يطرح البعض فكرة أن ابن تيمية ذكر النووي كثيرًا في كتبه ووصفه بالإمام، مستشهدًا به ونقلاً عنه.
ولكن بالعودة إلى كتاب "مجموع الفتاوى" لابن تيمية، يتبين أن ابن تيمية ذكر النووي مرتين فقط.
هذا العدد لا يتناسب مع ادعاء "كثيرًا كثيرًا" الذي يوحي بذكر يصل إلى 50 أو 60 مرة. بل إن المرات التي ذكر فيها النووي لا تحمل معنى التعظيم أو الاستشهاد لتقوية قول ابن تيمية، بل كانت في سياقات أخرى:
1. **المرة الأولى**: ذكر شيخ الإسلام النووي في سياق يخص كتب أبي الحسن الأشعري، مثل "المقالات" و"الإبانة". حيث قال: "ولقد اجتمعنا بدمشق وأحضر فيما أحضر كتب أبي الحسن الأشعري مثل المقالات والابانة وغيرهم وأحضر كتاب الإبانة وما ذكر ابن عساكر في كتاب تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري وقد نقله بخطه أبو زكريا النووي".
يفهم هذا النص على أنه حجة وإلزام للخصوم الذين ينكرون أن كتاب "الإبانة" لأبي الحسن الأشعري. فقد استخدم ابن تيمية حقيقة أن النووي، وهو من أئمة الأشعرية في نظر هؤلاء، قد كتب "الإبانة" بيده.
هذا ليس استدلالاً بأن النووي إمام، بل هو إلزام للخصوم بشيخهم في حقيقة الأمر، بل هذا الذكر يحمل معنى الذم للنووي وليس الإشادة به، لأنه يلزم جماعتهم بأن هذا الرجل الأشعري هو من كتبه بخط يده.
2. **المرة الثانية**: كانت في سياق مسألة الطلاق، حيث تحدث ابن تيمية عن ظاهر مذهب أحمد في نذر الطلاق وأن فيه كفارة يمين، وذكر أن الرافعي والنووي وغيرهما وافقوا على ذلك وجعلوه من المرجح في مذهب الشافعي. ثم أتى ابن تيمية ليقول: "والقول الثالث وهو أصح الأقوال وهو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار أن هذه يمين من ايمان المسلمين فيجري فيها ما يجري في ايمان المسلمين وهو الكفارة عند الحنث".
هنا، جاء ذكر النووي لا تعظيمًا له، بل للرد على قوله وبيان أن كلامه خاطئ.
ابن تيمية لم يستشهد بقول النووي لتقوية رأيه، بل قدم القول الثالث كأصح الأقوال.
لفظ "الإمام" المنسوب لابن تيمية عن النووي وتفنيده:
هناك موضع آخر يشاع فيه أن ابن تيمية وصف النووي بـ "الإمام أبو زكريا النووي". هذا الموضع أُثير كثيرًا في النقاشات. إلا أن محقق الكتاب نفسه صرح بأن هذا الكلام ليس كلامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية، بل هو إضافة من الناسخ. وهناك عدة أسباب قوية تشكك في صحة هذه الإضافة وكونها من كلام ابن تيمية:
مخالفة لتقريرات ابن تيمية: تحتوي هذه الإضافة على مخالفات لتقريرات شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه وأسلوبه.
عدم الارتباط بالموضوع الأصلي: هذه التتمة ليست تتمة للموضوع الأصلي الذي يتحدث عنه ابن تيمية وهو "الإيمان الأوسط"، وليس لها علاقة به.
اعتماد نسخة خطية خاطئة: النسخة الخطية التي وردت فيها هذه الزيادة، والتي اعتمدها المحقق كأصل، مليئة بالأخطاء. بل إن المحقق نفسه يرجح في مواضع أخرى ما جاء في النسخ الخطية الأخرى التي لا تحتوي على هذه الزيادة. هذا دليل قاطع على أنها ليست من كتابة ابن تيمية نفسه.
تباين الأسلوب والمنهجية: الصفحات العشر الأولى من هذه الزيادة تغاير نَفَس ابن تيمية ولا تنسجم مع أسلوبه ولا منهجه. هي نقول متناثرة غير متسقة، ولا يظهر فيها تحقيق ولا تحرير، ولا يبدو أن لها صلة بموضوع "الإحسان" أو "مسائل الأسماء والأحكام" وهو موضوع الكتاب.
غيابها في مؤلفات أخرى: هذه الصفحات ليس لها ذكر أو ورود في مؤلفات ابن تيمية الأخرى، رغم أن شيخ الإسلام كان يكرر تقريراته وأفكاره في كتب متعددة.
مخالفة منهج ابن تيمية في النقل: ورد في التتمة أثر الفضيل بن عياض منسوبًا لأبي القاسم القشيري. في حين أن أثر الفضيل قد تكرر في غير موضع من مؤلفات ابن تيمية دون هذا العزو إلى القشيري. والمعروف عن ابن تيمية أنه **لم يُعهد عنه الاحتفاء بمقالات القشيري، بل كان ينتقده ورسالته** كما جاء مفصلاً في كتاب "الاستقامة".
-الطعن في حديث "الدنيا ملعونة"**: تتضمن التتمة طعنًا في حديث "الدنيا ملعونة"، حيث ورد فيها: "وكيف يصح أن الدنيا ملعونة وليس من رزق ولا من نعمة ينالها العبد الا على ظاهرها". وهذا يتناقض مع قول ابن تيمية رحمه الله في موضع آخر: "وهذا معنى ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الدنيا ملعونة ما فيها الا ذكر الله وما والاه رواه الترمذي وغيره".
هذه مخالفة واضحة لمقررات شيخ الإسلام.
النقل بلا إضافة: النصوص المأخوذة من "رسالة الحسبة" في هذه الزيادة هي مجرد نقل مع تقديم وتأخير واختصار يسير، لا تضيف فائدة ولا تعطي قدرًا زائدًا عما في "الحسبة". وهذا يخالف المعهود من تراث ابن تيمية، حيث إن المسألة الواحدة وإن تكررت في غير موضع، فإن لكل موضع ما يميزه في أسلوبه ومادته. هذا يؤكد أن هذه النقول المنتقاة هي تصرف من النساخ أو بعض التلاميذ، وليست بخط شيخ الإسلام.
في موضع آخر من "مجموع الفتاوى" (المجلد الثامن، صفحة 382)، يقول شيخ الإسلام: "حدثني بعض ثقات أصحابنا إلى أن يقول وذكر لي الحاكي وهو من فضلاء أصحاب الشافعي أنه بلغ الإمام أبا زكريا النواوي".
في هذا النص، لفظ "الإمام" هو وصف من أحد أصحاب شيخ الإسلام، وليس لفظ شيخ الإسلام نفسه.
**الخلاصة:**
بناءً على التحليل المذكور، يتضح أن الادعاء بأن ابن تيمية وصف الإمام النووي بـ "الإمام" تعظيمًا له، أو أنه استشهد به كثيرًا،
لا يستند إلى دليل قوي من مؤلفاته الأصلية. المرات القليلة التي ذكر فيها النووي كانت في سياقات إما للإلزام والاحتجاج على الخصوم، أو للرد على قوله وبيان الرأي الأصح.
أما الموضع الذي ورد فيه لفظ "الإمام أبو زكريا النووي"، فقد أثبت محقق الكتاب والتحليل النصي أنه ليس من كلام ابن تيمية الأصلي، بل إضافة لا تتسق مع منهجه أو أسلوبه أو تقريراته.
وحتى في الموضع الذي ورد فيه لفظ "الإمام" قبل اسم النووي، كان ذلك على لسان أحد أصحاب ابن تيمية وليس منه مباشرة.
ختاما نقول الأن الإمامة لا تكون للشخص بأن يقال عنه إمام من فلان ولا فلان لا ابن تيمية ولا غيره إنما تثبت الإمامة بتوفر شروطها والتي من أهمها صحة العقيدة وموافقة السنة فمن فسدت عقيدته لا يكون إماما للمسلمين زكاه من زكاه
وبهذا، يتضح أن الادعاءات حول تعظيم ابن تيمية للنووي تحتاج إلى إعادة نظر وتدقيق، مع الأخذ في الاعتبار السياقات والمصادر الأصلية.

السلام عليكم
ردحذف