مقدمة في الاحتجاج بالإجماع وحال الأعيان
لقد تم تبيان مسألة احتجاج البعض بالإجماع على إمامة شخص معين في حلقات سابقة. ويجب التأكيد على أن الإجماع المعتبر هو إجماع السلف رضوان الله عليهم والقرون الفاضلة، لأن إجماع المتأخرين هذا لا ينضبط أصلاً. كما أن الإجماع المتأخر لا يرفع الخلاف المتقدم لأن الأقوال لا تموت بموت قائليها نبه على ذلك ابن قدامة وابن تيمية وابن القيم وغيرهم في كتب أصول الفقه.
ومن زاوية أخرى، يُثار التساؤل حول ما إذا كان الحكم على حال شخص معين، مثل القول "فلان سني" أو "فلان مبتدع" أو "فلان منافق" أو "فلان ظالم"، يعد من الإجماع الشرعي المعتبر، أو من العلم والهدى الذي تجتمع الأمة عليه فلا يجوز كتمه ولا الخطأ فيه،
أو أنه من الأمور التي فيها مساغ وعادي. مثلا القول بأن النووي إمام شرعاً بناءً على قول تلميذه ابن عطار بأن النووي "الإمام المجمع على إمامته وعدالته" فهذا قول غير صحيح.
إذ أن المراد بالأحكام التي يكون فيها الإجماع الشرعي هي البينات والهدى، أي الأحكام الشرعية كقول "هذا حلال" وهذا "حرام"، وليس تنزيل الحكم على شخص بعينه.
لما يكون في الحكم على الأشخاص من جواز خفاء حالهم وعدم اطلاع العلماء على سراءرهم ونياتهم أو عدم فهم كثير من مقالاتهم وهذا أمر جائز للعالم والقاضى الوقوع فيه خلافا للحكم الشرعي الذي يكون الخطأ فيه من باب عدم العلم بالنصوص أو عدم فهمها وهذا أمر وإن كان جائز الوقوع من العالم فهو قليل ولابد لغيره أن ينتبه لما فاته لأن الله تكفر بحفظ دين الأمة
وعاء أبي هريرة وكتمان العلم
كان أبو هريرة رضي الله عنه يُعاب بكثرة حديثه. وقد أوضح سبب إكثاره للحديث مقارنة بغيره من المهاجرين والأنصار. فالمهاجرون كان يشغلهم الصفق بالأسواق، والأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم، بينما كان أبو هريرة امرأً مسكيناً يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطنه. وقد ذكر أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره ذات يوم أن يبسط ثوبه، ثم يجمعه إلى صدره، فما نسي من مقالة النبي صلى الله عليه وسلم تلك شيئاً.
وأقسم أبو هريرة رضي الله عنه أنه لولا آيتان من كتاب الله ما حدث أحداً شيئاً أبداً. ثم تلا قول الله عز وجل: *إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ. فقد كان يحدث خوفاً من وعيد الله لمن يكتم البينات والهدى.
لكن الغريب هو ما رواه البخاري عنه عن أبي هريرة نفيه أنه قال:"حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين من العلم، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم".
هذا يثير تساؤلاً حول كيفية كتمان أبي هريرة لوعاء من العلم وهو نفسه الذي أخبر أنه لولا خوفه من وعيد الله عز وجل فيمن كتم العلم ما حدث الناس بشيء لكنه كان يحدث ويصبر على ما يلقى من الناس لأنه خاف من لعنة الله ولعنة اللاعنين على كاتم العلم
تفسير العلماء للعلم المكتوم (الوعاء الآخر)
لقد احتجت بهذا الحديث طوائف من أهل البدع، وخاصة الباطنية والصوفية ومنكرو السنة، زاعمين أن هذا الوعاء المكتوم هو العلم الباطني أو الأحوال الصوفية. وقد بين العلماء خطأ هذا الزعم:
1.ليس من الشرعيات: أكد العلماء أن العلم الذي كتمه أبو هريرة لا يجوز أن يكون من الشرعيات، لأن كتمان الأمور الشرعية لا يجوز. وقد كان أبو هريرة نفسه يقول: "لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم".
2.أخبار الفتن وتعيين الأشخاص: هذا المكتوم هو مما يتعلق بأخبار الفتن والملاحم والنص على أعيان المرتدين والمنافقين وملوك الجور. وقد كان من ذلك ما كنى عنه أبو هريرة أحيانا كقوله لحديث النبي ﷺ: "هلاك أمتي على يد أغيمة من سفهاء قريش". وقال أبو هريرة لو شئت أن أقول بني فلان وبني فلان لقلت
3. القتل والتكذيب: لو صرح أبو هريرة بأسماء بني فلان وبني فلان الذين يكون على أيديهم هلاك الأمة، لكذبه الناس وقتلوه. ولو حدثهم أنهم يقتلون خليفتهم ويخربون بيت ربهم، لقالوا "كذب أبو هريرة".
4.ابن تيمية ونفي الباطنية: نفى ابن تيمية أن يكون في الجراب المكتوم ما يدعيه أهل البدع، وأكد أنه كان من الأخبار عن الفتن وذكر رحمه الله أن أبا هريرة ممن أسلم متأخرا فلو كان النبي ﷺ يختص بعض الصحابة بعلم باطن لكن غير أبي هريرة من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار أولى بذلك وأحق من أبي هريرة.
كما نبه تلميذه ابن كثير رحمه الله على تناقض هؤلاء الباطنية بادعائهم أن ما عندهم هو من ذلك العلم الذي كتمه أبو هريرة فلو كان أبو هريرة كتمه ولم يحدث به أحدا فكيف وصل لهم ولو كان من أحاديث الفتن التي حدث بها هو أو غيره أو حدثوا ببعضا فليس فيها من العلم الباطن شيء إذاً.
سر حذيفة ومعرفة المنافقين
أشار ابن تيمية إلى أن صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، والذي كان ينفرد بعلم أسرارهم وحقائقهم، هو حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.
وقد كان سر حذيفة هو معرفته بأعيان المنافقين الذين كانوا في غزوة تبوك، والذين هموا بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم لهذا السبب، كان عمر رضي الله عنه لا يصلي إلا على من صلى عليه حذيفة، لأن الصلاة على المنافقين منهي عنها وكان حذيفة يعرف أسماء أعيان المنافقين ومع ذلك لم يخبر بها أحداً.
تعيين الأسماء ليس من البينات والهدى
يؤكد القرطبي أن قوله تعالى *من البينات والهدى* يدل على أن ما كان من غير ذلك جائز كتمه، خاصة إن كان مع ذلك خوف من فتنة أو قتل.
وبناءً على ذلك، خلص العلماء إلى أن النص على أسماء المنافقين أو المرتدين أو ملوك الجور ليس من البينات والهدى.
طالما أن المرء يبين للناس أن هذا الفعل محرم، وهذا ظلم، وهذا جور، فلا حاجة لتسمية كل جائر أو فاعل لفعل محرم باسمه.
وكذلك في البدعة، متى بينت حال البدعة، لست بحاجة إلى أن تسمي كل مبتدع باسمه وتبدعه.
العلوم المباحة والمحرمة: يوضح الذهبي أن العلم مراتب؛ فهناك علم واجب بثه الشريعة، وعلم يتعين نشره فضائل الأعمال، وعلم مباح لا يجب بثه يدخله خواص العلماء، وعلم يحرم تعلمه ونشره كعلم السحر والفلاسفة والأحاديث الموضوعة. والكلام في أعيان الناس ليس من العلم الواجب بثه ومما يجوز السكوت عنه.
لماذا نتكلم في الأعيان اليوم؟
لقد بقي أبو هريرة ولم يذكر أسماء أمراء الجور أو غلمة قريش. ويجوز للناس أن تسكت عن الحكم على حال شخص معين كأن يقال فلان مبتدع. طالما أنهم فعلوا المأمور به من بيان بدعته والتحذير منها والتنبيه على خطرها
ولكن، السبب الذي يوجب الكلام في أعيان الناس اليوم هو أن أهل البدع صاروا يحتجون بأسمائهم على صحة بدعتهم. يقولون "نحن على الحق لأن منا فلان ومنا فلان". كما أن كثيراً من أهل السنة صاروا يغترون بتعظيم هؤلاء ويتجهون إلى البدعة.
لهذا السبب، وجب الآن تعيين أسماء أهل البدعة، على الأقل أولئك الذين يُغتر بهم من الناس، للتنبيه على أن هؤلاء مبتدعة
أضف لذلك أن قولنا بالجواز في بعض الأحوال لا يلزم منه الجواز في كل حال فضلا أن يقال بالوجوب فلذلك نجد أسماء بن أبي بكر رضي الله عنها قالت للحجاج بأنه منافق وذكرت حديث النبي ﷺ يخرج من آل ثقيف كذاب ومبير
فالكلام في أعيان المبتدعة وتسميتهم هي مسألة مصلحية فيجوز السكوت عنها أحيانا ويجوز البوح بها أحيانا وفي أحيان أخرى يكون الكلام واجبا لهذا نجد في كثير من كلام السلف الأهمية على التحذير من المبتدعة ومجالستهم حتى لا يغتر الناس بهم بل يصل الأمر في كثير من الأحيان إلى أنهم يبدعون الشخص بمجرد مجالسته لمبتدع معروف بالبدعة وإن لم يكن ظهر منه موافقته في المقالة
استشكال أخير
لقائل أن يقول ألن يحتج بعين هذه الحجة من أراد الطعن بالأئمة المجمع عليهم كسفيان وأحمد والأوزاعي ومالك وغير هؤلاء فيطعن بهم ويبدعهم.
فالجواب أنه كما بينا أن الحكم على أعيان الأشخاص ليس مما يدخل في الإجماع الشرعي لكن هذا لا يعني أنه يجوز الطعن في كل شخص بغير وجه حق والذي كان معروفا بالسنة والصلاح والخلق فلا يجوز التعرض له بسوء سواء أجمعت الأمة عليه أم لا
لكن الخلاف بين هؤلاء وبين من نبدعهم من المتأخرين أن هؤلاء أجمعت الأمة على صحة اعتقادهم وعلى سنيتهم وكذلك على فقههم إلا ما اختلفوا هم فيه من المسائل فلذلك لما يقول أحمد أو سفيان قولا في العقيدة فهذا القول يدخل ضمن الإجماع الشرعي الذي لا تضل فيه الأمة فلهذا نحن نحكم عليهم بالإمامة والسنة إذ أتهم أتوا بشروطها ولم يتلبسوا بناقض من نواقضها ثم هم عندنا على قاعدة أهل السنة فلنا ظاهر أمرهم ونكل سرائرهم وعاقبة أمرهم إلى الله ولا نحكم عليهم بجنة ولا نار
خلافا للمتأخرين الذي يقال لك هو إمام لكن لا يقرأ كتبه إلا المتمكن حتى لا يتأثر بما فيها من تأويلات باطلة أو بدع في التصوفات أو انحراف في الفقه فهذا من التناقض البين فنفس من شهد له بالإمامة هو من شهد عليه بالضلال في المعتقد فلم يبق لمن يدافع عنهم بعدها إلا أن يقول أن عقيدتهم لا دخل لها بالحكم عليهم ثم يبرر ذلك بأسباب غيبية مما أخبرنا الله أنه لا يعلم بها غيره مثل أنه كان يريد الحق أونه كان مخلصا في طلبه وغير ذلك
