيب من مقَالَته وَأقر على نَفسه ببدعته وضلالته
فَأَنت أَيهَا المغتر بقوله هَذَا مَتى تبلغ إِلَى دَرَجَته فَإِذا بلغتهَا فَمَا الَّذِي أعْجبك من حَالَته حَتَّى تقتدي بِهِ وَقد ذكرنَا مَا قَالَه الْأَئِمَّة فِي ذمّ الْكَلَام وَأَهله ونسأل الله السَّلامَة
